أسعار النفط تشل حرب العراق على داعش

مقال رأي

كان عام 2014 بالنسبة إلى العراق بائسًا. دخلت الدولة الإسلامية البلاد مرّة أخرى بأعداد كبيرة في وقت مبكر من السنة، مشتتة قوات الأمن العراقية، في يونيو، مع غزواتها الأرضية، ونالت تأييدًا ضمنيًا من قطاعات واسعة من السُنّة العراقيين في الوقت نفسه. لكن تواجه الحكومة العراقية أزمةً ماليةً تهدد بمضاعفة مستنقعها الأمني. إنّها تريد عونًا من المملكة العربية السعودية ومن منتجي نفط كبار آخرين في الخليج، لكن إحباطًا كبيرًا ينتظرها.

لم يقدر نوري المالكي – الذي كان في شهوره الأخيرة في منصبه في الصيف الماضي – على تمرير الميزانية الوطنية في البرلمان العراقي. وصلت الخلافات مع الأكراد حول موارد النفط إلى قمّتها وصار البرلمان نفسه يشبه جمعية خطابة حرّة لكنها غير مجدية، ويتم تجاهله بشكل متزايد كمعطل لمكتب رئيس الوزراء. إنّ النتيجة الوحيدة للحكومة العراقية، في واقع الأمر، هي: أصبحت أسعار النفط الخام،  بحلول يوليو 2014، في متوسط سعر برميل النفط العراقي أي أعلى قليلًا من 102 دولار.

في هذه الآونة حتى الحظ الجيّد قد تغير. انخفضت أسعار نفط برنت خلال الأشهر العديدة الماضية بحولي 60 بالمئة منذ أعلى سعر لها في العام الماضي. وتخرج الحكومة العراقية كما هو متوقع من هذه التطورات كخاسر. لقدخسرت  بالفعل 27 بالمئة من عوائدها المتواقعة في 2014 وحدها. وفي الوقت الذي تنشغل بغداد فيه باستعادة البلاد من داعش بإنفاق المزيد من الأموال على الأمور المرتبطة بالدفاع مثل مرتبات الجنود والعتاد العسكري والاستخبارات في أرض المعركة، فإن الانخفاض في سعر الخام يضغط على الميزانية العراقية. وقد قال رئيس الوزراء، حيدر العبادي، صراحةً، إن القيمة المنخفضة لصادرات النفط ستجعل مهمة اقتلاع الدولة الإسلامية من الأراضي العراقية أكثر صعوبة.

إذا كانت أسعار النفط، في الشهر الماضي، مؤشرًا، فإن العبادي لديه أسبابًا أكثر من المطلوب كي يقلق. لم يظهر الارتداد قصير الأمد لسعر النفط الخام في الأسواق، في الأسبوع الماضي، في العراق حتى الآن: وبينما يباع برنت بما يفوق 55 دولارًا للبرميل، في نهاية يناير، فإن الخام العراقي يباع بمتوسط 41.45 دولارًا خلال نفس الفترة الزمنية بسبب الخصومات الكبيرة التي عرضتها الحكومة العراقية على المستهلكين الآسياويين. هذا بالإضافة إلى الظروف الجوية السيئة بجوار ميناء البصرة الأمر الذي أبطأ من عمليات التصدير مما أفقد بغداد حوالي 2 مليار دولار من العائدات، في الشهر الماضي، مقارنةً بديسمبر 2014.

بالنسبة إلى أمة تعاني بالفعل من قصور في هذا العام، فإن الأرقام الأخيرة قد تكون كارثة مالية إذا استمر هذا التوجه على المدى الطويل. ألمح إياد علاوي أن هذا قد يكون وقت جلسة غير اعتيادية بين الأوبيك ومصدري البترول من خارج الأوبك لإيجاد طريقة لدفع الأسعار إلى الأعلى حتى المتسوى الذي يرغبه الكثير من المصدرين وذلك كان إشارة إلى مدى الضغط الذي أصبح عليه سوق النفط بالنسبة إلى معطيات الحد الأدنى في العراق. هذا التحرك منطقي إذا أخذنا في الاعتبار أن 90 بالمئة من ميزانية العراق تعتمد على دخله من تصدير النفط الخام. قال سفير العراق لدى الولايات المتحدة مؤخرًا إن سعر النفط "سيكون العامل المحدد هذا العام في مدى قدرتنا على طرد داعش."

لسوء الحظ، من الممكن أن تكون بغداد مقدمة على إحباط مهم بما أن منتجي النفط العرب الآخرين في الخليج الذين ساعدوا في تأسيس نظام أسعار النفط الجديد لا يبدون اهتمامًا كبيرًا بالسماح لأسعار النفط بالارتفاع مجددًا إلى أي حد قريب من ما كانت عليه قبل انهيارها. حقيقي أن الكويتسمحت للعراقيين بتأجيل التعويضات المستحقة للأمم المتحدة بسبب حرب الخليج الأولى لمدة عام وعاد النفط مرّةً أخرى إلى حوالي 60 دولارًا للبرميل، وهو شيء يبدو أن العراقيين والكويتين يقدرونه.

إن الكويتين، مع ذلك، لن عملوا على تأجل الدين إلى الأبد والارتفاع الحديث للأسعار كان مرتبطًا بالقلاقل في ليبيا  أكثر من ارتباطه باختيار دول الخليج أن تضع السوق في حالة استقرار لأنهم قد رفضوا خفض الإنتاج عامة؛ بل إن انخفاض الأسعار العراقية في شرق آسيا صنع أساسًا للتنافس مع تخفيضات السعودية نفسها في حربها من أجل نصيب من السوق.

يبدو أن التحدي المركزي لبغداد، في الوقت الحالي، هو دفع السعودية لإعادة النظر في استراتيجية السوق الخلافية الخاصة بها والتي تسمح للسوق بالانهيار العمدي كي تعاقب إيران وروسيا على مساندتهما نظام الأسد في سوريا وكي توقف النمو في المصادر الدولية غير التقليدية عالية التكلفة من التنقيب مثل النفط الصخري. تمت هندسة أسعار النفط المنهارة عمدًا من قِبل السعوديين حسبما قال مسؤول أمريكي كبير في الخزانة الفيدرالية، ولذا فمن الصعب تصور أن السعوديين سيتنازلون عن هذه الاستراتيجية في الوقت الذي بدأت فيه المملكة جني منافع بما فيها انخفاض في عدد الحفّارات في الولايات المتحدة.

تمر السعودية بالفعل بعلاقات مؤقتة أقل برودة مع بغداد بعد إجبار نوري المالكي على التخلي عن منصب رئيس الوزراء، لكن ما يزال يتشكك السعوديون جدًا في رغبة العبّادي وقدرته على قلب صفحة جديدة.

إن اعتماد الحكومة العراقية على مليشيات طائفية ترتكب فظائع ضد السكان السنة - والتي يتلقى الكثير منها دعمًا من إيران - يمنع أي مساندة أقوى من الممالك الخليجية. بل إن الإمارات قد قامت مؤخرًا بضم عدد من هذه الميليشيات إلىقوائمها  الرسمية للمنظمات الإرهابية. ويتصل إبهام السعودية فيما يخص العراق، إلى حد كبير، بسيطرة إيران: "وطالما ينظر إلى العراق على أنها امتداد للهلال الشيعي الذي يمكن لمليشيات الشيعية الخارجة عن السيطرة التواجد فيه، فليس من المتوقع أن تسدي المملكة له أي خدمات."

كان هناك تغير في القيادة السعودية، لكن حتى الآن يبدي الملك سلمان استمرارية في أسعار النفط أيضًا مبقيًا على علي النعيمي كوزير للنفط - نفس الرجل الذي أطلق المناورة السعودية الخلافية (يجب مع ذلك ملاحظة أن سلطة النعيمي أفرغت  من مضمونها لصالح أبناء الملك أصحاب النفوذ). لا يجب على العراقيين تعليق الأمل في انعقاد قمّة طارئة للأوبيك – لم يعط السعوديون أي إشارة في تلبية ذلك، حتى في حال طالبت دول عربية أخرى، مثل عمان، تغييرًا في هذا التوجه.

إن إدارة العبادي مقيّدة بشكل رهيب. فإمّا أن تنفق أموالًا لا تملكها كي توفي بما ألزمت به نفسها في الدعم والدفع – وبالتالي تعاني من عجز قيمته عدة مليارات سيكون من الصعب تسديده دون عودة أسعار النفط لمعدلها - أو تقوم بستقطعات مؤذية للحفاظ على الموارد اللازمة للمحافظة على الحملة المضادة للدولة الإسلامية. هذا هم جاد يجب أن ينتبه له أي شخص في المجتمع الدولي يأمل في هزيمة داعشلدى الحكومة العراقية أسبابها كي تقلق من تقشفها المالي الحالي، لكن لا يجب أن تعتمد على أن السعودية والدول الأخرى الأعضاء في أوبيك سينقذونها.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب