استراتيجية سوريا أولًا لمحاربة داعش

مقال رأي

كانت معركة استعادة تكريت من الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) اختبارًا حقيقيًا لاستراتيجية الولايات المتحدة الحالية في العراق. بالرغم من 2320 هجمة ( تكلفت 1.83 مليار دولار) منذ الصيف، فإنّ داعش لا تزال تسيطر بدون منافس على القلب السُنّي للعراق بما فيه الأنبار ودير الزور والموصل والرقة. ما فعلته الهجمات الجوية بالفعل هو أنها ساعدت المليشيات الشيعية والكردية على دفع داعش عن مناطقهم الخاصّة عميقًا داخل المناطق السُنيّة.

يمكن أن تكون المعركة من أجل تكريت مختلفة. إنّ هزيمة داعش في بلدة صدام حسين تبدو ممكنة – لكن فقط بعد التدمير الكامل للمدينة. توصلت المعركة لطريق مسدود لأكثر من ثلاثة أسابيع بالرغم من التوقعات الأولية بأنها ستنتهي خلال أيام أو حتى ساعات. قيل إنّ داعش مختبئة في مساحة تبلغ 1.5 (بالميل المربع) داخل مدينة تكريت وأعلنت الحكومة العراقية في الأسبوع الماضي أنها في المرحلة الأخيرة من المعركة. إذا هُزمت داعش فذلك سيمثّل أول انسحاب للمجموعة من القلب السُنّي منذ أن استولت على مساحات شاسعة من العراق وسوريا في يوليو من العام الماضي، مما يقوّض سمعة المجموعة بأنها لا تقهر. لكن المكاسب المحتملة لا يجب أن تلفت الأنظار بعيدًا عن الديناميكية المهمّة التي تعيد تشكيل المعركة لصالح داعش.

يُنظر للمعركة ضدَّ داعش بشكلٍ متزايد على أنها قتالٌ طائفيٌ تقوده المليشيات المدعومة من إيران، والتي تسيطر على المشهد السياسي والعسكري في البلاد. وبينما تبدأ هذه المليشيات في الدفع ضدَّ داعش على حدود المناطق التي يسيطر عليها السُنّة سيبدأ عدم الارتياح في النمو. تقول الاستراتيجية الأمريكية إنّ المقاتلين القبليين السُنّة سيقودون المجهودات لزعزعة داعش في المناطق السُنيّة، لكن الحكومة العراقية بالإضافة إلى المليشيات القوية التي تشكل قلب الحشد الشعبي المدعوم من إيران أعلنت بداية المعركة من أجل تكريت بدون استشارة التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة.

بمعنى آخر، بالرغم من أن خسائر داعش في تكريت ومناطق سُنيّة أخرى قد تبدو شيئًا جيدًا، فإنّه على الولايات المتحدة أن تخطو بحذر. وصلت الحملة الجوية ضد داعش إلى نقطة الإشباع: لن تؤدي الهجمات الأخرى إلى مساعدة الولايات المتحدة في المعركة ضدَّ داعش ولن تفعل سوى أن تزعزع التوازن الطائفي في البلاد. لقد استفاد الأكراد والشيعة بشدّة من الهجمات. وقد تمكنوا من حماية أراضي وبنية تحتية وطاقة إلى الحد الذي يحسم الحرب في مجملها ضدّ داعش.

أخذًا في الاعتبار هذه الحقيقة، فإنّ أرض المعركة الأفضل لمحاربة داعش ستكون إلى الشمال: سوريا.

داعش أقل تخندقًا في سوريا عنها في العراق. ترى المجتمعات السورية التي تعيش تحت حكم داعش المجموعة بتشككٍ رهيبٍ بالرغم من الفرح بالاستقرار النسبي الذي أتت به داعش. هم يرون داعش كقوّة زائلة قد تكون أفضل في الحوكمة عن المجموعات السابقة، لكن سيتم طردها في نهاية الأمر. وقد تفادوا الانضمام لها بأعدادٍ كبيرة، كما عبّر الكثيرون عن اشمئزازهم من المجموعة التي قتلت المئات من رجال القبائل المنتمين إلى قبائل بارزة في شرق سوريا بما في ذلك الشيعاط في دير الزور.

إنّ داعش مع ذلك قد عملت باجتهاد كي تجذّر نفسها في شمال وشرق سوريا. يتم استهداف أي ناشط مضاد لداعش يعمل في هذه المناطق بالقتل وقد هزمت المجموعة أغلب المنافسين المحتملين. الكثير من من كان من الممكن أن يحاربوا ضدّ داعش رحلوا إلى تركيا أو يعملون على القتال ضدّ الأسد في المناطق التي يسيطر عليها المتمردون في البلاد. إنّ تجمع المقاتلين الذي من المعقول أن يحارب داعش يتضائل بالتالي في عدده وتصميمه. لكن لا يزال ممكنًا أن تحشد عددًا كافيًا من المقاتلين لاستعادة مناطق من داعش.

هناك بعض الإشارات الواعدة: في وقت سابق من هذا الشهر، قام جيش الإسلام، أحد أقوى فصائل المتمردين، بإعلان تشكيل كتيبة علي بن أبي طالب لمحاربة داعش في الشمال الشرقي. ليست مثل هذه الإعلانات مجرّد خطابة. في الربيع الماضي، قامت قوات المتمردين في الشمال بدفع داعش خارج مدن إدلب وحلب الشرقية. في ديسمبير، قام جيش الإسلام بطرد داعش من دمشق إلى منطقة قلامون الجبلية. بشكل مماثل فإنّ مجموعات مماثلة قد حاولت أن تتصدى لداعش في الشمال الشرقي في ما قبل؛ أقسمت جبهة ثوار سوريا (SRF)، على سبيل المثال، على إرسال "الحملة بعد الحملة" لاستعادة الرقة ودير الزور قبل بداية الهجمات الجوية الغربية على العراق في الصيف. وبسبب انعدام الدعم الدولي بدأت المجموعة في التحلل ثم تم تفكيكها بالكامل من قِبل جبهة النصرة التابعة للقاعدة في وقت مبكر من هذا العام.

يمكن هذه المرّة مع الدعم الدولي لمثل هؤلاء المقاتلين أن يكونوا أكثر فعالية. لكن يجب أن يتم تدريبهم وتمويلهم وتجهيزهم لمحاربة نظام الأسد بنفس القدر الذي سيحاربون به داعش. إنّ التصور مهمٌ في القتال ضدّ المجموعات الإرهابية. إن ّألف مقتال يهاجمون أهداف النظام أكثر فاعلية ضدّ داعش من عدة آلاف تراهم مجتمعاتهم مرتزقة للحكومات الأجنبية. مجموعات مثل لواء التوحيد وجيش الإسلام، على سبيل المثال، استطاعوا دفع داعش من مناطقهم بنجاح (والسيطرة على هذه المناطق)؛ لأنهم حققوا مكاسب ملحوظة ضدَّ النظام والمجتمعات المحلية كانت مستعدة لمساندتهم. فروع من أحفاد الرسول وجبهة ثوار سوريا، التي كان ينظر لها على أنها خادمة لأهداف أجنبية بالتركيز على المتطرفين، كانت تواجه صعوبات أكبر بكثير.

أمّا بالنسبة إلى المقاتلين الأجانب أنفسهم فإنّ الشعور بأنهم جزءٌ من القضية الثورية ككل في بلادهم مهمٌ بالنسبة إلى معنوياتهم. حسب ما قالت مصادر أمريكية مطلعة على برنامج السي اي إي لتدريب الثوار السوريين، الكثير ممن تدرّبوا منذ ديسمبر 2012 كمعادل لثقل المتطرفين – بين 1500 و 2000 مقاتل – هجروا الحرب كليًا لأنهم رأوا أن البرنامج بلا هدف. قال أحد قيادات الجيش السوري الحر من إدلب إنّ المجتمعات المحلية وحتى مجموعات الثوار الأخرى ترى أن أي قتال يتركز على القوات المتطرّفة تقف خلفه دولًا أجنبية "إلا إن كنت تحارب على جبهتين في نفس الوقت".

ويؤدّي هذا إلى نقطتين. أولًا، الشراكة مع نظام الأسد لمحاربة داعش لن تكون فعالة خارج المناطق التي يسيطر عليها النظام لأن الأسد ليس لديه الموارد ولا الشرعية ولا الدعم الشعبي الذي يحتاجه هناك. ثانيًا، يجب أن يوفّر الغربُ السلاح والتمويل والتدريب لتمكين المتمردين المعتدلين من تحقيق بعض المكاسب ضدَّ النظام في ما عدا الإطاحة به. فواقعيًا ليس من المرجح أن يتمكن المتمردين من قلب النظام، والسماح لهم ببذل محاولات جادّة في هذا المنعطف هو في الأغلب انعدام مسؤولية. إنّ الحل الوسط من الممكن أن يكون تمكين المعتدلين ومتمردي الإسلام الوسطي من الحصول على بعض الأراضي من النظام والتي من الممكن أن تساعدهم على نيل المصداقية داخل مجتمعاتهم وبدورها تساعدهم على تبرير الانقلاب على المتطرفين.

يجب أن تمكّن الاستراتيجية المتمردين من الشعور بالأمان داخل مناطقهم خاصّة حلب ومنع النظام من انتهاز الفرصة لمهاجمتهم من الخلف إذا تقدَّموا نحو داعش. بعد حلب ستكون خطوة جيدة أن تربح مدن الباب والمنبج (الأولى بالغرب من تركيا والأخرى بين حلب والرقة). خسائر داعش في هذه المناطق قد تضع ضغطًا مهولًا عليها في دير الزور والحسكة والرقة خاصّة إذا دفعت قوة كردية عربية مشتركة داعش من القشملي. ستتفق هذه الاستراتيجية أيضًا مع السياسة المعلنة لواشنطن وهي محاولة الضغط على الأسد للقبول بالتفاوض من أجل تسوية.

مفتاح كل هذه الخطط هو الاتساق. يجب أن يبقى الدعم الأمريكي للمتمردين ثابتًا ويجب ألا يقتصر على السلاح. يجب أن يتضمن إدارة الاختلافات بين مساندي المعارضة السورية للتأكد من أن القوات تعمل بشكل متقارب مع بعضها البعض حتى إن لم تساندهم الولايات المتحدة مباشرة. التدريب والذخيرة الكافية والأسلحة بما فيها صواريخ TOW التي لعبت دورًا ملحوظًا في المكاسب الحديثة بين المتمردين يجب ألا تتوقف على الأهواء. لقد ألقى المتمردون اللوم في تفكك الجيش السوري الحر على توقف الدعم للمتمردين في شمال سوريا والذي مكّن جبهة النصرة من السيطرة على المنطقة.

سيكون الغطاء الجوي والتنسيق المتقارب أساسيًا بينما تربح مجموعات المتمردين أراضي أكثر وبالتبعية مصداقية أكبر. وستحرم انتصارات المتمردين داعش من أداتين مهمتين من أدوات الدعاية التي تستخدمها كثيرًا ضدّ قوات الأسد بالإضافة إلى المليشيات الشيعية والكردية في السوريا والعراق: الشكاوى الطائفية والسياسية بما أن المتمردين السوريين هم إلى حد كبير سنّة ومحافظين. ولهذا السبب فإن القتال ضد داعش في سوريا سيكون أكثر فاعلية بكثير من المعركة الحالية في العراق. التحول للقتال ضدّ داعش في سوريا سيجنّب التعقيدات الناتجة من التوتر الطائفي. ومع ذلك فإنّ المعارك في العراق يجب أن تستمر بينما تتفكك داعش ويجب على الجبهتين في النهاية أن تنسقان الهجمة ضدّ المجموعة أيًا كان المكان الذي يظهر فيه ضعفها. استراتيجية "العراق أولًا" الحاليّة تتجاهل ضعف داعش في سوريا وتسمح لها بتجذير نفسها هناك بينما المعارك في العراق تعمل لمصلحتها.

إنّ الاستراتيجية الأمريكية الحالية مصمّمة كي تساعد الحرب ضدّ داعش في العراق، لكنها من المرجح أن يكون لها تأثير عكسي بينما الحرب هناك تأخذ منحًا طائفيًا متزايدًا. حسبما قال أحد المصادر في واشنطن إنّه حتى خطة تدريب المتمردين السورين لمحاربة داعش من المقصود أن تساعد في حماية الحدود بين سوريا والعراق بدلًا من المساعدة في استراتيجية لزعزعة داعش في سوريا. سيكون قتال داعش في سوريا نفسها رهانًا أفضل.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب