الحوثيون ووقف إطلاق النار

مقال رأي

 

تحاول القوات المسلحة السعودية قتل أكثر من عصفورٍ بنفس الحجر في تدخلها في اليمن. إنها تحمي البلد، على المدى القصير، من ما تراه الرياض على أنه خطر عسكري مباشر يشكله تقدُّم المتمردين الحوثيين الموالين لإيران، وتؤكد قيادتها للعالم العربي، على المدى البعيد، كما تحكم من قبضتها على ما كان مؤخرًّا مجلس تعاون خليجي محمّلٍ بالتوتر. مال ميزان القوّة، في السنوات الأخيرة، بثقل ناحية إيران ولم يكن دور تحوّل مجهودات التحصين الأمريكية في ذلك صغيرًا.

إنّ المملكة في موقف يسمح لها بقتل أوّل عصفورين. وإذا استَخدمت كروت اللعبة بشكل جيّد فيمكنها أن تتقدَّم ضدَّ الثالث، وكنتيجة لذلك تدعم موقفها في المنطقة في وقت تفقد القوّى التقليدية الأخرى في المنطقة، مثل مصر والعراق وسوريا، فيه نفوذها بسبب الصراعات المحلية والاضطراب السياسي والانهيار الاقتصادي. لكن القيادة السورية الجديدة قررت أن  البديل – عدم التحرك – يحمل ثمنًا لا يمكن تحمّله.

كانت اليمن شوكةً في خصر السعودية (والدول الخليجية الأخرى بما في ذلك عُمان) منذ إنشاء الأخيرة في العام 1930. التهديدات الماركسية والشعبويّة وأخيرًا التطرُّف الإسلامي مع صعود القاعدة في الجزيرة العربية، جعلت كلها اليمنَ التهديد الموجَّه للأمن القومي عالي الشأن بالنسبة إلى لسعودية. واليوم ترى السعودية خطرًا في استيلاء المتمردين الحوثيين الشيعة على الكثير من اليمن خاصّة المناطق المتاخمة للحدود السعودية. شنّت السعودية، في الأسبوع الماضي، بالتعاون مع تسع دول أخرى (البحرين ومصر والأردن والكويت والمغرب وباكستان وقطر والسودان والإمارات) حملةً جويةً مستمرة وهي تحجب الساحل اليمني.

السعودية التي حذّرت واشنطن بدورها حول محدودية القوة الجوية في القتال ضدَّ القاعدة والدولة الإسلامية في العراق والشام، تعلم أن الهجمات الجوية وحدها لن تصلح اليمن أو توقف من تفككها. لكنها تعتقد أن العمليات العسكرية المحدودة ستساعد في تحييد تهديد الحوثيين الأمني بتدمير قدرات المجموعة العسكرية الهجومية – بما في ذلك الصواريخ الاستراتيجية ومخازن السلاح والدبابات والنفاثات المقاتلة التي استولت عليها من الجيش اليمني وقد تستخدمها ضدَّ المصالح السعودية - وسترجع حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي المتنخبة في جزءٍ من البلاد على الأقل،  خاصّة في الجنوب حول ميناء عدن.

كما تأمل السعودية أن استخدام القوّة سيحوِّل  التوازن الداخلي للقوّة في اليمن ويجبر الحوثيين، الذين يتلقون دعمًا عسكريًا ولوجستيًا واستخباراتيًا من طهران، أن يجلسوا إلى الطاولة من أجل محادثات سلام مع الحكومة المنتخبة والفصائل اليمنية الأخرى بما في ذلك الحركة الانفصالية في الجنوب والمؤتمر الشعبي العام برئاسة الرئيس السابق، علي عبد الله صالح، والمؤتمر اليمني للإصلاح المدعوم من السعودية.

إذا ثبت أن أُسلوب الرياض السياسي والعسكري مؤثرٌ فإن الاحتياج لغزو برّي خطير سيقلُّ بشدّة. متفاح نجاح هذا التكتيك ذو الحدين هو التفكيك المنهجي للتحالف الذي كوّنه الحوثيون مع قوات صالح. وسيتطلب ذلك مجموعةً من الحوافز السياسية والمالية التي تحضرها الرياض بالفعل. إنّ رغبة وقدرة حركة الحوثيين إن كانت كبيرة وجيّدة الموارد في خوض حرب كبيرة لا يجب أن يستهان بها خاصّة إذا قررت إيران أن تهبط بثقلها في اليمن وتجر السعودية ومنافسيها الآخرين إلى حرب استنزاف. لكن من المرجح أن تقرر إيران، التي يكمن اهتمامها الرئيسي في العراق وسوريا، التقليل من تصعيدها وأن تدفع حلفائها المحليين للبحث عن حلٍ سياسيّ يُمكن أن يكسبهم قطعةً أكبر من الكعكة (والتي من الممكن أن ينتهي الأمر بأن تكون واحدة من المقاطعات الست التي حددها مشروع الدستور بدون أن يكون لها منفذ على البحر). من غير المرجح أيضًا أن يذهب الحوثيون وحدهم لأن ذلك قد يعني شنّ الحرب مع أغلب الفصائل الأخرى في اليمن.

بدروه شجب صالح "عملية عاصفة الحزم" التي تقودها السعودية، لكن ربما بالتعويضات المناسبة وضمان البقاء السياسي قد ينفصل عن الحوثيين. لكن الرياض لم تبد الكثير من الاهتمام بالنظر في مبادلة سياسية من صالح وابنه الذي تقدَّم للسلطات السعودية قبل انطلاق الحملة العسكرية بيومين وعرض عليهم الانقلاب على الحوثيين في مقابل الحصانة له ولوالده حسبما قالت قناة العربية المملوكة للسعودية.

سيكون لنتيجة الحرب السعودية في اليمن تبعات تتجاوز كلا البلدين. إذا استطاعت السعودية جلب السلام إلى اليمن فإنها ستكون قد قامت بترسيخ قيادتها للعالم العربي وبإرسال رسالة قوية لجيرانها في الخليج أنها ستبقى الدولة التي لا يمكن الاستغناء عنها داخل مجلس التعاون الخليجي.

لن يكن ذلك نذيرًا جيدًا لخطط السعودية في إيقاف التأثير المتصاعد لإيران في الشرق الأوسط. من المرجّح أن يزيد فشل السعودية في اليمن، وإيران جريئة على الاستمرار في سياستها التوسعية في العراق وسوريا ولبنان واليمن وأماكن أخرى. لا تزال السعودية تتمتع بشراكة قوية مع الولايات المتحدة ضدَّ إيران، لكن الشعور في الرياض والعواصم الخليجية الأخرى أن واشنطن قد قدمت الشرق الأوسط إلى طهران على طبق من فضّة في مقابل صفقة نووية. إنها نتيجة بلا أساس وسخيفة، لكن ذلك هو التصور في المنطقة والذي نجد له الآن تطبيقًا في السياسة الرسميّة.  

لقد جادل الكثيرون أنه على السعودية ألا تصعّد وألا تشترك في عسكرة زائدة يمكن أن تجعل الأمور أسوء للملكة والمنطقة ككل. لكن الحقيقة هي أن الاستراتيجية السعودية في ما يخص اليمن – والتي تم تصميمها لاستخدام القوة العسكرية من أجل إعادة الاشتباك السياسي - محسوبة أكثر مما يدعي منتقدوها وسطوة إيران في اليمن أوسع وأكثر تهديدًا من ما يُتصور عنها عادة. إنَّ تواجدًا صلبًا في اليمن يمكن أن يسمح لإيران بأن تستولي على باب المندب، المدخل الاستراتيجي لقوة الشحن بين البحر الأحمر وخليج عدن وقناة السويس. ومع ممارسة إيران بالفعل لبعض السيطرة على مضيق هرمز الذي يمرّ عبره ما يقرب من ربع نفط العالم، فيمكن أن يتصور المرءُ التبعات المدمّرة على أمن الخليج والاقتصاد الدولي. وبدلًا من نقد الرياض يجب على واشنطن أن تفعل شيئًا.

لا شيء من بين كل ذلك يجعل توجه الرياض أقل خطورة، لكنه شيء يترك السعوديين، الذين عرفوا تاريخيًا بتفادي المغامرة، على استعداد لتحمله أخذًا في الاعتبار البديل المكلف والإمكانية العالية للمكافأة. كما قد لخص أحد سفراء دول الخليج البارزين في محادثة خاصّة "لا يملك الحوثييون أسلحةً نووية ولكن هذه هي "أزمة الصواريخ الكوبية" الخاصة بالسعودية. هل كانت واشنطن ستتحمل أن يضع أحد المنافسين صواريخ بالستية في الجوار حيث بإمكانها استهداف مدن أمريكية؟" ما يساعد قطعًا هو كون السعودية ليست وحيدة في هذا الصراع مع انضمام تسع دول أخرى إلى القتال. يجب ألا تدع المجال للخطأ مع ذلك: هذه هي حرب السعودية ويمكن للنتيجة أن تُبقي المملكة أو تكسرها.
 

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب