التماس بتريوس وازدواجية نظام العدالة الأمريكي

أخبار

اعترف الجنرال ديفيد بتريوس، المدير السابق للسي آي أيه، اليوم أنه قد أعطى وثائق سرية للغاية إلى حبيبته السابقة، بينما كذب على الإف بي أي بخصوص هذا الموضوع. لكنه مضطر للإعلان بذنبه تحت جنحة واحدة فقط لن تؤدي إلى أن يحكم عليه بالسجن وهو الأمر الذي يرجع الفضل فيه إلى صفقة مع المحققين الفدراليين. هذه الصفقة هي مثال آخر على كيف يُعامَل المسئولين الكبار بلين لنفس نوع المخالفات التي يعاقب المسئولين الأدنى في المرتبة عليها بقسوة.

وحسبما ورد في صفقة التماس بتريوس، فقد احتفظ الجنرال خلال قيادته للقوات الأمريكية في أفغانستان بثماني كراسات مملؤة بمعلومات حساسة للغاية حول الهوية الحقيقية لضباط وأخصائيي استراتيجية عسكرية واستخباراتيين متخفين وبمناقشاته مع مسئولين كبار في الحكومة بما في ذلك الرئيس أوباما. بدلًا من تسليم تلك "الكتب السوداء"، كما تسميها صفقة الالتماس، إلى وزارة الدفاع عند تقاعده من العسكرية في 2011 كي يرأس السي آي أيه، احتفظ بها بتريوس في منزله كما أعارها لعدة أيام إلى باولا برودويل المخوّلة بكتابة مذكراته وحبيبته آنذاك.

استجوب عملاء من الإف بي أي، في أكتوبر 2012، بتريوس كجزء من تحقيق حول علاقته ببرودول - سيستقيل بتريوس من السي آي أيه في الشهر التالي - وقال لهم بتريوس إنه لم يشرك برودول في معرفة أي مواد مصنّفة على أنها سرية. تشير صفقة الالتماس "أن هذه الادعاءات كاذبة" وأن بتريوس "كان يعرف وقتها أنه قد شارك كاتبة سيرته الذاتية الكتب السوداء". الكذب على عملاء الإف بي أي جريمة فيدرالية حكم على أشخاص بسببها بالسجن لشهور أو لأكثر من عام.

يعترف بتريوس، في هذه الصفقة مع محققيه، أنه مذنب بجريمة واحدة هي نقل والاحتفاظ بمعلومات سرية، وهي جنحة عقوبتها السجن مدة سنة مع أن الصفقة تقول بالمراقبة وغرامة تبلغ 40000 دولار. وقد أشارت النيويورك تايمز اليوم أن الصفقة تسمح للسيد بتريوس بالتركيز على مساره المهني التالي على عمله الحكومي كشريك في شركة أسهم ومتحدث دولي في شؤون الأمن القومي".

للصفقة تأثير آخر: فهي تؤكد وجود ازدواجية في نظام العدالة بحيث يُضرب المسئولين الكبار على أكفّهم نتيجة مخالفات جمّة، بينما تتم معاقبة المسئولين الأصغر بشدّة على تعديات صغيرة.

على سبيل المثال، بعد خمس سنوات من المواجهة مع المحققين الفيدراليين، اعترف ستيفن كيم، المسئول السابق في وزارة الخارجية، بمخالفة واحدة لقانون التجسس عندما كان ينقاش تقريرًا سريًا عن شمال كوريا مع محرر شبكة فوكس الإخبارية، جيمس روسن، في 2009. لم يسلّمه كيم نسخة من التقرير - ناقشه فقط ولا شيء أخر - وقد وُصف التقرير لاحقًا، في وثائق المحاكمة، بالـ"تافه" في مقدار حساسيته. يقضي كيم الآن عقوبة بالسجن مدتها 13 شهرًا.

يقول أب لويل، محامي كيم، "ليست القضية ما إن كان التعامل مع الجنرال بتريوس قد تم التساهل فيه بشكل مفرط... القضية هي ما إن كان الآخرون يعاملون بشكل قاس أكثر من اللازم لسلوك لا يختلف عن سلوكه كثيرًا. هذا يؤكد على التطبيق العشوائي والمتفاوت وغير العادل أحيانًا كثيرة لقوانين الأمن القومي حيث يُعامل أصحاب المناصب العليا أفضل من أقرانهم في المناصب الدنيا".

أعلنَ عميل السي آي أيه السابق جون كيرياكو، في 2013، أنه مذنب في انتهاك قانون حماية الهويّة الاستخباراتية بالكشف عن اسم عميل سري للسي آي أيه لمحرر حرّ، وقد حكم عليه نتيجة لذلك بالسجن مدة 30 شهرًا. هناك تناقض بين إدانة كيرياكو بالجنحة والحكم الكبير عليه بالسجن - للكشف عن اسم واحد لم يتم نشره -، وقد اعتراف بتريوس أنه مذنب في جنحة لا تضم حكمًا بالسجن لتسريب عدة أسماء بالإضافة إلى طيف من المعلومات الأخرى شديدة الحساسية.

قال كيرياكو الذي أطلق سراحه في العام الحالي لإنترسبت في بيان أرسل عبر البريد الإلكتروني: "لا أعتقد أنه كان يجب أن يحاكم الجنرال بتريوس بقانون التجسس، كما لا أظن أنه كان يجب أن أحاكم أنا بقانون التجسس. لكن تم ذلك مع واحد منا فقط. أنا وبتريوس كشفنا عن هويّات سرية (أو أكدنا واحدة في حالتي) ولم يتم نشرها. قضيت أنا عامين في السجن بينما حصل هو على حكم بعامين تحت المراقبة".

كانت إدانة كيرياكو وكيم ومسرّبين آخرين مشددة بشكل خاص في إدارة أوباما، والتي قدّمت أكثر من ضعف عدد قضايا التسريب تحت قانون التجسس الذي قدمته الإدارات السابقة مجتمعة. قام الجندي المعروف سابقًا ببرادلي مانينج، في 2013، بالإقرار بذنبه في انتهاك قانون التجسس بتسريب آلاف الوثائق لويكي ليكس وتم الحكم عليه بالسجن لمدة 35 عامًا. حصل مانينج على هذا الحكم القاسي مع أن وزير الدفاع في ذلك الوقت، روبرت جيتس، في 2010، قد قال إن التسريبات لم يكن لها سوى تبعات "متواضعة". قال جيتس "لقد سمعت أن تأثير هذه التسريبات على سياستنا الخارجية وصف بأنه كارثي وقد يغير قواعد اللعبة وما إلى ذلك. أظن أن هذه الأوصاف مبالغ بها كثيرًا... هل هو محرج؟ نعم. هل هو غريب؟ نعم. تبعاته بالنسبة للسياسة الخارجية للولايات المتحدة؟ أعتقد أنها متواضعة".

يحصل المسئولون الكبار على معاملة أكثر عطفًا بكثير. وكما لاحظت زا تايمز اليوم، فإن المحامي العام السابق، ألبرتو جونزاليس، "تمت معاتبته وليس إدانته"  لإبقاء معلومات سرية في منزله. استقال جون دوتش، المدير السابق اللسي آي أيه، وفقد تصريحه الرسمي، لكنه لم يدن بسبب تخزين وثائق سرية على حاسبه المنزلي. وقد سمح لمستشار الأمن القومي السابق، ساندي برجر، بأن يعترف أنه مذنب في جنحة بعد أن أخذ وثائق سرية من الأرشيف القومي خلسة.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب