الخطة التي صنعت الفوضى الشرق أوسطية في عهد أوباما

مقال رأي

عند تلخيص إلتزامات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، نجد أن الجيش الأمريكي يحارب ضمن تحالف تكتيكي إلى جانب وكلاء إيرانيين في العراق، رغم إسهام الولايات المتحدة في حملة ضد القوات المدعومة من إيران في اليمن. ونحن ملتزمون بشكل رسمي بتغيير النظام في سوريا، ولكننا نتدخل ضد أعداء النظام الإسلاميين. لا يزال أقوى حلفاءنا، رسميا، هم إسرائيل والسعودية، إلا أننا لازلنا مشغولون بتنفيرهم عبر الضغط من أجل تحقيق التوافق مع إيران. ونحن في غنى عن ذكر ليبيا وتنظيم القاعدة، فذلك سيؤدي إلى المزيد من التداخل.

هل هناك أي خطة؟ هل هناك خطة متقدمة ومعقدة لا يدركها سوى الرئيس أوباما ومستشاريه؟ ليس تماما، فقد تفاجأت تلك الإدارة بشكل مستمر بالتطورات الشرق أوسطية، وتتراوح تبريراتها بين الاستياء (كتوجيه دعوة استنكارية لمن يرى في نفسه الذكاء الشديد لتولي القيادة)، والتوهم (كإدعاء أن الإتفاق النووي الإيراني سيغير مسار اللعبة).

ولكن هناك عنصر استراتيجي أسهم في إيصال إدارة أوباما لموقفها الحالي. فقد سعت تلك الإدارة، بشكل متردد ولكن مستمر، لتحقيق نقلة نموذجية في كيفية تعامل الولايات المتحدة مع الشرق الأوسط، نقلة من نموذج "السلام الأمريكي" نحو استراتيجية يطلق عليها مؤيدوها "تحقيق التوازن الخارجي".

في ظل النظام المتبني لنموذج "السلام الأمريكي"، تتمتع الولايات المتحدة بموقع مهيمن داخل شبكة من الحلفاء والعملاء، وتمثل الأطراف الخارجة عن تلك الشبكة أطراف مارقة وتهديدات، والتي يجب إعاقتها وتقييدها بواسطة قدرتنا العسكرية الضخمة. بشكل مثالي، يصبح عملاءنا مع الوقت أكثر ازدهارا وتحقيقا للديمقراطية، وتصبح فوائد الانضمام للشبكة واضحة، فتتوسع القبة العسكرية الأمريكية وتصبح أقل ضرورية.

أما في نظام "تحقيق التوازن الخارجي"، يكون عملاءنا أقل، وتنخفض التزاماتنا. وتحمل القوى الإقليمية المسؤولية الأولى عن التعامل مع الأزمات على الأرض، وتوجه استراتيجيتنا العسكرية نحو تأمين الممرات البحرية والجوية، ويطرح التدخل المباشر فقط عندما ينقلب توازن القوى بشكل كبير.

منذ الحرب الباردة، وتحديدا منذ العام 1991، هيمنت فكرة "السلام الأمريكي" على فكرنا بصدد سياستنا الخارجية. ولكن في الشرق الأوسط، لم يتحقق تطور حقيقي نحو الديمقراطية وسط شبكتنا من الحلفاء، بل غذى فسادهم المستمر الإرهاب وأسهم في ظهور تنظيم القاعدة.

وبالتالي مثل قرار إدارة بوش بعد أحداث 11 سبتمبر بمحاولة البدء من الصفر – عبر تحويل دولة مارقة إلى نموذج إقليمي – تأسيسا لنظام جديد بقيادة أمريكية، والذي سيكون أقل أخلاقية بالمقارنة بالقديم.

ولكن ذلك التظام بالتأكيد لم يظهر. بل استغل جميع أدوات الاستراتيجية الأمريكية، وجميع رجال وزير الدفاع ديفيد باتريوس، فقط من أجل إبقاء العراق على حالها، كما أدى إلى تقوية لاعب آخر سئ وهو إيران، وأدت مشكلة القمع القديمة إلى حدوث الربيع العربي والحروب الأهلية التي تبعتها.

كان الالتزام بنموذج "السلام الأمريكي" بعد تلك التطورات ليتطلب إبقاء قوات أمريكية في العراق لعقود. ولكانت أجبرتنا على الاختيار بين قصف العراق وتمديد مظلة نووية على طريقة الحرب الباردة على معظم أجزاء العالم العربي. وكانت ستظل الإجابة غير واضحة حول كيفية التعامل مع الحلفاء الفاسدين، أو مع المتطرفين الذين ينضمون إلينا عندما يسقطون.

لذلك يمكن تفهم أن إدارة أوباما سعت لتبني دور مختلف. أسلوبنا لمكافحة الإرهاب المشتمل على الإنسحاب من العراق والتواجد بشكل غير قوي، رقصتنا الغربية مع بشار الأسد، تدخلنا المحدود ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، جميعها خطوات تهدف إلى تبني أسلوب "خارجي" بشكل أكبر تجاه مشكلات الشرق الأوسط. وبشكل مشابه، الوفاق الذي طال انتظاره مع إيران، والذي يفترض أنه بمجرد حل الأزمة النووية، سوف تنضم طهران تدريجيا إلى الرياض، القاهرة، وتل أبيب في نظام متعدد الأقطاب.

ولكن هناك مشكلتين. أولهما، يقدم التوازن الخارجي أكثر فوائده عندما تكون تشابكاتك أقل ما يمكن، ولكنه من الصعب جدا بالنسبة لقوة مهيمنة أن تنسحب ببساطة خارج مسرح الأحداث، حيث ستخيب التوقعات وستترك الحلفاء مترنحين. وعندما تكون مشارك بشكل فعال في كل مكان، وتحاول أن ترجح توازن القوى بتلك الطريقة إلى جانب تنفيذك لضربات جوية أحيانا، من السهل أن تصبح متناقضا، حيث ستتمتع بعداوات متعددة الدرجات، وستفقد الهدف الواضح.

ثانيهما، البيئات متعددة الأقطاب عادة ما تكون أقل استقرارا وأكثر عنفا من البيئات وحيدة القطب. لذلك فإن توجيه القوة الأمريكية خارجيا والتطلع إلى توصل الجيران السنة لإيران وإسرائيل لنوع من التوازن مع إيران وحدهم سوف يزيد على الأرجح خطر سباقات التسليح، الاجتياحات العابرة للحدود، والحروب الإقليمية الشاملة. الصراعات الجارية حاليا بشعة بشكل كافي، ولكن في غياب السيطرة التي لا تزال متمثلة في الهيمنة العسكرية الأمريكية، من السهل توقع الأسوء.

إن أمكننا بالفعل تجنب المشاحنات الشرق أوسطية بشكل كامل، فسيكون ذلك "الأسوء" أقل كلفة للولايات المتحدة من محاولة تعزيز "السلام الأمريكي". وإن تمتعنا بهيمنة يمكن الاعتماد عليها إلى جانبنا لتحل محلنا، قد يصبح كل ذلك محل نقاش.

ولكن في العالم بوضعه الحالي، لدينا إدارة تريد تصديق أنها تخرجنا من مسرح الأحداث، ولكن المنطقة تجرنا بشكل حتمي وبلا هوادة للعودة.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب