الأسباب الحقيقية للهجوم السعودي على اليمن

مقال رأي

 القاسم المشترك هو السعي لجعل جيرانها لا يتحدون المملكة السعودية أو أن تكون لهم حقوق مغايرة في سلطة دينية أو زمنية، وخاصة على أساس شعبوي. إن الحكومة السعودية أكثر واقعية مما تبدو عليه في العادة، ويمكنها التعايش مع الأنظمة القومية التي تقع في يسار الوسط، طالما أنها لا تنتقد الرياض. ولكن الإسلام السياسي يرعب العائلة المالكة التي تعاني الشيخوخة إذا لم يكن تحت سيطرتها.

يعد التدخل السعودي في اليمن - وتنظيمها لائتلاف يتكون من الأعضاء الرئيسيين في الجامعة العربية لدعم هذا التحرك العسكري- مغامرة غير عادية بالنسبة  للعائلة المالكة، التي تحب العمل وراء الكواليس دون أن تثير الكثير من الضجة. والطابع العضلي للتدخل علامة على مدى خوف الرياض من عدم الاستقرار في اليمن. فقد تحالفت حركة الحوثيين القبلية الزيدية الشيعة هناك مع الوحدات العسكرية الموالية للرئيس المخلوع علي عبد الله صالح للاطاحة بحكومة خليفته عبده ربه منصور هادي.

وتعهد الحوثيين لإسقاط العرش السعودي، كانوا يهتفون "الموت لأمريكا" كما أن لهم علاقات ودية مع إيران. لا شيء يمكن أن يكون أكثر تهديدا للسعوديين من حركة شعبية قاعدية من هذا النوع المتشدد، وكونها تخرج من الشعب الشيعي يجعل الأمور أسوأ. إن أسرة آل سعود متحالفة في بلادها مع الحركة الوهابية، التي عادة تعتبر المسلمين الشيعة وثنيين أسوأ من الهندوس. ومع ذلك، عين الملك الراحل عبد الله اثنين من الشيعة في مجلسه الاستشاري الوطني، البرلمان السعودي الوليد، ونشر الشيعة الإسماعيليين في نجران ضد اليمن. إذا فالإسلام الشيعي لا يمثل الخط الأحمر بالنسبة للمملكة، ولكن ما يمثله هو الحركات الشعبوية التي تتحدث بالسوء ضد للنظام الملكي السعودي.

وما يقلق الملك سلمان أيضا، كما يقلق للولايات المتحدة، هو أن محاولة الحوثيين لحكم اليمن بالكامل على الرغم من كونهم أقلية (الزيدية تمثل حوالي ثلث سكان اليمن) من شأنها أن تخلق فراغا في السلطة في الجنوب السني للبلاد. وهناك، كان تنظيم القاعدة في شبه جزيرة العرب نشطا منذ فترة طويلة ، ويجمع بين 400 و2000 مقاتل. في عامي 2011 و2012، حاولت القاعدة في جزيرة العرب الاستيلاء على الأراضي في محافظة أبين، لكن هزمها الجيش اليمني.

قد يكون الحاكم الفعلي اليومي في المملكة العربية السعودية هو نائب رئيس الوزراء الثاني، الأمير محمد بن نايف. وجرى استهداف الأمير محمد - وهو نجل رئيس الاستخبارات السعودي الذي خدم لفترة طويلة-  من قبل انتحاري تنظيم القاعدة في جزيرة العرب في عام 2009. لا يريد السعوديون إجبار الحوثيين على خوض مفاوضات سياسية واستعادة التوافق الوطني فحسب، بل يريدون التأكد من هزيمة القاعدة في جزيرة العرب، التي تمثل تهديدا للعائلة المالكة. ودفع استيلاء الحوثيين على جزء كبير من البلاد الولايات المتحدة لسحب ما تبقى من أفراد القوات الخاصة لتجميد مؤقت لبرنامج الطائرات بدون طيار الذي كانت تنفذه ضد قيادة القاعدة في جزيرة العرب. وهذا لا يسعد العائلة المالكة السعودية بالطبع.

تضرب العواصف التي غالبا ما تكون  مزعزعة للاستقرار المليارديرات المسنين في عائلة آل سعود منذ عام 2011. وهم يعتمدون إلى حد ما في أمنهم على الضباط المصريين القوميين ذوي التفكير العلماني نسبيا ، (كما وفرت باكستان والولايات المتحدة مظلات أمن للمملكة) . وقد مثلت الإطاحة بحسني مبارك وصعود جماعة الإخوان المسلمين الشعبوية إلى السلطة في مصر أزمة وجودية للمملكة. كان ينظر إلى الإخوان المسلمين من قبل الأسرة السعودية المالكة على أنها متجذرة في الشعب وقليلة الاحترام للكاريزما الدينية للملك في الرياض. وهكذا تواطأت المملكة العربية السعودية مع الضباط المصريين في انقلاب يوليو 2013 ضد حكم الرئيس محمد مرسي. وللسعوديون ذكريات طويلة. تذكروا إنه في عام 1815 غزت مصر الجزيرة العربية نيابة عن السلطان العثماني لسحق الوهابيين. كانوا يشعرون بالقلق من أن جماعة الإخوان المسلمين، لو كانت قد استطاعت تعزيز سيطرتها في مصر، لكان بإمكانها أن تنفذ أو تشجع محاولات مماثلة لتقويض قوتهم في شبه الجزيرة العربية.

في سوريا، دعم السعوديين الفصائل الأكثر أصولية للجيش السوري الحر، المسمين بالسلفيين، والذين نظموا أنفسهم الآن تحت اسم الجبهة الإسلامية. لم تظهر الجبهة الإسلامية بمظهر جيد جدا في القتال، على الرغم من أنها تسيطر على بعض الأراضي قرب مدينة حلب الشمالية. وتختلف الجبهة الإسلامية عن غيرها من الجماعات المتمردة السورية، مثل ذراع تنظيم القاعدة المعروفة باسم جبهة النصرة، وداعش، ليس أيديولوجيا، ولكن ببساطة لأن جبهة النصرة وداعش ليسوا موالين للملك سلمان. يخشى السعوديون التنظيمين الأخيرين، فضلا عن الإخوان المسلمين السوريين، ولا يزالون يأملون أن يزدهر عملاؤهم من الجبهة الإسلامية ويحولون سوريا إلى جنة سلفية تابعة بقوة لعائلة آل سعود. كما تخشى الرياض انتصار حكومة دمشق التابعة بشار الأسد، والتي تنحدر من العلويين الشيعة والمتحالفة مع إيران الشيعية وحزب الله في لبنان.

في البحرين، أرسل السعوديون حوالي 1000 جندي لدعم النظام الملكي السني لآل خليفة في مواجهة الاحتجاجات التي نظمتها الأغلبية الشيعية في الجزيرة اعتراضا على تهميشهم. ثم أثرت الرياض على دولة الإمارات العربية المتحدة لتماثلها في هذا الالتزام العسكري. لا شك أن كون الجماهير التي تتظاهر في الشوارع شيعية لهو أمرا يزعج السعوديين، ولكن كونه حشدا شعبويا مستمدة من الشعب، دون ولاء للملوك السنة، هو ما يخيفهم حقا.

شعر الحوثيون، وتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، والبعثيون العلويون، وجماعة الإخوان المسلمون المصرية، وحزب الوفاق الشيعي في البحرين بضربة السوط السعودي. رغم أنهم لا يشبهون بعضهم البعض كثيرا سواء فكريا أو دينيا. اثنان منهم، الاخوان والقاعدة في جزيرة العرب، سنيان بقوة، على الرغم من أن الإخوان أصبحت في الوقت الحاضر تتبع سياسة اللاعنف بشكل كبير. والعلويون غنوصيون لا يعترف عادة بكونهم مسلمين، حتى من قبل الطوائف الشيعية الأخرى. أما شيعيو الزيدية اليمنيون فقد عرفوا  بقربهم إلى أهل السنة ولها علاقات جيدة معهم. وينتمي شيعة البحرين إلى مدرسة الإخباريين المحافظة ويمنعون أن يفسر الناس العاديون تفسير النصوص الدينية لأنفسهم، الكثير منهم ليس لديهم سوى علماء دين، بدلا من وجود آية الله. لكن ما يتمتع به أربعة من المجموعات الخمسة هو انها حركات إسلام سياسي شعبوية تتحدى الوضع الراهن وتتحدى المملكة السعودية ومزاعمها في وجود كاريزما دينية مستمدة من دعمها للوهابية وسيطرتها على المدينتين المقدستين مكة المكرمة والمدينة المنورة. في حالة سوريا، فالعلويون يمثلون المؤسسة، وليس المتمردين. ولكن من خلال تحالفهم مع إيران، أصبح العلويون السوريون مرتبطين في نظر بعض الوهابيين بالتحديات الشيعية الشعبوية للوضع الراهن في المنطقة.

يبدو أن المملكة العربية السعودية ناجحة في مصر، حيث استعاد الضباط نشاطهم وتم سحق الإخوان المسلمين، إلى جانب شباب التحرير التقدميين. وبالمثل، فقد تم التعامل مع حركة الاحتجاج التي قام بها الأغلبية الشيعية المهمشة في البحرين بوحشية من قبل النظام الملكي السني، بمساعدة السعودية. ولكن في سوريا، لم يحظ الفصيل الذي تدعمه السعودية بأي نجاح حقيقي. أما اليمن، وهي بلد وعر وغير مضياف للغرباء، فتشكل أكبر تحد للجميع. عندما تدخلت مصر القومية في عصر جمال عبد الناصر في الحرب أهلية يمنية أخرى في الستينيات، أصبحت مستنقعا بالنسبة له، وحجزت هناك أفضل قواته، مما أدى جزئيا إلى هزيمة مذلة له في حرب عام 1967 مع إسرائيل. وإذا كانت أفغانستان هي مقبرة الإمبراطوريات، فاليمن تمثل قنبلة موقوتة بالنسبة للغزوات الأجنبية. فهل سيستطيع المليارات المسنين من العائلة المالكة السعودية تجنب مصير عبد الناصر؟

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب