إعادة تشغيل الديمقراطية

مقال رأي

 

إن كان بإمكاننا أن نشبه أنماط الحكم بأنظمة التشغيل الإلكترونية، على الأرجح ستكون البدائل الديمقراطية الحالية إصدارات مبكرة وأولية من نظام التشغيل ‘ويندوز’. فلا هي تتمتع بإمكاناتٍ وظيفيةٍ عالية ولا هي سهلة الاستخدام – إنها ثقيلة وعرضةً للفيروسات وتفتقر إلى الخصائص المطلوبة.

ورغم أن الأنظمة الديمقراطية أعطتنا آمالًا عريضة، فإنها تبدو غير قادرةٍ على حل الإشكالات الحديثة المعقدة، مثل الأزمات المالية العالمية المتكررة والتغير المناخي والأشكال المتنوعة من استنزاف الموارد. وحتى أعرق الديمقراكيات تخفق في تلبية المنافع العامة: أصدرت الجمعية الأمريكية للمهندسين المدنيين مؤخرًا تقييمًا لحالة الطرق والجسور والأنظمة المائية والدارس وغيرها من عناصر البنية التحتية الأمريكية وكانت الدرجة الإجمالية هي D+. ومن غير المفاجيء أن تصل درجة الرضا (approval rating) عن أداء الكونجرس إلى 20 بالمائة في هبوطٍ تاريخي.

وقد كانت طبعات الديمقراطية التي صدرت عن دولٍ شهدت مؤخرًا تحولًا ديمقراطيًا أقل فعالية بكثير. ففي واقع الأمر، لم يكن النظام الديمقراطي، الذي تم استيراده بواسطة سلطة الائتلاف المؤقتة بالعراق في عامي 2003 و2004، يختلف كثيرًا عن الإجراءات التي اتخذها الانتداب البريطاني في عشرينيات القرن الماضي. من الصحيح أن الاحتلال الأمريكي قدّم وهمًا بالديمقراطية، لكنها كانت مختلةً وظيفيًا بنهاية المطاف – بما يشبه نسخة ‘ويندوز’ معطوبة تُظهر سطح مكتبٍ افتراضي (desktop) على نحوٍ جيد ولكنه غير قادرٍ على تشغيل البرمجيات. وبعد ذلك بعدة أعوام، في إطار الاستجابة لثورات الربيع العربي، أخفقت عملية تصدير الديمقراطية مجددًا. وبشكلٍ عام، لم تنجم أقوى الموجات المؤيدة للديمقراطية منذ نهاية الحرب الباردة سوى عن أنظمة حكمٍ لا يتجلى فيها جوهر الحكم التشاركي بصورةٍ حقيقية.

ولم تكن الإخفاقات بسبب "صراع الحضارات" كما افترض هنتينجتون في كتابه المشهور. إذ لا يوجد في جوهر الديمقراطية ما يجعلها غير متوافقة مع العرب أو أي ثقافةٍ أخرى. في واقع الأمر، نجمت هذه الإخفاقات عن الترويج للشكل على حساب المضمون – محاولة استنساخ صورة الديمقراطية بدلًا من دعم نظام صناعة قرارٍ فعّالٍ وشامل ويحتوي على ضماناتٍ للمحاسبة، والأهم، قادر على تلبية الاحتياجات المحلية. لذا يمكننا القول أنه إذا ما قُدّر للمبادرات الديمقراطية في العالم العربي وغيره من المناطق أن تتطور وتنضج، فإن ذلك سيكون لأن صيغ الديمقراطية، نفسها، تطورّت بشكلٍ ملحوظ. إننا نعتقد أن الأنظمة الديمقراطية نشأت عن تطوراتٍ كبيرة سابقة عليها، وأن صيغها الجديدة والأكثر مرونة سيكون من شأنها أن تسمح ببرمجةٍ سليمة للمجتمع وإمكانية تعديل وتحسين النظام بواسطة أولئك المنوطين، أنفسهم، باستخدامه.

رغم أن الأنظمة السياسية تُعد، بنهاية المطاف، أنظمة صناعة قرار، فإن عملية صناعة القرار الاجتماعية لا تقتصر فقط على النطاق السياسي، فالأنظمة الاقتصادية، أيضًا، تمثل جزءًا ضروريًا من عملية اتخاذ القرار – كما أنها [الأنظمة الاقتصادية] ذات أهميةٍ بالغة لتنفيذ آلياتٍ ديمقراطيةٍ على نحوٍ أعمق. وفي واقع الأمر، يمكن للقرارات التي يتم اتخاذها بواسطة نظامٍ اقتصادي أن يكون لها في بعض الأحيان أثرٌ أعظم على المجتمع من تلك التي تُتخذ بواسطة أنظمةٍ سياسية. ذلك أن النظام الديمقراطي المقصور حصرًا على النطاق السياسي لهو نظامٌ مصطنعٌ وشديد المحدودية. في الفترة الأخيرة، ظهرت انتقاداتٌ لاذعة للرأسمالية المعاصرة وجهها اقتصاديون وقادة دينيون ونشطاء ومواطنون عاديون. ومن الواضح أن كلًا من النظم السياسية والاقتصادية تخفق في تلبية مطالب المواطنين الممتعلقة بالفعالية والمشاركة والمحاسبة. ما الشكل الذي كان من الممكن أن يظهر به الجيل المقبل من الأنظمة السياسية والاقتصادية، إذن، إذا كانت هذه المطالب قد تمت تلبيتها؟ عندما يطور المهندسون منتجًا، تصبح أحد أهم مهامهم أن يضمنوا أنه يؤدي وظيفته وفقًا لمعايير جودةٍ محددة. وفي هذا السياق، يجب على النهج العلمي المتبع لتطوير جيلٍ جديدٍ من النظم الديمقراطية أن يجد معيارًا لقياس الجودة ليس ذلك الذي يقوم على زيادة الإنتاج الاقتصادي ولكن معيارًا أكثر اتساعًا يشير إلى زيادة حالة الرفاه. ولا تتضمن حالة الرفاه فقط تجنب الكوارث (كالتلوث والمجاعات)، وإنما تتضمن أيضًا التمتع بالإمكانات: وظائف ذات مغزى، أجور جيدة، إتاحة نظامٍ تعليمي وصحيٍ جيد، عدالة، روابط اجتماعية قوية، وقت كافٍ للعائلة والأصدقاء، ونظام بيئي حيوي. فإذا كنا بصدد تصميم صيغٍ أفضل من أنظمة صناعة القرار الاقتصادية والسياسية،  ينبغي علينا أن نقيّم أدائها بالنظر إلى قدرتها على تلبية هذه الأشياء.

ولكن استخدام منهجٍ علمي لتطوير وتحسين الأنظمة أمرٌ بالغ الصعوبة بسبب تعقيد عالمنا. ويزيد التعقيد بزيادة السكان وعدد التفاعلات بين الأفراد والمنظمات والتوسع التقني وقدرة المجتمعات على التأثير على البيئات المحلية والعالمية. فمن وجهة نظر هندسة النظم، تعد الحضارة والمجتمعات التي تشكلها "نظمًا معقدة."

وتجلب الأنظمة المعقدة – اجتماعية كانت أم لا – إشكالات ومخاطرَ معقدةً أيضًا. فتلك الأنظمة، على سبيل المثال، عرضةٌ للإخفاقات المتتالية عندما ينتقل خطأٌ من أحد مكوناتها لمكونٍ آخر على نحوٍ مدمرٍ ومطّرد. وليست سلسلة الإخفاقات المصرفية التي أعقبت الأزمة المالية العالمية في 2008 إلا مثالًا على تلك الفكرة. وعلاوةً على ذلك، يمكن أن تتسبب ردود الفعل السلبية والإيجابية في خلق نقاطٍ حرجة يمكنها، إذا ما تم تجاوزها، أن تؤدي إلى تغيراتٍ سريعة وجذرية. ومثلما تُعد التفاعلات البنكية مثالًا واضحًا لذلك، ربما ينطبق الأمر عينه على الانتشار السريع للحركات الإرهابية في أفريقيا والشرق الأوسط.

ولحسن الحظ، تُوضح لنا الطبيعة امتداد المسار، فالأنظمة المعقدة توجد في علم الأحياء، أيضًا، حيث بلغت هذه الدرجة من التعقيد اللازم للاستمرار وأداء الوظيفة عبر قرونٍ من التطور. وتشترك هذه الأنظمة في عددٍ من السمات (منها لا مركزية السلطة والتكرار والإدماج والتنوع) التي عملت على الوصول إلى أنظمة بشرية تتمتع بقدرةٍ على البقاء وفعالية في أداء وظيفتها. لذلك، قد يكون لزامًا على سعينا الذي يهدف لبلوغ درجة قصوى من الرفاه (أو ربما قدرة على البقاء والاستمرار) أن يركّز اهتمامه على خلق أنظمة اتخاذ قرارٍ مرنة ومصممة على نحوٍ غائي واعٍ تشبه تلك التي نجدها في علم الأحياء.

وربما يبدو الجيل الجديد من النظم السياسية والاقتصادية شديد الاختلاف عن تلك التي نعرفها اليوم. وفي حقيقة الأمر، تجري الآن بعض التغيرات في هذا الاتجاه. فقد بدأت بعض مجموعات المجتمع المدني والمدن والمنظمات والمؤسسات والأجهزة الحكومية في تبني عددٍ من الأفكار الإبداعية التي تعزز اللامركزية والتكرار والإدماج والتنوع. وتشمل هذه الأفكار الميزانيات التشاركية، حيث يقرر مواطنو المدينة الكيفية المثلى لإنفاق الأموال العامة، كما تشمل أيضًا أنظمة العملة المحلية، والتنمية مفتوحة المصدر، والتصميم المفتوح، والبيانات الحرة، وحملات الحكومة المفتوحة والأنظمة المصرفية العامة و"شراء المحلي"، والتمويل الجماعي، ونماذج الشركات ذات المسئولية الاجتماعية.

ورغم أن هذه الصيغ الإبداعية لا تزال تُطبق على حواف الأنظمة الراسخة، فإن التغيرات الفرعية، في النظم المعقدة، من الممكن أن تتالى وتتحول إلى تغيراتٍ في قلب النظام. وعلاوةً على ذلك، فإن سرعة التغير في ازديادٍ مطّرد. ولنتذكر أن الهاتف، الذي اُختُرِع للمرة الأولى بواسطة ‘بيل’ عام 1876، استغرق حوالي خمسة وسبعين عامًا ليتم تبينه واعتماده من قبل 50 بالمائة من السوق. وبعد ذلك بقرن، حدث الأمر ذاته مع الإنترنت في حوالي خمسة وثلاثين عامًا. لذلك، يمكننا أن نتوقع تبني الأفكار الإبداعية الجديدة على نحوٍ أسرع.

وانطلاقًا من مثالي الهاتف والإنترنت، يبدو أن تقنية نظم اتخاذ القرار الاقتصادية والسياسية الجديدة سوف يتم تبنيها أولًا بواسطة مجموعاتٍ صغيرة، لتنتشر بعدها كعدوى فيروسية. وفي واقع الأمر، تعد المجموعات الصغيرة، كالأحياء والمدن، من أهم قادة الإبداع والابتكار اليوم. كما يزداد نفوذ الكيانات الأكبر، مثل الشركات الكبرى والمنظمات غير الحكومية، باطّرادٍ أيضًا، وهو ما يدفع الدول القومية إلى مشاركة سلطاتها، طوعًا أو كرهًا، على نحوٍ متزايد.

بل ربما تظهر التغيرات بوضوحٍ أكبر في حالة الشركات الكبرى. فقد غدت البرمجيات مفتوحة المصدر، على سبيل المثال، حالة اعتيادية، وأعلنت شركات كبرى، مثل تويوتا، عن خططٍ لمشاركة ملكيتها الفكرية على نحوٍ حر.

ورغم أن هذه الأفكار الإبداعية تمثل عناصرًا شديدة الأهمية من النظم السياسية والاقتصادية الجديدة، فإنها ليست سوى ما يظهر على السطح من جبل الثلج. وربما يستطيع نموذج التصميم الهندسي للنظم أن يربط هذه الإبداعات بغيرها وصولًا إلى أنظمةٍ متكاملة وفعالة وسهلة الاستخدام وقابلة للتطوير وعلى درجةٍ عاليةٍ من المرونة. ولكن الحاجة إلى هذا النوع من الأفكار الإبداعية لم تُستوعب عالميًا بعد. في هذه القائمة من التحديات الأربعة عشر الكبرى للقرن الحادي والعشرين، تعرض الأكاديمية الأمريكية الوطنية للهندسة العديد من الإشكالات التي نجمت عن سوء عملية صناعة القرار، مثل التغير المناخي، ولكنها لا تحيل الأمر لأنظمة صناعة القرار نفسها. ومع ذلك، فهذه بدايةٌ فقط.

اقترح اثنان من كتاب هذا المقال، بويك وفيورامونتي، استراتيجيةً لتطوير واختبار وتنفيذ نظامًا اقتصاديًا محددًا ينتمي إلى الجيل الجديد من النظم. ويطلق على ذلك النظام (المحلي والمتوازي ومفتوح المصدر) ‘جمعية الاقتصاد المحلي والديمقراطية المباشرة’ (LEDDA)، وقد تم نشر نموذج محاكاةٍ للحاسب الآلي يشرح كيفيةً لتدفق العملة ومعادلة التضخم، وكانت النتيجة مضاعفة دخول الأسر خلال فترة المحاكاة، واتجاهها نحو مساواةٍ أكبر بالتزامن مع الزيادة. وبنهاية المحاكاة، تتدفق مليارات من الأموال، في المقاطعة الأمريكية الافتراضية المكونة من مائة ألف شخصٍ بالغ، نحو منظماتٍ محلية ربحية وغير ربحية. هذا علاوة على الوصول إلى توظيفٍ بنسبة مائة بالمائة.

ولا شك أن الجهود ستتوالى بواسطة مجموعاتٍ أخرى، أولًا بسبب الحاجة، وثانيًا لعدم وجود عوائقٍ كبيرة (فتصميم واختبار نظم صناعة قرارٍ جديدة للاستخدام المحلي أقل تكلفةً من فعل ذلك للاستخدام الوطني). وفي أفضل الأحوال، سيقبل عديدون التحدي ويقومون بالتعاون والتنسيق لتطوير قاعدةً من النظم التي يمكن استخدامها في مجالاتٍ مختلفة.

 إن  تطوير خياراتٍ جديدة من شأنه أن يؤدي إلى تغيير جذري في الكيفية التي تستخدم وتُكيّف وتُصدّر بها الديمقراطية. وسيتحول التركيز لينصب على المجموعات التي تعمل، على الأرجح، على مستوى المدينة أو الإقليم وترغب في تطبيق آلياتٍ مرنة، معلوماتها متوافرة بحرية على شبكة الإنترنت. وسيستثمر الممارسون المستقبليون للديمقراطية وقتًا أطول وموارد أكثر في فهم حاجات ورغبات مجتمعاتهم – الأمر الذي سيساعدهم في تصميم نظمٍ أكثر تكيفًا وقدرةً على تلبية الحاجات – وفي بناء نظم شبكية ستعمل على ربط المجموعات المتنوعة لتكون هياكل سياسية واقتصادية أكبر حجمًا. ومع الوقت، عندما نقترب من إتمام نظم الجيل الجديد الاقتصادية والسياسية، ربما نجد أنفسنا قد تبنينا، فعليًا، مبدأ "اعمل على المستوى المحلي، وفكّر على المستوى العالمي."

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب