الاقتصاد المصري: صورة مختلطة في أحسن الأحوال

مقال رأي

 

في الثالث عشر من مارس، تستضيف مدينة شرم الشيخ المصرية مؤتمرا اقتصاديا كبيرا. وقد بدأ العمل على تحضيره منذ دعا العاهل السعودي الراحل الملك عبدالله الدول الأخرى إلى مؤتمرٍ للمانحين في أعقاب انتخابات يونيو عام 2014 التي فاز بها الرئيس عبد الفتاح السيسي.

مدركةً أنه لا يمكنها توقع أن يستمر المانحون الدوليين في تمويل مصر – ولا حتى السعودية والإمارات-  بنفس المستوى الذي قام به المانحين الخليجين منذ الإطاحة بالرئيس السابق محمد مرسي في يوليو 2013، سعت الحكومة المصرية في وقتٍ لاحق لتحويل الخطة نحو مؤتمرٍ للمستثمرين. وقال وزير التخطيط أشرف العربي إن مصر تأمل في جذب 60 مليار دولار من الاستثمار الأجنبي المباشر بحلول نهاية عام 2019، وقال رئيس الوزراء ابراهيم محلب أنه على الرغم من أن هذه المليارات قد لا يتم جمعها خلال المؤتمر نفسه، فالهدف من هذا التجمع هو تمهيد الطريق من خلال "تغيير النظرة إلى مصر".

النمو البطيء وانعدام المساواة الاجتماعية

هناك سببٌ وجيه لتناقض المواقف تجاه مصر كوجهة استثمارية. فالتقارير حول الأوضاع الاقتصادية في مصر والسياسات الاقتصادية للسيسي مختلطة، في حين أن التوجهات السياسية والأمنية سلبية بالتأكيد.

وكانت الحكومة المصرية تحاول جاهدة توليد سرد حول انتعاش اقتصادي في الطريق إلى المؤتمر. لقد عاني الاقتصاد بعد ثورة 2011، وتحولت الأمور للأسوء بعد الصدامات السياسية العنيفة منذ عام 2013. ولا تزال السياحة – وهي المصدر الرئيسي للعملة الصعبة في مصر- بعيدة عن مستويات ما قبل عام 2011. الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي (وليس نصيب الفرد) تحسن في 2014-2015. ستكون تقديرات النمو لصندوق النقد الدولي 3.8 في المئة مقابل 2.2 في المئة في 2013-2014. ولكنه لا يزال أقل بكثير من النمو السنوي 5-7 في المئة خلال العقد الذي سبق عام 2011.

ما بين ربع ونصف السكان يعيشون في فقر (26 في المئة وفقا للتقديرات الرسمية)، وارتفعت البطالة بين الشباب من 23.7 في المئة في عام 2013 إلى 29 في المئة في عام 2014، وفقا للارقام الرسمية. لا تزال البطالة مرتفعة أيضا بشكل غير متناسب بين خريجي الجامعات، وتقف عند 36.4 في المئة بالمقارنة مع 14.7 في المئة بين نظرائهم الأقل تعليما، وهذه الأرقام لا تعكس العمالة الناقصة المتفشية بين الشباب المتعلم.

الدَين والحاجة إلى إصلاح الدعم

ثمة مشكلة رئيسية وهي التكلفة المنهكة لنظام الدعم في مصر. اعترف الرئيس السيسي في مقابلة أُجريت معه مؤخرا أن ثلاثة أرباع الميزانية المصرية تذهب إلى الدعم، وخدمة الدين، والأجور في القطاع العام، تاركة 135 مليار جنيه فقط (17.7 مليار دولار) لتغطية جميع النفقات الأخرى، بما في ذلك الصحة والتعليم والمرافق العامة، و الخدمات الاجتماعية، لما يقرب من 88 مليون شخص.

إن الدين الحكومي مرتفع ويواصل الارتفاع، مما يتطلب مساعدات نقدية كبيرة من الخارج سواء من دول الخليج أوصندوق النقد الدولي، أو من أي مكان آخر، من أجل الحفاظ على الحد الأدنى.

وقد اتخذ السيسي بعض الخطوات الهامة للحد من الإنفاق، ولاسيما خفض دعم الطاقة في يوليو 2014 الذي رفع الأسعار حوالي ثلث الطريق نحو سعر السوق. وفي حين أن انخفاض الأسعار العالمية سيساعد الميزانية أكثر، قال وزير البترول مؤخرا أنه لن يكون هناك أي خفض آخر للدعم في 2015-2016. تقوم الحكومة أيضا ببعض الخطوات للقضاء على التبديد وسوء توزيع الدعم، وتتحرك بحذر في اتجاه التحويلات النقدية للفقراء. ولكن حتى الآن، لا يوجد إصلاح عام لنظام الرعاية الاجتماعية، مما يترك للحكومة القليل لإنفاقه في القطاعات الحيوية.

ما هي رؤية السيسي الاقتصادية؟

هذه السياسات الاقتصادية هي أفضل من تلك التي اعتمدتها عدة حكومات منذ عام 2011، ولكن يبقى من غير الواضح ما إذا كان السيسي يرى القطاع الخاص أم الدولة هي المحرك الأساسي للنمو.

فمن ناحية، وعد السيسي بقانون استثمار جديد (تمت الموافقة عليه مؤخرا في شكل مشروع من قبل حكومته) لتسهيل الاستثمار الأجنبي والمحلي في القطاع الخاص، وقال صندوق النقد الدولي خلال المشاورات الأخيرة أن إجراءات المسؤولين الحكوميين الأخيرة "تعطي أولوية مناسبة لتحسين مناخ الأعمال."

من ناحية أخرى، يبدو أن المشروعات العملاقة التي تتولاها الدولة – بما في ذلك حفر قناة السويس الثانية، وتطوير مدينة سياحية مجاورة، وغيرها من المشروعات- هي التركيز الأساسي لسياسات السيسي الاقتصادية. ويعتبر سجل مصر في تنفيذ مثل هذه المشروعات العملاقة في السنوات الأخيرة ليس مشجعا، ولا يمنح صندوق النقد الدولي المشاريع الجديدة سوى تأييد فاتر، قائلا انها "لديها القدرة على توليد فرص العمل والنمو" إذا جرى تقييمها بشكل واقعي، في حين حذر من أنها تخاطر برفع الدين العام المرتفع بالفعل.

علاوة على ذلك، هناك عنصر حاسم مفقود حتى الآن من أي دور كبير في خطط السيسي الاقتصادية: وهو التنمية البشرية. مصر لديها أعداد كبيرة من الشباب، حيث أن أكثر من نصف السكان تحت سن الخامسة وعشرين. ليس من الضروري فقط خلق فرص عمل لنحو 600 ألف من الداخلين الجدد إلى سوق العمل سنويا، ولكن من المهم أيضا إعداد هؤلاء الشباب المصريين لفرص العمل في الاقتصاد العالمي. هذا هو الشيء الذي فشلت الحكومات المصرية فيه منذ عقود. فقد جاء ترتيب البلاد في المركز 141 من بين 144 دولة في الجودة الشاملة للتعليم في تقرير التنافسية العالمية 2014-2015 للمنتدى الاقتصادي العالمي. وحتى الآن، رغم أن حكومة السيسي قد وعدت ببعض المبادرات الصغيرة المتعلقة بالشباب والتعليم، فيبدو أنه سيتم تجاهل هذا التحدي الهائل مرة أخرى لصالح الانتصارات السريعة – التي مازال يتبين أنها وهمية- مثل توليد المزيد من العائدات من قناة السويس .

المعارضة المستعرة رغم الحملة الصارمة ضدها

في الوقت نفسه، فالأوضاع السياسية والأمنية في البلاد ضعيفة ومتدهورة بطريقة قد تؤدي إلى إفشال حتى أفضل السياسات.

السياسة الرسمية في وضع حرج ، حيث تم استبعاد الإسلاميين إلى حدٍ كبير وتأجيل الانتخابات البرلمانية مرارا وتكرارا. ومصر الآن بدون هيئة تشريعية كاملة منذ يونيو 2012، عندما تم حل أول برلمان بعد مبارك بأمر من المحكمة قبل فترة وجيزة من أن يصبح مرسي رئيسا للبلاد.

حاولت السلطات إنهاء احتجاجات في الشوارع بقانون ضد التظاهر شديد القسوة في أواخر عام 2013، لكن المعارضة والاضطرابات مستمرة. أفاد تقرير صدر مؤخرا عن الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان أنه مع نهاية عام 2014، كان هناك 42 ألف معتقلا سياسيا وأكثر من 1500 احتجاجا سياسيا أو عماليا خلال العام، فيما يمثل زيادة عن عام 2013.

تصاعد العنف: مشكلة متنامية

على الصعيد الأمني، شهدت مصر ارتفاعا في نوعين واضحين من العنف: هجمات واسعة النطاق من قبل الجماعات الإرهابية المتمركزة في سيناء، والتفجيرات صغيرة النطاق واطلاق النار في باقي أنحاء البلاد. في الأشهر التسعة الماضية كانت هناك ثلاث هجمات واسعة النطاق، من الطراز العسكري ضد الجيش، اثنان في سيناء وواحد في الصحراء الغربية، أسفرت عن مقتل ما لا يقل هن 78 جنديا. على الرغم من التصريحات الدورية أن الحكومة تضع الإرهابيين تحت السيطرة، فهذا لا يبدو حقيقا، والآن فقد أعلنت بعض هذه الجماعات المحلية الولاء للدولة الإسلامية.

ومن المثير للقلق أيضا الزيادة الأخيرة في العنف صغير النطاق في جميع أنحاء البلاد، والذي يبدو أن الدافع له إما رغبة في الانتقام ضد الشرطة أو محاولة منهجية لاخافة المستثمرين. وخلال العام الماضي، قُتل العشرات من الجنود والشرطة في تفجيرات على جانب الطريق أو إطلاق نار من سيارة في أنحاء مصر المختلفة. منذ أوائل فبراير، كانت هناك تفجيرات شبه يومية في القاهرة والمحافظات الأخرى. وإلى جانب المؤسسات الحكومية، والأفراد، والبنية التحتية الحيوية، فهذه التفجيرات تستهدف عادة المنشآت التجارية، ولا سيما تلك التي لها علاقة بأنصار السيسي في الخليج مثل شركة اتصالات الإماراتية وبنك الإمارات دبي الوطني. في نهاية الأسبوع الماضي، أدت سلسلة من التفجيرات – بينها ستة في القاهرة وحدها-  إلى قتل شخص وجرح العشرات. وشملت الأهداف البارزة الأخيرة منزل وزير الداخلية المعين حديثا، والمحكمة العليا المصرية في وسط القاهرة ومطار القاهرة الدولي.

من المرجح أن يعطي مؤتمر المستثمرين السيسي دفعة من الدعم الدولي هو في أشد الحاجة إليها وأن يولد بعض رأس المال ليفيد للاقتصاد. ولكن سيبقى النمو الاقتصادي المستدام – الذي من شأنه دعم الاستقرار- أمرا بعيد المنال طالما ظلت البلاد في حالة]ٍ من التوتر السياسي وظل قادتها مفتقرين إلى الرؤية لتعبئة أعظم ثروة مصر: شبابها.

 

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب