التشويش على مجتمع الاستخبارات

مقال رأي

مر أكثر من أربعين عاما على التحقيق الشامل الذي قامت به لجنة تشيرش في ممارسات الاستخبارات الأمريكية، والذي جاء في أعقاب فضيحة ووترجيت مباشرة. ومرت عشر سنوات على إعادة التنظيم الكبرى لوكالات التجسس في البلاد، والذي تم إقراره في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر. وأدت هذه الجهود لمجموعة من الإصلاحات، من بينها إنشاء لجان استخبارات بمجلس الشيوخ ومجلس النواب، وتمرير قانون مراقبة المخابرات الأجنبية (إف آي إس إيه)، واعتماد قانون إصلاح الاستخبارات ومنع الإرهاب، وهو ما ساعدْتُ في تمريره من خلال الكونغرس.

ولكن التحديات الجديدة تدفع للحديث عن التغيير مرة أخرى. اعتراف الحكومة الأميركية مؤخرا ببرنامج الطائرات بدون طيار، وتسريبات إدوارد سنودن حول أنشطة المراقبة بوكالة الأمن الوطني، وتقرير لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ مؤخرا عن ممارسات وكالة الاستخبارات المركزية في الاعتقال والاستجواب، كلها تسببت في انتشار القلق العام حول تجاوزات الحكومة. وصدمت بعض التطورات المفاجِأة، في الوقت نفسه، المسؤولين الأمريكيين. تفكك سوريا، وتفجير ماراثون بوسطن، والصعود الحاد للدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، والقرصنة المنهجية لشبكات الكمبيوتر الأمريكية، كلها، بشكل أو بآخر، أخذت واشنطن على حين غفلة. في نوفمبر الماضي، ذكرت واشنطن بوست أن مدير وكالة الاستخبارات المركزية، جون برينان، بصدد تقييم عملية إعادة تنظيم شاملة للوكالة، وهي عملية من شأنها أن تجمع بين الأقسام التنفيذية والتحليلية في "وحدات مختلطة" مخصصة لمناطق وتهديدات محددة. وصفت مصادر الصحيفة الخطط بأنها "من بين الأكثر طموحا في تاريخ وكالة الاستخبارات المركزية".

لكن إعادة ترتيب الكراسي على سطح المركب لن يكون كافيا لإعداد مجتمع الاستخبارات لمواجهة التحديات التي تنتظره. بدلا من ذلك، يجب على واشنطن المغامرة فيما وراء الحكمة التقليدية والاعتماد على رؤية بديلة للمستقبل. تخيل الآتي: خلال عشر سنوات من الآن، سوف تكون المهمة الرئيسية لوكالة الاستخبارات المركزية هي العمل السري، وهي الساحة التي تستطيع الوكالة أن تقدم فيها مساهمة قيمة وفريدة للأمن القومي. وكالة الأمن القومي، من جانبها، سوف تبتعد عن جمع البيانات الشخصية، بما أن شركات القطاع الخاص لديها الموارد اللازمة للقيام بهذه المهمة. وسيصبح التجسس التقليدي - أي استخدام الجواسيس لجمع المعلومات الاستخبارية البشرية - أقل قيمة من الاستخبارات مفتوحة المصدر، وبخاصة المعلومات المستقاة من وسائل الإعلام الاجتماعية. على كل حال، سيأتي التغيير بسرعة. وبالتالي، بدلا من التكيف ببطء وتردد، آن الأوان لقبول الواقع والتوجه نحو المنزلق.

ترخيص الطائرات بدون طيار

منذ أعلن الرئيس جورج دبليو بوش "الحرب على الإرهاب" في عام 2001، أصبحت وكالة الاستخبارات المركزية متميزة جدا في قتل الإرهابيين. لكن موهبة الوكالة في القتل المستهدف أشعرت عددا ليس بالقليل، سواء داخل أو خارج الوكالة، بعدم الارتياح. كما كتب إليوت أكرمان، وهو ضابط سابق بالقوات شبه العسكرية بوكالة الاستخبارات المركزية، في مجلة نيويوركر في نوفمبر الماضي: "انزعاج زملائي، حين كان يحدث، لم يكن نابعا من [القتل المستهدف] نفسه. . . . كان الانزعاج نابعا من الشعور بأننا نفعل، على نطاق واسع، شيئا أقسمنا على عدم فعله. شعر معظمنا أننا ننتهك الأمر التنفيذي رقم 12333".

حظر هذا الأمر التنفيذي على الحكومة الأمريكية التخطيط للاغتيالات أو تنفيذها، وكان قد أصدره الرئيس رونالد ريجان عام 1981 استجابة لاستنتاجات لجنة تشيرش الموثقة على نطاق واسع بخصوص المراقبة المحلية غير القانونية ومؤامرات قتل الزعماء الأجانب. لكن محامي الحكومة يميزون بين "الاغتيال" و"القتل المستهدف" عندما يتعلق الأمر بالإرهابيين، وهو تمييز أقدم من صراع واشنطن مع تنظيم القاعدة. وقد ظهرت مخاوف مماثلة بشأن عمليات القتل المستهدف بعد تفجير السفارة الأمريكية في لبنان عام 1983. في هذه الحالة الأخيرة، كما كتب الصحفي والتر بينكوس في وقت لاحق للواشنطن بوست، عقدت وكالة الاستخبارات المركزية "اتفاقا غير رسمي مع لجان الرقابة في الكونجرس مفاده أنه إذا استهدفت العملية السرية إرهابيا في شقته يخطط لتفجير مبنى، فلابد من احتجازه. ولكن إذا كان معلوما أن الإرهابي في طريقه لتفجير مبنى. . . فمن الممكن قتله إذا كانت هذه هي الطريقة الوحيدة لمنعه". وكما يشير الأمر التنفيذي، من مهام أجهزة الاستخبارات القيام بـ"أنشطة خاصة" لحماية الأمن القومي، وهي الفئة التي يندرج تحتها برنامج الطائرات بدون طيار.

ولكن حتى مع ذلك، يظل كبار المسؤولين غير مرتاحين لتنامي الدور شبه العسكري لوكالة الاستخبارات المركزية، والذي وصفه برينان نفسه خلال جلسة الاستماع إليه في فبراير 2013 بأنه "انحراف" عن تركيز الوكالة التقليدي على التجسس. في الواقع، بعد وقت قصير من تولى برينان رئاسة وكالة الاستخبارات المركزية، بدأ البيت الأبيض يستعد لنقل كل ما يتعلق بحرب الطائرات بدون طيار إلى وزارة الدفاع، والتي لديها برنامج للطائرات بدون طيار خاص بها. على الرغم من ذلك، لم تحدث هذه الخطوة أبدا، ويرجع ذلك جزئيا إلى إحجام الجنرالات وعجز الكونجرس عن تخطي لجانه الخاصة. لكن العامل الأكثر أهمية، كان النجاح الذي حققته وكالة الاستخبارات المركزية. كما كتب مايكل هيرش لمجلة ناشونال جورنال في فبراير عام 2014، يعتقد الخبراء أن وكالة الاستخبارات المركزية قد تكون ببساطة أفضل بكثير من الجيش في قتل الناس بطريقة دقيقة ومستهدِفة، وقبل كل شيء، ضمان أن الأشرار المستهدفين هم أشرار حقا".

لا تتوفر بيانات عامة لمقارنة برنامج الطائرات بدون طيار الخاص بوكالة الاستخبارات المركزية بنظيره في البنتاجون، ولكن الوكالة حصلت على درجات تقييم عالية من كبار صناع القرار. فقبل أشهر من قيام طائرة بدون طيار تابعة للبنتاجون بضرب قافلة ضمت أبرياء مدعوين إلى حفل زفاف يَمَني في ديسمبر عام 2013، أشاد السناتور الديمقراطي ديان فينشتاين عن ولاية كاليفورنيا، وكان وقتها رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، بـ"صبر وحسن تقدير" وكالة الاستخبارات المركزية وأثار مخاوف من أن "برنامج الجيش يبتعد كثيرا عن هذا الأداء".

الناقدون لاستمرار برنامج الطائرات بدون طيار تحت سقف وكالة الاستخبارات المركزية يؤكدون أن المهمة الرئيسية للوكالة ينبغي أن يكون التجسس وليس العمل السري. وحجتهم هي أنه ليس هناك سبب يمنع وزارة الدفاع بمرور الوقت من تطوير خبراتها في تنفيذ هجمات الطائرات بدون طيار وغيرها من العمليات السرية. كما أن نقل كل ما يتعلق بحرب الطائرات بدون طيار من وكالة الاستخبارات المركزية إلى وزارة الدفاع هو إجراء قانوني تماما. فيمكن الرئيس أن يضع القلم على الورق ويأذن بذلك غدا.

لكن المشكلة هي أن المهمة المركزية لوكالة الاستخبارات المركزية - أي تنمية الذكاء البشري - أصبحت مهمة أكثر صعوبة من ذي قبل. ويرجع ذلك، إلى حد ما، إلى تركيبة العاملين داخل الوكالة. على الرغم من أن وكالة الاستخباارت المركزية تختار عامليها الآن من بين مجموعة أوسع مما كانت تفعل من قبل (عندما كانت معظم صفوفها، كما كان يقال، من الذكور البيض شاحبي اللون خريجي جامعة ييل)، إلا أن نظام التخليص الحكومي يتسبب في تجميد عملية توظيف هؤلاء المؤهلين، وحتى هؤلاء ذوي الفطنة الثقافية والمهارات اللغوية الحرجة، لمجرد وجود جدة لأحدهم في بغداد أو عمّا له في تونس. اختراق الجماعات القبلية وغير الحكومية في الشرق الأوسط هي عملية صعبة بما فيه الكفاية؛ والقيام بها بأعداد قليلة ممن يفهمون العادات العربية أو يتحدثون مجموعة متنوعة من اللهجات العربية يزيد فقط من درجة الخطر.

وثمة عامل آخر يجعل من عملية جمع الذكاء البشري لعبة أصعب، وهو الثقافة السياسية الأمريكية الأوسع. عملية تطوير المخبرين (ناهيك عن زرع الأصول) ضمن الجماعات الإرهابية هي عملية محفوفة بالمخاطر. وبغض النظر عن شجاعتهم الشخصية أو استعدادهم للخدمة، يجب على ضباط الاستخبارات الآن أن يعملوا في مناخ سياسي لا يشجع على المجازفة، لأن الرأي العام الأمريكي يتفاعل بقوة مع الخسائر الأمريكية؛ كان ذلك واضحا في تداعيات هجوم عام 2012 على المجمع الدبلوماسي الأمريكي في بنغازي بليبيا، والذي أسفر عن مقتل اثنين من ضباط الخدمة الخارجية واثنين من أفراد الأمن. بالطبع، مثل هذه القيود السياسية ومثل هذا النفور من المخاطر يؤثران على الجيش الأمريكي أيضا. وهذا هو جزئيا السبب في أن كثير من صناع السياسة الأمريكيين لا يشجعون فكرة التدخل البري في الحرب على داعش. والمفارقة هي أن الحرب الجوية الفعالة تعتمد على الاستهداف الدقيق، الأمر الذي يتطلب جمع استخبارات جيدة من الأرض، وهو ما يعرض في حد ذاته الجنود الأمريكيين إلى أنواع المخاطر التي يفترض أن تتجنبها الحرب الجوية.

كما أدى الجدال العام أيضا إلى إضعاف فعالية عمليات الاستجواب، وهي مصدر آخر من مصادر الاستخبارات البشرية. وتسبب التحقيق في برامج الاستجواب والاعتقال في عهد بوش، الذي استمر لعدة سنوات وقامت به لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، في كب الزيت على النار، ما شكل تحديا، ليس فقط لشرعية ما يسمى "تقنيات الاستجواب المعززة"، ولكن أيضا لفعاليتها. (في عام 2003، كعضو في الكونغرس، تسائلْتُ عن سياسات البرنامج ونبهت على وكالة الاستخبارات المركزية، في رسالة إلى محاميها العام حينئذ، سكوت مولر، أن لا تقوم بتدمير أشرطة الفيديو المسجل عليها هذه الاستجوابات). حتى الآن، عرقلت معارضة الكونجرس جهود الرئيس باراك أوباما لإغلاق المعتقل الأمريكي في خليج جوانتانامو في كوبا ونقل الإرهابيين المشتبه بهم إلى السجون المحلية ومحاكماتهم في الولايات المتحدة. ومع ذلك، فقد تقلص عدد نزلاء المنشأة من أكثر من 600 في عام 2003 إلى 127 فقط عند كتابة هذه السطور. تتجه كل الأنظار الآن إلى وزير الدفاع المقبل لإنهاء هذه المهمة قبل انتهاء فترة أوباما.

إذا استمرت هذه التوجهات، فسيكون من الصعب على وكالة الاستخبارات المركزية القيام بكثير من عمليات جمع الاستخبارات البشرية كما كانت تفعل في الماضي. إذاً، ما الذي ينبغي على أجهزة الاستخبارات أن تفعله؟ يمكنها أن تعهد ببعض عمليات جمع الاستخبارات البشرية لأجهزة الاستخبارات الأجنبية الصديقة، التي هي أقل تعرضا للخطر وأفضل تجهيزا من الناحية الثقافية، مثل الأجهزة الإسرائيلية والأردنية والبريطانية. وللوكالة أيضا أن تركز في جمعها المعلومات على تلك التي تدعم العمليات السرية بشكل مباشر. ولها أن تستمر في تحسين عملية تخليص الإجراءات الأمنية لعامليها، ما يجعل من الأسهل، على سبيل المثال، إصدار التصاريح المؤقتة أو المحدودة للأفراد من ذوي الخبرة التي تفتقر الوكالة إليها بشدة.

ولكن في بيئة اليوم، تتركز القيمة الرئيسية المضافة لوكالة الاستخبارات المركزية في مواردها المالية. ووفقا لنسخة مسربة من الميزانية "السوداء" أو المصنفة سرية، لعام 2013، والتي نشرتها واشنطن بوست، فاق تمويل برامج العمليات السرية (2.6 مليار دولار) تمويل الاستخبارات البشرية (2.3 مليار دولار). تتَبَّع الأموال، وسوف تصل إلى حقيقة أساسية: ميزة وكالة الاستخبارات المركزية تكمن في المجالات شبه العسكرية.

حقل ألغام من البيانات

وكالة الاستخبارات المركزية ليست وكالة الاستخبارات الوحيدة التي تواجه تحديات. في أعقاب تسريبات سنودن، صورت وسائل الإعلام وكالة الأمن القومي كوكالة مطلقة القدرة تتمتع بشهية لا حدود لها للبيانات الشخصية وقليل من الحواجز التي تحول دون الحصول عليها. وفي النقاش الدائر، واجه دعاة الحريات المدنية صقور الأمن القومي، وتبنى الجانبان افتراضا واحدا خاطئا، وهو أن ميزة وكالة الأمن القومي التنافسية هي في الجمع الشامل للبيانات.

في الواقع، لم تكن أبدا مصيدة وكالة الأمن القومي الرقمية كاسحة كما يحب منتقدوها الأكثر صخبا أن يلمّحوا، وقد عدل الكونجرس قانون مراقبة الاستخبارات الأجنبية في عام 2008 لضمان أن جمع البيانات في الوكالة يخضع بعناية للمراجعة والتقييد من قبل محكمة مراقبة الاستخبارات الأجنبية. والأكثر من ذلك، يزداد الدعم لمقترحات جديدة للحد من برامج وكالة الأمن القومي، وتتخذ شركات التكنولوجيا الأمريكية، على نحو متزايد، خطوات دراماتيكية لحماية بيانات عملائها.

وبالفعل، سوف يتحدد شكل مستقبل وكالة الأمن القومي، أكثر من أي شيء آخر، بناء على علاقتها مع وادي السليكون، وهي تتحرك بسرعة نحو أن تصبح الشريك الأصغر له. يمكن للمرء أن يشك في حقيقة غضب مجتمع التكنولوجيا من ممارسات المراقبة بوكالة الأمن القومي. على سبيل المثال، مارك زوكربيرج، الشريك المؤسس بفيسبوك، الشركة التي يقال أنها تخزن بيتابايتات من البيانات عن ما يزيد عن المليار من مستخدميها النشطين شهريا، صدمته فكرة الجمع الشامل للبيانات. ولكن رد فعل وادي السيليكون موجع، وكانت نتيجته إطلاق سباق لتشفير البيانات أصاب كبار المسؤولين الحكوميين بالهلع. بدلا من مكافحة سياسات المراقبة في المحاكم، حيث تتمتع الحكومة بميزة ساحقة، جاء رد شركات مثل أبل وفيسبوك وجوجل في الفضاء الإلكتروني. في سبيل إرضاء قاعدة عملاءهم العالمية والتوقعات الصارمة لسياسات الخصوصية، طورت الشركات قدرات تقنية تضع بيانات عملاءها خلف القفل والمفتاح.

تخصص أبل الآن قسما من موقعها على شبكة الانترنت لـ"الطلبات الحكومية للمعلومات"، وهي صفحة لا تصف بشكل خاص سعادتها بالاستجابة لهذه الطلبات. "لا يتوقف التزامنا بخصوصية العملاء بسبب طلب حكومي للمعلومات"، كما تقرأ الصفحة. أجهزة الآي فون التي تعمل بأحدث نظم التشغيل ، آي أو إس 8، تُشفر بياناتها وتختفي وراء رمز المرور الذي يجعل، كما تقول أبل، "من غير الممكن لأبل من الناحية التقنية أن تستجيب لطلبات الحكومة باستخراج هذه البيانات". وقد لحقتها جوجل على نفس الطريق، مضيفة وظيفة مماثلة لهواتف أندرويد. وتشعر وكالات أخرى بالتأثيرات البعيدة لهذه التغييرات. قال جيمس كومي، مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي في أكتوبر الماضي، أن المكتب "يكافح لـ . . . الحفاظ على قدرته على جمع الاتصالات المصرح له بجمعها".

لسنوات الآن، تتسع الفجوة بين القدرات التقنية للقطاع العام ونظيرتها للقطاع الخاص. وكالة الأمن القومي لديها مشكلة توظيف، مثلما الحال في وكالة الاستخبارات المركزية. تقع وكالة الأمن القومي على الجانب الخطأ من فجوة جيلية في قضية الخصوصية؛ كما أنه لا أمل لديها في منافسة الرواتب الفلكية التي تدفعها شركات مثل فيسبوك حتى للمتدربين بها. وزاد نظام التصاريح الأمنية الطين بلة، وعَصَر المرشحين بشأن استخدام الماريجوانا وتنزيل الموسيقى غير المشروعة. تحسنت بعض ممارسات التوظيف في وكالة الأمن القومي، ولكن لا أحد يتوقع أن الوكالة ستصبح قادرة على منافسة شركات التكنولوجيا في اجتذاب المواهب الأفضل في أي وقت قريب.

على المدى الطويل، إذاً، لن تستطيع واشنطن الفوز في المسابقة الرقمية مع وادي السليكون. والآن، بما أن الحكومة بحاجة للقطاع الخاص أكثر من حاجة القطاع الخاص لها، فإن أهم مهمة هي إعادة بناء الثقة بين الاثنين. صحيح، يمكن لوكالة الأمن القومي أن تبحث عن طرق للالتفاف على دفاعات شركات التكنولوجيا، ولكن أي محاولة فاشلة ستحمل تكلفة سياسية عالية. بدلا من ذلك، يجب على الوكالة أن تستمر في إبراز أذون التفتيش قبالة الباب الأمامي، والالتزام بالإجراءات القانونية المعمول بها، والعمل على إقناع الجمهور باحترامها للخصوصية. وبينما يزداد اندماج شركات مثل فيسبوك وجوجل في البنية التحتية للاتصالات العالمية - وكلاهما يدرس، حسب ما ورد، تقديم خدمات الإنترنت إلى العالم النامي - فمن الممكن أن يصبحوا شركاء مع الحكومة في جمع البيانات مفتوحة المصدر. هذا الجهد المشترك، إذا كان متوافقا مع قانون مراقبة الاستخبارات الأجنبية وتم شرحه بشكل صحيح للجمهور، سيكون منجم الذهب لجمع المعلومات الاستخبارية منخفض التكلفة. لكن مجتمع الاستخبارات يحتاج لتطوير نغمة أكثر احتراما للقطاع الخاص، نغمة تعترف بميزان القوة الرقمي. ينبغي أن يكون الهدف تحويل الخصوصية والأمن إلى لعبة محصلتها إيجابية، تضمن تدعيم الاثنين معا.

إذاً، ما هو الدور الذي يمكن أن تقوم به وكالة الأمن القومي؟ ,ينبغي أن تكون أولويات الوكالة تطوير الرموز وكسرها، والحرب الإلكترونية. واشنطن ستظل بحاجة إلى القدرة على اختراق شبكات الدول المؤمَّنة ومنع الأعداء، من الدول وغير الدول، من فعل نفس الشيء. على الرغم من أن وكالة الأمن القومي قد أثبت قدرات في هذا المجال، إلا أنها تحتاج إلى التركيز على مواكبة المتسللين الموهوبين من الصينين والكوريين الشماليين والروس وغير الحكوميين.

على مرأى من الجميع

القوة الصاعدة لشركات الانترنت توازى قوة أخرى تقلب عالم المخابرات: النمو الهائل للمعلومات مفتوحة المصدر. خلال الحرب الباردة، لم يمكن لشيء أن ينافس قيمة عميل مزدوج في مكان مهم، أو غرفة نوم مزروعة بأجهزة تنصت. أما اليوم، فما يسمى بـ"حفلات الانغماس"، التي يحتسي فيها الجواسيس الكوكتيلات بينمات يسترقون السمع، فقد ذهبت مع طائر الدودو. وسبب ذلك، إلى حد كبير، أن الكثير من المعلومات التي يسعى إليها صناع القرار لم تعد سرا. على الرغم من أن خبرات التجسس المعقدة تبقى مفيدة في بعض السياقات المتقدمة، فحتى الهجمات الإلكترونية تعتمد على معرفة وثيقة بالبشر وعاداتهم واستخدامهم للبرامج، لكن وكالة الاستخبارات المركزية لا تحتاج عميلا في وزارة الزراعة الروسية من أجل متابعة التطورات في أوكرانيا. توفر وسائل الإعلام الاجتماعية، في الواقع، بعضا من أفضل التقارير الميدانية، فهي تتيح للمارة تحميل الصور وأشرطة الفيديو عن تطور الأحداث أثناء الوقت الفعلي لحدوثها. تحتاج وكالات الاستخبارات للاستفادة من الثورة التكنولوجية، التي سمحت لبائع فاكهة تونسي أن يشعل الربيع العربي، والتي تستغلها داعش في نشر أشرطة الفيديو الوحشية بهدف جذب الآلاف من الأتباع، والتي بدأت وزارة الخارجية في تبنيها على تويتر.

الآن، كل شخص يحمل هاتفا ذكيا هو جامع محتمل للمعلومات الاستخباراتية، وبالتالي المهارة المفتاحية الآن هي القدرة على فرز البيانات. على الرغم من عدم وجود عقبة هيكلية تمنع أجهزة الاستخبارات الأمريكية من القيام بهذا العمل بشكل جيد، لا يزال هناك تحيز قوي، يقترب من النخبوية، ضد استخدام المعلومات المتاحة بحرية. وفي كثير من الأحيان، تفضل أجهزة الاستخبارات التنصت على هواتف الإرهابيين وإرسال أقمار تجسس بحثا عن معسكرات تدريب خفية، بدلا من قراءة تويتة من جهادي يبلغ من العمر 19 عاما. ولكن في عصر التطرف عبر الإنترنت، يجري غسيل الأدمغة في كثير من الأحيان على مرأى من الجميع.

بينما يتحرك مجتمع الاستخبارات بعيدا عن التجسس التقليدي نحو التحليل مفتوح المصدر، يتصدر السؤال الأهم والأكثر تكرارا، وهو كيفية حماية التحليل من الانحياز للتفضيلات السياسية. كانت إصلاحات الاستخبارات في عام 2004 مدفوعة في جزء كبير منها بمدى سوء الاستخبارات وخطئها في الفترة التي سبقت الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003 وقبل هجمات 11 سبتمبر في عام 2001. أراد صناع القرار وما زالوا يريدون - ولهم الحق - ضمان أن لا تواجه الأمة مثل تلك الإخفاقات مرة أخرى.

وكانت الإصلاحات التي سنها الكونغرس في عام 2004 مناسبة لوقتها. ولكن الآن تغيرت التضاريس. عندما تتوسع قاعدة الاستخبارات لتشمل هذه الكمية الضخمة من المعلومات الأولية المتوفرة على نطاق واسع لأي شخص من خلال المصادر المفتوحة، تتسبب قطع البيانات المنفردة، بطرق لا حصر لها، في تحيز صناع القرار قبل أن يستطيع المحللون تقديم الصورة الأكبر. بالطبع، كانت هناك دائما طرق مختلفة يتسلل التحيز عن طريقها الى العملية الاستخلاصية، على سبيل المثال من خلال التحليل الذي تم وضعه مع الميل في اتجاه سياسات محددة، أو من خلال الإصرار على تقديم إحاطات بخصوص موضوع معين لم يستفسر عنه الرئيس. لكن المعلومات المفتوحة المصدر ستزيد المشكلة سوءا، ولن يستطيع إعادة التنظيم أو تغيير السياسات أن يُذهبها بعيدا. يجلب البشر الأحكام المسبقة إلى كل شيء يفعلونه. وفي النهاية، جودة الاستخبارات هي فقط بقدر جودة البشر الذين يحللونها.

وهذه الحقيقة الأساسية لن تتغير في أي وقت قريب، ولكن الكثير من الأشياء الأخرى سيتغير. كما قال وليام جيبسون، الروائي الذي أعطى الفضاء الإلكتروني اسمه: "إن المستقبل هنا بالفعل - هو فقط ليس موزعا بشكل متساو تماما". الاتجاهات التي تشكل مجتمع الاستخبارات قابلة للاكتشاف، فهي موجودة في الميزانيات وفي المخططات التنظيمية وفي مناطق الحرب. كان واضعو السياسات بطيئين في الملاحظة، بينما يقفز انتباههم من أزمة إلى أخرى. ولكن إذا أرادت واشنطون أن تسبق المنحنى وتستبق التفجرات المستقبلية، فلابد لها أن تتغير. وكما كان الحال دوما في الماضي، المشكلة ليست في البشر؛ فلم يتوقف المحللون والضباط عن الخدمة بشجاعة وتميز. يكمن التحدي، بدلا من ذلك، في نظام متعثر في التفكير التقليدي وغير قادر على منافسة أعدائه في القدرة على التكيف.

 

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب