إيران تصل إلى الحدود الإسرائيلية

مقال رأي

تتجلى الحرب السورية في أنحاء الأردن. فقد نزح أكثر من 600,000 لاجئ إلى الأردن، وتعج مدن مثل إربد والزرقاء بالسكان السوريين الجدد، وكذلك مخيم الزعتري، الذي يأوي 85,000 سني سوري منفي، أصبح به 4 حمير على الأقل تسمى "بشار". وفوق كل ذلك، تمر طائرات الشحن وطائرات الـ "إف-16" المزعجة التابعة للتحالف عبر السماء الربيعية نحو شمال سوريا والعراق، لتمثل رسائل تذكير يومية بدور الأردن في الضربات الجوية للتحالف ضد الدولة الإسلامية.

ولكن القوة الأكثر فاعلية في المعركة الجارية على الناحية الأخرى من الحدود الشمالية للأردن لا تزال خفية، إنها القوة الإيرانية.

خلال الأسابيع الستة الماضية، لعب الجنود المنتمون لقوات الحرس الثوري الإيراني وحزب الله دورا كبيرا في هجوم النظام السوري – الذي طال انتظاره- على محافظة درعا الجنوبية.

تمثل المحافظة الجنوبية آخر معقل للمعارضة المعتدلة، وموقع للنجاحات الثابتة للثوار منذ مطلع صيف 2014. في ظل غياب أي وجود للدولة الاسلامية لتحدث منافسة، توصلت المجموعات التابعة للجيش السوري الحر وجبهة النصرة التابعة للقاعدة لسبلٍ للتعاون، محكمين قبضتهم على المنطقة. حيث تشمل سيطرتهم معظم الحدود الأردنية السورية، لتوفر لهم خطوط إمداد هامة تقود إلى العاصمة عمّان.

يوم 25 مارس، تمكن تحالف من التنظيمات الثورية، مدعوم بتدفق أسلحة من قبل داعميهم الدوليين حسبما تذكر تقارير، من السيطرة على بلدة بورصة الشام بمدينة درعا، والتي كانت خاضعة لسيطرة النظام السوري وحلفاءه.

وبينما معظم مقاتلي المعارضة المتنافسون على السيطرة في هذا الجزء من البلاد محليون، فإن خصومهم ليسوا كذلك. حيث يقول المتمردون السنة، النشطاء، والباحثون إن المقاتلين الشيعة جيدي التدريب والمدعومين من إيران على الأرض أكثر عددا وقوة من الجيش السوري وقوات الدفاع الوطني، وهي قوة شبه عسكرية ممولة من الحكومة السورية وتقاتل إلى جانب قواتها.

إلا أنه يبدو أن الميليشيات الإيرانية هي المسؤولة عن قيادة المعركة، حسبما علق عصام الريس، المتحدث الرسمي للجبهة الجنوبية للجيش السوري الحر. وتابع الريس: "نحن نكبدهم خسائر فادحة، ولكنهم لا يتوقفون. يبدو واضحا أننا لا نقاتل الجيش السوري". "إنهم يقاتلون من أجل معتقدات".

حسبما يوضح الريس، يمثل الجبهة الجنوبية – المدعومة أمريكيا- حوالي 2,500 مقاتل في المعركة، مقارنة بـ 5,000 مقاتل تابعين للنظام. يقدر الريس أن واحدا من كل خمسة مقاتلين في الجهة الأخرى هو سوري، وهو تقدير يتفق معه العديد من الخبراء المستقلين. أما الـ4000 مقاتل الآخرين فهم مقاتلون شيعة مدعومون من إيران ويأتون من لبنان، العراق، إيران، اليمن، وأفغانستان.

علق فيليب سميث، الباحث بشؤون حزب الله وميليشيات شيعية أخرى، بأن إيران وحلفائها قد اجتذبوا مقاتلين أجانب إلى صفوفهم عبر تصوير الحرب على أنها معركة حتى الموت أمام متطرفين سنة، والتي يلزم فيها على الشيعة الدفاع عن مسجد السيدة زينب في العاصمة السورية دمشق، وهو أحد المزارات الشيعية الأكثر قدسية.

وأضاف سميث: "لقد سوقوا للحرب منذ بدايتها على أنها حرب ضد المتطرفين السنة"، "إنها أزمة وجودية: إن لم تدافع عن الضريح، سوف تكون نهاية الشيعة".

من منظور إيراني، تعزز علاقات ثوار الجبهة الجنوبية بالولايات المتحدة، الأردن، وإسرائيل، الحاجة إلى وقف مكاسبهم. حيث بدأت عملية صدهم في 10 فبراير جنوب ريف دمشق، في نقطة تقاطع بين محافظات دمشق، القنيطرة، ودرعا. واشتدت العملية عبر بلدات دير العدس وكفر شمس التي يسيطر عليها المتمردون، والتي مثلت في السابق الخط الفاصل بين مواقع النظام والمعارضة. وضغطت القوات الموالية للنظام من هناك غربا تجاه القنيطرة وتحاول التحرك عبر الجناح الغربي لمحافظة درعا نحو مرتفعات الجولان، حيث تعايش جيش الدفاع الإسرائيلي إلى جوار المتمردون السنة لأكثر من سنة.

قال الريس إن الجبهة الأمامية حاليا قرب بلدة كفر نسيج، على بعد 15 ميلا فقط شرق مرتفعات الجولان. وتابع: "إنهم يحاولون الدفع تجاه قرية مسحرة في القنيطرة. حيث يريدون الوصول إلى بلدة تل الحارة (المرتفعة على قمة تل)، ليسيطروا على حدود الجولان ويتمكنوا بالتالي من قطع خطوط الإمداد من الأردن".

أكد مصدر مقرب لشخصيات بارزة في تنظيم حزب الله أن الهجوم قد وصل إلى حوالي 10 أميال جنوبا إلى مرتفعات الجولان من الشمال، وأنه يزداد قوة. وقال إن الهدف كان قطع الصلة الإقليمية بين المتمردين وإسرائيل، والتي اتهمها بتقديم المشورة العسكرية والرعاية الطبية للمقاتلين السنة.

"تنص الأوامر على استعادة الحدود مع مرتفعات الجولان والتخلص من الثوار،" قال المصدر. "الهدف هو منع إقامة "المنطقة العازلة" التي تحاول إسرائيل إقامتها على طول الحدود".

وتابع إن الهجوم الجنوبي لم يكن يفترض أن يحدث بهذه السرعة، ولكنه "تم تسريعه" عندما أودى هجوم إسرائيلي بحياة جنرال إيراني وستة من مقاتلي حزب الله في شهر يناير، ما يمثل تذكيرا بأن إيران هي صاحبة القرار هنا، وليس الأسد.

ومثلما تنسب المكاسب الأخيرة لصالح قوات النظام للقوات الإيرانية، يستجيب المتمردون الجنوبيون إلى داعميهم الدوليون. فالعديد من فصائل الجبهة الجنوبية – المفحوصة جيدا- مسلحة، مدربة، وممولة من قِبل الولايات المتحدة وفريق من المستشارين العسكريين الغربيين والعرب من خلال مركز قيادة العمليات العسكرية المستتر في عمّان.

يهدد الدعم الإيراني لهجوم النظام باثارة سباق تسلح في المنطقة، مع محاولة كل قوة إقليمية التغلب على خصومها في الجنوب السوري. ظلت إيران لبعض الوقت تعزز وجودها جنوبي سوريا، حيث كانت احدى أكبر قواعدها في بورصة الشام، وهي مركز شيعي منذ ما قبل الحرب يقول السكان إنها قد أصبحت بقعة ساخنة للأجانب منذ اشتعال الحرب.

قال الناشط المحلي أبو خالد إن فريق من ثمانية مدربين تابعين لحزب الله جاءوا إلى بورصة الشام لتدريب المقاتلين الشيعيين المحليين المنتمين للطائفة الإثنا عشرية، وأنهم قد انضم إليهم مؤخرا متطوعون إيرانيون وأجانب. وأضاف أن العملية تدار من المكتب المحلي لحزب الله، والتي تتضمن في صفوف منفذيها دروز، جنود بالجيش السوري، ومقاتلين من قوات الدفاع الوطني. كما أن الأسلحة وافرة وقوات الإغاثة متواجدة بشكل مستمر.

يرى سميث أن كل ذلك يعزز فكرة مشروع مدعوم من إيران له عناصر عسكرية، جيوسياسية، وعناصر فكرية لم تتكشف بشكل كامل حتى الآن.

"لحزب الله بصمة ضخمة في سوريا، ويبنى التنظيم صورا مصغرة منه هناك،" يقول سميث. "يواجه الجيش الوطني مشكلة في أداء دوره، بالإضافة إلى سيطرة ميليشيات خاضعة لأيديولوجية فوق وطنية على عمله".

حتى الآن، حافظت إيران على امتناعها عن الكشف عن مدى تمتعها بالقيادة في سوريا. في الأيام الأولى للهجوم، ظهرت صور على مواقع التواصل الإجتماعي لزيارة للخطوط الأمامية من قبل قاسم سليماني، الجنرال المتمرس بقوات الحرس الثوري الإيراني وقائد فيلق القدس الخاص بقوات النخبة. وقال ناشط متابع للميليشيات الشيعية أن سليماني كان في رحلة لرفع الروح المعنوية، وأن الجنود الذين ظهروا معه في الصور هم مقاتلون تابعون لحزب الله من بلدة القلمون، وهي منطقة سورية تقع على الحدود مع لبنان. ولكن لم يكن مقصودا  أن يتم تسريب الزيارة إلى العامة، وأشار الناشط إلى أن الحساب الذي صدرت عنه الصور أصبح غير فعال بحلول الصباح التالي.

واستطرد سميث: "لإيران مصلحة راسخة في ظهور حليفها كقوة مقنعة، حتى وإن تمكن الجميع من إدراك الحقيقة".

يحاول المتمردون المعتدلون السنة غير الإسلاميين صد هذا الهجوم، حيث تورد مصادر أنهم يلقون خسائر أكبر حاليا، مع اتخاذهم لوضع دفاعي بدلا من الهجوم. ولكنها معركة أيدولوجية، حيث أقر الريس بأن تأطير الحرب بأنها معركة بين السنة والشيعة أضر بالجبهة الجنوبية.

 "بالنسبة لنا يتعلق الأمر بالمقاتلين الأجانب، وليس السنة والشيعة،" يقول الريس. "قد يتحلون هم بكامل الدعم الشيعي، أما نحن فلا نتمتع بكامل الدعم السني".

في الوقت الحالي على الأقل، لا يزال هناك وجود سني معتدل في الجنوب السوري. ولكن الدور البارز الذي تلعبه الميليشيات الشيعية في الهجوم الجاري يترك سميث متشائما بشأن مستقبل سوريا.

"حزب الله متواجد في سوريا ليبقى،" قال سميث. "لقد بدأت عملية 'حزبلة' الأجهزة الأمنية السورية، ولا يمكنك ايقاف ذلك".

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب