أيهما أكثر إثارة للفزع: الإرهاب أم إغلاق الحكومات للمواقع الإلكترونية لمكافحته؟

مقال رأي

أمرت وزارة الداخلية الفرنسية يوم الأثنين بحجب خمسة مواقع إلكترونية على خلفية قيامهم بالترويج أو الدفاع عن الإرهاب. وصرح وزير الداخلية برنار كازانوف إنه "لا يريد أن يرى مواقع على الإنترنت يمكن أن تقود الناس إلى حمل السلاح."

وعندما يتم تفعيل الحظر بشكل سليم، بدلًا من الوصول إلى المحتوى الذي اختاروا زيارته، سيتم توجيههم تلقائيًا إلى موقع وزارة الداخلية. هناك سيتم استقبالهم برسم ليد حمراء كبيرة، ونص يبلغهم بإنهم حاولوا الدخول إلى موقع يتسبب أو يروج للإرهاب: "يتم توجيهك إلى هذا الموقع الرسمي لإن جهازك كان على وشك الاتصال بصفحة تثير الأعمال الإرهابية أو تقبل بها علنا".

لم يراجع القضاء قرارات وزارة الداخلية. طلب الوزير أولًا من صاحب الموقع أن يزيل طوعًا المحتوى الذي يراه الوزير متجاوزًا، ونتيجة لرفضه أصدر منفردًا الأمر لمقدمي خدمات الإنترنت بحظر هذه المواقع. هذه السلطة الرقابية تم العمل بها وفقًا لقانون سن مؤخرًا في فرنسا لتمكين وزير الداخلية من حجب المواقع الإلكترونية.

ويعد الإغلاق الجبري للمواقع التي تعتبر داعمة للإرهاب، أو تجريم الخطاب "المدافع" عن الإرهاب هو اتجاه رئيسي في كل من أوروبا والغرب عمومًا. في الشهر الماضي في بروكسل، أصدر منسق الاتحاد الأوروبي لمكافحة الإرهاب مذكرة معلنًا أن "أوروبا تواجه خطرًا إرهابيًا متنوع وخطير وغير مسبوق، وقال بأن زيادة سيطرة الدولة على الإنترنت أمر حاسم لمكافحته".

وأشارت المذكرة إلى أن "الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه وضعت العديد من المبادرات ذات الصلة لمواجهة التطرف والإرهاب على الإنترنت"، إلا أنهم قالوا بأن عليهم فعل المزيد. وجادلت المذكرة بأن التركيز يجب أن يكون على "العمل مع الأطراف الرئيسيين في مجال الإنترنت باعتبارها الطريقة الأفضل للحد من تداول المواد الإرهابية على الإنترنت". أشادت على وجه التحديد بتكتيكات وحدة الإحالة للإنترنت المعنية بمكافحة الإرهاب في بريطانيا والتي نجحت في أن تكون سببًا في إزالة كمية كبيرة من المواد التي تراها "متطرفة".

وبالإضافة إلى التوصية بنشر "الخطابات المضادة" من قبل الحكومات، حثت المذكرة أيضًا الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي إلى "دراسة الاحتمالات القانونية والتقنية لإزالة المحتوى غير المشروع".

وكان استغلال المخاوف الإرهابية للسيطرة على حرية التعبير ممارسة شائعة في الغرب منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ولكنها ازدادت شعبية حتى في البلدان التي شهدت عدد قليل جدًا من الجهمات. ومن شأن مشروع قانون جديد تتبناه حكومة هاربر اليمينية في كندا (ويدعمه أيضًا زعيم الحزب الليبرالي جاستن ترودو حتى وهو يدرك مخاطره) أن يستحدث جرائم جديدة "للدعوة للإرهاب"، وبخاصة: "كل شخص، من خلال عبارات التواصل دافع عن علم أو شجع ارتكاب جرائم الإرهاب بشكل عام" سيكون مذنبًا وقد يعاقب بالسجن لخمس سنوات على كل جريمة.

وفي تبرير الاقتراح الجديد اعترفت الحكومة الكندية بأن "بموجب القانون الجنائي الحالي، إنها ]بالفعل[ جريمة أن تقدم المشورة أو تشجع الآخرين على ارتكاب جريمة إرهاب محددة." يتعلق هذا الاقتراح الجديد بتجريم الأفكار والآراء. وبعبارات الحكومة فإنه "يحظر الدعوة العمدية أو الترويج للإرهاب، مع العلم أو دون اكتراث إذا كان سيؤدي إلى الإرهاب أم لا."

ويمكن أن يكون هناك شك، من أن مثل هذه القوانين الجنائية الجديدة، تهدف على وجه التحديد إلى حظر الأفكار التي لا ترغب فيها هذه الحكومات. وحدد المركز الكندي للبدائل السياسية الطرق العديدة التي ستسمح للحكومة بسجن الناس الذين يعبرون عن أفكارهم السياسية:

ستجلب الجريمة الجديدة ضمن نطاقها كل أنواع التعبير البرئ، وبعضها بلا شك يدخل في صميم قيم حرية التعبير والتي من المفترض أن يحميها الميثاق.. حتى إذا مارست الحكومة ضبط النفس في تقديم الاتهامات واعتقال المواطنين، فإن النتيجة هي إحباط لا مفر منه للتعبير. سيفكر الطلاب مرتين قبل أن ينشروا مقالًا على فيسبوك يشككون فيه من عمل عسكري ضد المسلحين خارج البلاد سيصبح الصحفيون حذرين قبل سؤال الحكومة عن قراراتها بإضافة جماعات على قائمة كندا للكيانات الإرهابية.

إذا جادل شخص بأن العنف الغربي المستمر والتدخل في العالم الإسلامي لعقود يبرر ارتداد العنف إلى الغرب، أو حتى تأييد الحكومات التي تسلح جماعات مختلفة يعتبرها البعض "إرهابية"، مثل هذا الخطاب يمكن أن ينظر له بسهولة بأنه يشكِّل جريمة.

لتهدئة المخاوف، تشير السلطات الكندية إلى أن "الجريمة الجديدة المقترحة مشابهة لجريمة سنت أخيرًا في أستراليا، والتي تحظر الدفاع عن عمل إرهابي أو عن ارتكاب جريمة إرهاب دون النظر ما إذا كان هناك شخص آخر سينخرط في هذا النشاط أم لا." وفي الواقع، فإن أستراليا قد سنت قانونًا جديدًا في أواخر العام الماضي والذي يستهدف بلا شك الخطاب والأفكار السياسية، وكذلك تجريم الصحافة التي تمثل تهديدًا من وجهة نظر الحكومة.

صارت معاقبة الأشخاص، لأن خطابهم يبدو متطرفًا أو خطرًا، ممارسة نشطة منذ بعض الوقت في بريطانيا والولايات المتحدة، كما فصَّلت (بالمصادفة) قبل أيام فقط من اندلاع مسيرات حرية التعبير في الغرب بعد هجمات تشارلي إبدو. تلك الحملات لتجريم الخطاب تستهدف بشكل ساحق المسلمين، وأسفرت عن معاقبة أنشطة حرية تعبير كلاسيكية مثل نشر تعليق مناهض للحرب على فيسبوك، نشر روابط لمقاطع مصورة "متطرفة" على تويتر، وترجمة ونشر مقاطع مصورة "تحث على الراديكالية" على الإنترنت، وكتابة المقالات العلمية في الدفاع عن الفصائل الفلسطينية وإبداء انتقادات حادة لإسرائيل، وحتى إضافة قناة حزب الله على قنوات الكابل.

وفي هذا الصدد، فإن قيام وزارة الداخلية الفرنسية منفردة بحجب مواقع الإنترنت هو الخطوة المنطقية التالية في هذا الهجوم المتنامي على حرية التعبير من قبل الحكومات الغربية باسم وقف التطرف والراديكالية. اليد الكبري القابضة من الرقابة الحكومية على الإنترنت هي مثال دقيق من العقلية السائدة في الغرب، والتي لديها ولع لا ينتهي بإدانة الصين وإيران - من منطلق التفوق الأخلاقي - لمحاولاتهما التحكم في محتوى الإنترنت. وكانت الاعتقالات الجماعية المثيرة للسخرية في فرنسا للأشخاص الذين "يمجدون" الإرهاب، والتي حدثت فور خروج مسيرات "حرية التعبير" ، قد استهدفت بشكل كبير المسلمين في البلاد.

دعونا نذكر في إيجاز عدم جدوى الجهود الفرنسية: في الطريقة التي تفشل فيها جهود الرقابة عمومًا، ومحكوم عليها بالفشل لا سيما في عصر الإنترنت. أنا حاليًا في ألمانيا، على بعد بضعة أميال من الحدود الفرنسية، وقادر على الوصول إلى جميع المواقع المحظورة. تشير التقارير إلى أن الحكومة الفرنسية فشلت فشلًا ذريعًا لأسباب فنية في منع المواقع المستهدفة، وأن أربعة على الأقل من الخمسة مواقع لا تزال متاحة بشكل كامل حتى في فرنسا. وشدد مالك شركة الاستضافة لأحد المواقع المحظورة عبر تويتر أمس على أنه لم يتم التواصل معه أبدًا لطلب إزالة المواد المسيئة.

وبخلاف الأمور التقنية، فإن محاولة تقنين الأفكار من العدم هي لعبة خاسرة: هؤلاء العازمون سيجدون دائمًا وسائل لإسماع صوتهم.في الواقع، كما تعملت النجمة الأمريكية الشهيرة باربرا سترايسند، فإن محاولات قمع الأفكار تؤدي عادة إلى أكبر دعاية ممكنة لأنصارها و/أو الارتقاء بهم بتحويل الأفكار الهامشية إلى شهداء لحرية التعبير (ليس لدي أدنى شك أن الخمس مواقع المستهدفة تشهد الآن أعلى معدلات المرور بها على الإطلاق اليوم نتيجة الاستهداف الفرنسي).

ولكن عدم الجدوى الهزلية لهذه الجهود يتجاوزه مخاطرها العميقة. من يريد للحكومات أن تكون لديها القدرة منفردة على حجب المواقع؟ أليست هذه الممارسة للسلطة في حجب المواقع كان منذ زمن طويل من أسباب اعتبار البلدان الشريرة – مثل إيران والصين – دولًا استبدادية (والتي تتذرع عادة بـ"مكافحة الإرهاب" لتبرير مساعيها الرقابية)؟

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب