التنافس السعودي الإيراني في اليمن

مقال رأي

ملخص

بينما تصارع الحركة الحوثية لإدارة التحديات الإقليمية العديدة على جبهتها الشمالية، يمثل صعود الحركة إلى السلطة في اليمن إنتكاسة للمملكة السعودية على جبهتها الجنوبية. فبعد سقوط الحكومة اليمنية، ستضطر الرياض لاستغلال احتياج الحوثيين للدعم السياسي والمالي لتعيد تأسيس نفوذها في اليمن. ولكن لأن إيران، أيضا، تحاول ملء فجوة الدعم تلك، أصبحت اليمن ساحة حرب أخرى للصراع بين الدولتين الطائفيتين.

تحليل

بعد طردها من العاصمة صنعاء في سبتمبر، أصبحت الحكومة اليمنية في حالةِ حرب مع نفسِها. فقد أصدر الرئيس عبد ربه منصور هادي بيانا في 19 مارس مستنكرا الضربات الجوية على المجمع الخاص به في المدينة الساحلية الجنوبية عدن واصفا إياها بمحاولة الإنقلاب العسكري على يد قوات موالية لسابقه الذي كان حليفه في وقتٍ ما، الرئيس السابق علي عبد الله صالح.

مبكرا من نفس اليوم، اشتبكت القوات والميليشيات الموالية للرئيس هادي في طريقها إلى داخل مطار عدن واجتاحت قاعدة عسكرية قريبة، حيث كان المطار والقاعدة العسكرية تحت سيطرة الجنرال عبد الحافظ السقاف، أحد الموالين لصالح.

يأتي الاقتتال الداخلي في عدن بعد ظهور جماعة أنصار الله – وهي جماعة زيدية (شيعية) موالية لإيران يقودها عبد الملك الحوثي- كأكبر قوة منفردة في اليمن بعد السيطرة على مساحات شاسعة من الأراضي في شمال ووسط البلاد. ويمثل الحوثيون تغيرا في توازن القوى في اليمن، بل وفي الجزيرة العربية، وفتح ذلك التغيير الباب لإيران لتصبح لاعبا رئيسيا فيما كان سابقا نطاقا حصريا للمملكة السعودية منذ فترة ليست ببعيدة.

صعود الحوثيين

سهل عدد من العوامل استيلاء الحوثيين على السلطة في اليمن. أولها، أن محاولات السعودية لإدارة الحكومة اليمنية في صحوة أحداث الربيع العربي لم تسر كما كان مخططا لها. فقد تنحى الرئيس صالح لصالح نائبه هادي، إلا أن تلك الخطوة فاقمت الانقسامات داخل الحكومة على الأصعدة القبلية، الفكرية، السياسية، والعسكرية. ومع تولي هادي للسلطة، كان المنهج السعودي – القائم على تأليب الفصائل اليمنية العديدة على بعضها- قد قوض النظام القديم الى الدرجة التي استطاع معها الحوثيون استغلال واستقطاب عددا كافيا من القبائل للتحرك نحو ما هو أبعد من معقلهم الشمالي، محافظة صعدة، وشق طريقهم إلى مناطف تقع جنوب العاصمة.

بينما تدخلت السعودية طويلا في اليمن وركزت على محاربة تنظيم القاعدة في الجزيرة العربية، غاب نظر الرياض عن اليمن إثر توجيه تركيزها نحو نزاعات إقليمية أخرى. حيث تولت المملكة محاولة إنهاء الفوضى في المنطقة في أعقاب الربيع العربي، وخصوصا تهديدات التنظيمات الجهادية مثل الدولة الإسلامية. كما انشغلت السعودية بدعم النظام الملكي البحريني السني الموالي للسعودية في مواجهته لثورة مطالبة بالديمقراطية من أقليتها الشيعية.

لم يكن الأمر أن السعودية لا تولي اليمن انتباهها، ولكنها لم تتوقع أن تكسب إيران أرضا على جبهتها الجنوبية عبر حركة لا تعتبر حركة شيعية تقليدية، بل في الواقع تعتبر عقائدا أقرب للإسلام السني.

كذلك لم تقدم السعودية ما يكفي لمنع صالح من العودة إلى صنعاء، حيث يمكنه حبك المؤامرات ضد من شعر أنهم مسؤولون عن الإطاحة به من السلطة وحيث يمكنه التخطيط للعودة إلى منصبه. فأضعفت مؤامراته الحكومة اليمنية وقلصت قدرتها على مواجهة التمرد الحوثي.

وأخيرا، يبدو أن الحوثيون قد تعلموا دروسا من فترة اشتباكهم مع حرس الحدود السعودي عام 2009. فالحوثيون حاليا حذرون من الاقتراب من أي قتال مباشر مع السعوديين على طول الحدود، وفضلوا التركيز نحو الداخل. إنهم يوحدون القوة الوليدة التي جمعوها ويضعفون الجماعات التي قد تقاومهم.

يبدو أن الاستراتيجية قد نجحت. فقد ركز السعوديون على الصراعات على جبهتهم الشمالية ولم يستجيبوا بقوة لانتقال السلطة الذي حدث في اليمن. والآن فات الأوان لعكس ذلك المسار، على الأقل على المدى القصير.

ينقص الرياض القدرات العسكرية للتدخل بشكل مباشر في اليمن وفرض النظام مثلما فعلت في البحرين. كما أن الفصائل السياسية المختلفة التي اعتادت السعودية أن تستخدمها كوكلاء لم يعد لديها نفس القوة التي تمتعت بها من قبل، ما يجعل أي جهود أقل فاعلية.

وحتى إن كان لديها الوسائل للتدخل، ليس من الواضح تماما إن كان السعوديون يريدون التدخل. فالحوثيون لا يمثلون تهديدا كبيرا بالنسبة للسعودية، بل على العكس، فسيطرة المتمردين على شمالي ووسط اليمن يعزل السعودية عن الفوضى المتفشية في أجزاء أخرى من اليمن، ويعزلها خصوصا عن تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، والذي يمثل تهديدا أكثر مباشرةً. حيث يفضل السعوديون وجود الحوثيين على حدودهم الجنوبية بدلا من شبه الدولة الجهادية المعادية لهم. وبينما يفضل السعوديون عدم سيطرة الحوثيين على جزء كبير لهذه الدرجة من اليمن قريبا للغاية من حدودهم، يبدو الوضع أفضل نتيجة ممكنة وسط خيارات سيئة، بالتأكيد ما لم يبدأ الحوثيون في التوجه شمالا.

التوغلات الحدودية المحتملة

حتى إن قرر الحوثيون تغيير مسارهم، ستكون السعودية قادرة على الدفاع عن نفسها. فالسعودية لديها حاجز حدودي بالفعل – حتى وإن كان مجرد خط أنابيب مملوء بالخرسانة- مزود بمعدات مراقبة ممتدة بطول أجزاء طويلة من الحدود. إلا أن المسلحين الزيديين قد تمكنوا من اختراق الحدود عام 2009، ولكنهم لم يتجاوزوا الجبال. فقد تمكن الجيش السعودي من احتوائهم هناك واستخدم الغارات الجوية في القضاء عليهم.

يتكون الجزء الشرقي من الحدود في حضرموت من صحراء مفتوحة لا تخفي القوة المتوغلة. وتستطيع طائرات المراقبة أن ترصد العربات على الأرض من على مسافات بعيدة، وسيتطلب الوصول إلى مدينة سعودية أو حتى طريق اجتياز مئات الأميال في الصحراء.

يبدو الغرب المكان الوحيد الذي قد ينجح فيه التوغل بسبب وجود جبال، طرق، وسكان. كما يصادف أنه مجاور للمعقل الحوثي، صعدة. إلا أن الجيش السعودي لديه قدرة كافية لنشر قوات تفوق أعدد المقاتلين الحوثيين. يحتمل أن يستمر القتال لبعض الوقت، ولكن في النهاية لن يتمكن الحوثيون من الصمود أو الانتصار على السعوديين، الذين يتفوقون بالمدفعية والدعم الجوي.

الدعم المالي أساسي

أكبر دافع يمنع الحوثيين من استعداء السعودية هو حاجتهم للدعم المالي. فالموقف الاقتصادي والمالي لليمن يعني أن الحوثيين – أو أي تنظيم حاكم- لا يمكنه الحفاظ على النظام في البلاد دون مساعدة خارجية. دون دعم مالي طويل المدى، قد تتحول الأزمة المائية اليمنية إلى أزمة إنسانية تسترعي تدخل السعودية، ما يخلق الحاجة لتعاون بين صنعاء والرياض. يدرك الحوثيون ذلك، لذلك مدوا أيديهم للرياض للمشاركة في محادثات غير مباشرة.

بينما قد يبدو الأمر أكثر منطقة أن يسعى الحوثيون للحصول على الدعم الإيراني، إلا أنهم يعلمون أن طهران ليست قادرة على توفير نفس القدر من الدعم المالي الذي قد تقدمه السعودية، حتى إن رفع الغرب عقوباته الاقتصادية. تستطيع إيران أن تقدم دعما عسكريا، استخباراتيا، لوجيستيا، وسياسيا، ولكن ليس دعما ماليا. إلى جانب أن إيران على بعد 1950 كيلومتر من اليمن، بينما السعودية على حدوده الشمالية. كما تستطيع السعودية أن تساعد الحوثيين في كسب الاعتراف الدولي بهم كحكومة شرعية لليمن.

تطبيق نموذج حزب الله

يجد الحوثيون أنفسهم في موقف مشابه تماما لحزب الله في لبنان. فالتنظيمان يجدان نفسيهما أكبر قوة في بلديهما، ولكنهما يتواجدان وسط أوضاع سياسية وديموجرافية تمنعهما من إدارة الدولتين وحدهما. يحاول تنظيم أنصار الله أن يحاكي حزب الله من حيث اجتذاب الفصائل الأخرى للعمل معه وتشكيل حكومة مثل الديمقراطية المذهبية في لبنان.

إلا أن أنصار الله يمرون حاليا بما مر به حزب الله في ثمانينات القرن الماضي، وسيحتاجون لبعض الوقت لترجمة تفوقهم العسكري إلى قوة سياسية. كما أن السعوديون سيحاولون منع التنظيم من اتخاذ مسار حزب الله. فعلى عكس لبنان، اليمن ليست خاضعة للاحتلال الإسرائيلي، وليس لديها جار مثل سوريا يمكن للإيرانيين استخدامه كقناة لرعاية الحوثيين.

التفاوض حول مستقبل اليمن مع إيران

تعلم السعودية أن التهديد ليس ضاغطا وقررت الامتناع عن أي محادثات دبلوماسية رسمية مع اليمن. كذلك تعلم الرياض أن طهران تريد استخدام الحوثيين لكسب مقعد على طاولة المفاوضات وحتى تصبح صاحبة شأن في اليمن، لذلك فهي تتعامل بحذر. إلا أنه في النهاية، تمنع القيود الجغرافية والسياسية طهران من إضعاف الرياض في اليمن.

رغم أن السعوديون يرون الوضع ملائما لهم، إلا أنهم لا يمكنهم أن يصبحوا مسترخين للغاية وأن يسمحوا للحوثيين بالسيطرة على صنعاء. يجب أن تضمن الرياض أن المعارضة تحسن موقفها بشكل كافي لتمثل ندا للحركة الحوثية. وفي ذات الوقت، ستحتاج الرياض إلى إشراك أنصار الله في المحادثات في مرحلةٍ ما، خصوصا عندما تضعف المعارضة بعد الاقتتال، ويجني الجهاديين فوائد من ذلك الصراع.

العديد من خصوم أنصار الله – ومنهم القبائل، العناصر الدينية السنية، وأعضاء المؤسسة الأمنية الخاصة بالحكومة التي أطيح بها- مستعدون للتعاون مع القوى الجهادية لقتال الحوثيين. والسلفيون والجهاديون هم الأكثر توقا للمشاركة في حرب طائفية لأنهم يرونها وسيلة لتعزيز موقعهم. لا تستطيع السعودية أن تسمح للقاعدة أو للدولة الإسلامية بالصعود كأكبر قوة مؤثرة أمام تنظيم أنصار الله.

في الواقع، أشارت الولايات المتحدة بالفعل إلى أنها سوف تتعاون مع الحوثيين لقتال الجهاديين في اليمن، ما يمثل مؤشرا آخر على التحول في موقف الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. فواشنطن ترى إيران، حزب الله، بل وحتى الحكومة السورية – باستثناء الرئيس بشار الأسد- كشركاء في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية، وهو تطور تشعر المملكة السعودية أنه يهددها.

إن استجمع الحوثيون قواهم في اليمن بنجاح، ستصبح منطقتي جازان ونجران السعوديتين الجنوبيتين معرضتين لخطر التوسع الحوثي على المدى الطويل بسبب الوجود الملحوظ للطائفة الشيعية الإسماعيلية في تلك المناطق. بالتأكيد سيرحب الإيرانيون بهذه النتيجة، وسيقدمون دعمهم للزيديين.

يرى السعوديون الحوثيين كتهديد محتمل من قبل إيران. وستمثل كيفية تفاعل السعوديون مع الحركة ومحاولة وضع عوائق بينها وبين إيران أحد المؤشرات الرئيسية التي يجب مراقبتها. إلا أن الوضع الأمني المتدهور في اليمن خلق صراعا جيوسياسيا آخر بين السعودية وإيران، والذي سيستمر خلال المستقبل القريب.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب