الزوال البطيء للمساندة الأمريكية الحزبية لإسرائيل

مقال رأي

في 1962، قال الرئيس الأمريكي، جون إف كينيدي، لوزيرة الخارجية الإسرائيلية، جولدا مائير، إن الولايات المتحدة وإسرائيل بينهما "علاقة خاصة". من علامات تلك العلاقة هي طبيعتها الحزبية والتي عززتها مجموعة الضغط القوية العاملة بشكل موحّد على جانبي الرواق السياسي. هذا الدعم جعل من الممكن للولايات المتحدة أن ترسل 121 مليار دولار لإسرائيل في صورة دعم خارجي بين 1948 ونهاية 2014 – أكثر من أي دولة أخرى. كما دعمت الولايات المتحدة إسرائيل في صراعاتها الإقليمية واستخدمت حق الفيتو لمعارضة أي قرار للأمم المتحدة ينتقد احتلال إسرائيل للضفة الغربية.

لكن هناك إشارات متنامية إلى شقاق داخل هذا المجتمع يمكن بدوره أن يهدد العلاقات الخاصة. أحدثها صدع صنعه قرار المتحدث باسم البيت الأبيض، جون بوهنر، بدعوة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، رئيس حزب الليكود، للتحدث أمام الكونغرس، يوم 3 مارس، بدون استشارة البيت الأبيض أو الديمقراطيين داخل الكونغرس مسبقًا.

الانقسام بين الجمهوريين والديمقراطيين حول إسرائيل لم يظهر فجأة مع دعوة بوهنر لنتنياهو، بل إن القصة تمتد لما قبل إنشاء إسرائيل. خلال إدارة الرئيس الأمريكي، فرانكلين روزفلت، أصبح أغلب اليهود الأمريكيين أو الصهاينة الأمريكين ديمقراطيين واعتمدت المنظمات الصهيونية على صلات الديمقراطيين البارزين - خاصة القاضي بالمحكمة العليا، لويس برانديس، والحاخام سيفين وايس - مع روزفلت. لكن، في 1944، أخذ الحاخام أبا هيليل سيلفر زمام مجلس الطواريء الأمريكي الصهيوني والذي أسس في 1939 كتحالف لعدد من المنظمات الصهيونية واتبع سياسة السعي إلى تأييد حزبي للدولة اليهودية مستخدمًا التهديد بدعم الجمهوريين الذين كانوا يفضلون دولة يهودية للضغط على إدارة ترومان لمساندة قضيتها.

تطور اللوبي الإسرائيلي في واشنطن من استراتيجية سيلفر. بعد إنشاء إسرائيل في 1948 تحوّل التحالف إلى المجلس الصهيوني الأمريكي، جماعة من 21 مجموعة صهيونية تمارس الضغط على واشنطن. في 1963، أعاد المجلس الذي كان يتم التحقيق بشأنه لعمله كعميل أجنبي سري ضم لجنة الشوؤن العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك). وقد عملت يشكل مبدئي بالتتابع مع مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأمريكية الكبرى والذي أسس في 1954: تقوم أيباك بالضغط على الكونغرس ويضغط مؤتمر الرؤساء على البيت الأبيض. لكن في الثمانينيات ازدادت أيباك في التعدي على مساحة المؤتمر.

خلال أغلب النصف القرن التالي لإنشاء إسرائيل قام الحزبان في الكونغرس بدعم المعونة المقدمة لإسرائيل ومساندة حكومتها. هناك خلافات حول قضايا بعينها. على سبيل المثال، في 1981، عارض 36 سناتور ديمقراطي من أصل 46 ودعم 42  سنتاور جمهوري من أصل 54 بيع أنظمة الإنذار والتحكم الجوي (AWACS) للسعودية والتي عارضتها أيباك وإسرائيل. لكن ذلك بقي مسألة معزولة ولم تؤد إلى عداء حزبي بسبب إسرائيل.

التغيير الرئيسي الذي حدث من بداية الثمانينيات لبداية الألفينيات هو ميزان القوة بين الجمهوريين والديمقراطيين في مجتمع مجموعات الضغط وفي التأييد داخل الكونغرس لحكومة إسرائيل.

من 1948 إلى بداية 1980، قاد الديمقراطيون الليبراليون منظمات الضغط الأساسية وكان الديمقراطيون هم أنصار الدعم لإسرائيل في الكونغرس. عندما كان هناك خلاف على المعونة لإسرائيل كما كانت حالة (AWACS) أو على خفض المعونة الأجنبية أيضًا كما في 1981، فإن الديمقراطيين كانت لهم الصدارة في الضغط من أجل مصالح إسرائيل. لكن تطوران قد أزاحا الكِفة تجاه الجمهوريين؛ أولهما حدث في السياسة الإسرائيلية: سيطر حزب العمال، الذي كان من الناحية الأيديولوجية أقرب إلى الديمقراطيين، على السياسة الإسرائيلية بين 1949 إلى 1977. من 1977 حتى الآن كان الليكود (في الحقيقة كان الليكود في الحكم لمدة 27 عامًا من الـ 38 الماضية بينما حكم العمل خلالها ثمانية سنوات وحزب وسطي لمدة 3 سنوات). كان الليكود أقرب للجمهوريين في سياسته المحلية والخارجية مما شدد على موقف أقل تسامحًا نحو الفلسطينين وجيران إسرائيل.

 ثانيهما كان في السياسة الأمريكية: في 1980 ربح الجمهوريون البيت الأبيض ومجلس الشيوخ وفي 1994 ربح الجمهوريون أخيرًا البيت الأبيض ومجلس الشيوخ. سيطر الجمهوريون على البيت الذي تقدم بمخصصات للمعونة الأجنبية للسنوات الواحد والعشرين الأخيرة ما عدا أربع أعوام. بما أن سياسة أيباك كانت دائمًا قائمة على الحفاظ على الدعم لحكومة إسرائيل في الكونغرس مما كان يعني في بداية الأمر العمل مع الديمقراطيين، لكن بعد 1980 بدأ ذلك في التغير. بعد 1994 كانت أيباك تتعامل بشكل أساسي مع نظام جديد كليًا. للوصول للقيادات الجديدة في الكونغرس والبيت الأبيض، بدأت أيباك ومؤتمر الرؤساء بتصعيد قيادات كانت أقرب إلى الديمقراطيين ولحزب الليكود في إسرائيل. بدأ ذلك، في 1982، حين اختارت أيباك جمهوريًا كرئيس لها. في 1993، طردت أيباك مديرها التنفيذي، توماس داين، المساعد السابق للسيناتور إدورد كيندي واختارت بدلًا منه في 1995 مرشحًا جمهوريًا هو هاورد كوهر الذي ما زال في مركز القيادة.

أول إشارات الانقسام الحزبي حول إسرائيل بدأت تظهر في 1990 ومع أن الرئيس الأمريكي، بيل كلينوتن، قد رحّب برئيس الوزراء الإسرائيلي، إسحق رابين، ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية، ياسر عرفات، في البيت الأبيض للتوقيع على اتفاقية أوسلو تعاطف الجمهوريون المحافظون مع موقف الليكود المعارض للاتفاقية كما فعلت بعض قيادات أيباك. في 1995، مرر الجمهوريون في الكونغرس قانون سفارة القدس والذي هدد بتقويض المباحثات بين الإسرائيليين والفلسطينيين حول القدس الشرقية بإعلانه القدس عاصمة موحدة.

بعد اغتيال رابين، في نوفمبر 1995، ساند الجمهوريون نتنياهو الذي وظف مستشارًا جمهوريًا لحملته، وهو أرثر فينكلستين، لمساعدته في الحملة في الانتخابات الإسرائيلية في 1996. وقد أخذ كلينتون صف مرشح العمال، شيمون بيريز. قبل شهر من الانتخابات دعى كلينتون بيريز للبيت الأبيض للتوقيع على معاهدة دفاع. ومرة أخرى، في 1999، اختار الحزبان جوانب مختلفة في الانتخابات. سافر مدير حملة كلينتون، في 1992، جيمس كارفيل، والمتخصص في الاستفتاءات، ستانلي جرينبرج، لإسرائيل لمساعدة مشرح حزب العمال، إيهود باراك، على هزيمة نتنياهو الذي طالما اصطدم به نتنياهو.

خلال هذه الفترة، مع ذلك، كان هناك تناقض بين الميل الجمهوري المتنامي في واشنطن والرأي العام. أكبر مساندة عنيدة لإسرائيل كانت ما تزال تأتي من الديمقراطيين اليهود ولكن ذلك بدأ في التغير أيضًا بعد هجوم 11 سبتمبر 2001 الإرهابي. كان بعض الإنجيلين الجمهوريين يشيرون إلى نصوص من الإنجيل في تأييدهم المستمر لإسرائيل ولكن بعد 11 سبتمبر فإن التأييد المسيحي لإسرائيل التصق بمعارضة الإسلام الراديكالي. قام القس الإنجيلي، جون هاجي، في 2006، بإنشاء المسيحين المتحدين من أجل إسرائيل الذي يدّعي الآن أنه يمتلك مليوني عضو. تعاطف هؤلاء الجمهوريين مع حزب الليكود والأحزاب الدينية الأكثر يمينية المعارضة لدولة فلسطينية. وينعكس الميل الجمهوري المتزايد أيضًا في استطلاعات الرأي العام.  في استطلاع أعلنته بيو في العام الماضي فإن 54 بالمئة من الجمهوريين بالمقارنة بـ 15 بالمئة من الديمقراطيين قالوا إن الولايات المتحدة "ليست مساندة بما يكفي" لإسرائيل.

التحالف الجمهوري اليهودي والذي تأسس في الثمانينيات كان نشطًا بشكل أساسي في محاولة كسب الأثرياء اليهود للحزب، وأصبح نشطًا في الترويج لحكومة إسرائيل المحافظة. والتحالف الممول من إمبراطور صالات القمار، شيلدون أدلسون، وهو مؤيّد كبير لنتنياهو، أصبح لاعبًا أساسيًا في الحزب الجمهوري. كما تبنّى جيل من أعضاء مجلس النواب والشيوخ المحافظين الجمهوريين النظرة الإنجيلية الجديدة لإسرائيل. لقد تقدموا بقرارات تسمح لإسرائيل بضم الضفة الغربية وقطع كل المساعدات الأمريكية إلى السلطة الفلسطينية بسبب انضمامها للمحكمة الجنائية الدولية وللضغط على وزارة الخارجية كي تنقل السفارة الأمريكية إلى القدس الموحدة.

في إسرائيل اعتنق نتنياهو الميل الجمهوري في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية. في 2008 جعل رون درمر - المستشار السياسي الجمهوري السابق والذي ساعد في كتابة الوثيقة الجمهورية "العهد مع أمريكا" في 1994 (مجموعة من العروض التي سيقدمها الحزب إذا أصبح في السلطة) – مستشاره الرئيسي ثم في 2013 سفيره للولايات المتحدة. ساعد درمر في ترتيب زيارة للمرشح الجمهوري للرئاسة، ميت رومني، إلى إسرائيل، في صيف 2012، وفي يناير الحالي بادر بخطة دعوة بوهنر لنتنياهو لمخاطبة الكونغرس عشية الانتخابات الإسرائيلية. في دعايته، يفتخر حزب نتنياهو بتحديه لإدارة أوباما. في نفس الوقت، إن الجمهوريين في واشنطن يعدون "بالوقوف إلى جانب إسرائيل" دعا أحد المحللين والمعلقين الجمهوريين البارزين، وليم كريستول، الحاضرين في مؤتمر أيباك لمقاطعة خطب مسؤولي إدارة أوباما.

الديمقراطيون من جانبهم لم يعودوا يؤيدون إسرائيل بدون شرط. أسس جيرمي بن-آمي، المساعد السابق لكلينتون، جي ستريت، في 2008، كثقل معادل لأيباك في واشنطن، وهي تعلن عن نفسها على أنها "بيت الأمريكين المؤيدين لإسرائيل والسلام". بينما تحركت إدارة أوباما إلى المعارضة الواضحة لحكومة نتنياهو تحركت جي ستريت معها. وبعد انهيار محادثات السلام في الربيع الماضي، دعت المنظمة إلى إقصاء نتنياهو ودعت نتنياهو لإلغاء زيارته للولايات المتحدة. في الماضي كانت أيباك قادرة على هزيمة منافسين مشابهين مثل بريرا والأجندة اليهودية الجديدة ولكن جي ستريت باقية وتنمو ولها الآن مؤيدين في ديمقراطي كابيتول هيل.

ميزانية جي ستريت تتقزّم بجوار ميزانية أيباك لكن المنظمة الجديدة لها تأييد متزايد بين الديمقراطيين والديمقراطيين اليهود. في استطلاع لجالوب قال 83 بالمئة من الجمهوريين مقارنة بـ 48 بالمئة فقط من الديمقراطيين إنهم يتعاطفون مع الإسرائيلين أكثر من الفلسطينيين. ووجد استطلاع لبيو بين اليهود الأمريكين أن 44 بالمئة و17 بالمئة على التوالي يعتقدون أن استمرار بناء المستوطنات "يؤذي" أمن إسرائيل بدلًا من أن "يساعدها".

في الكونغرس لا يزال هناك دعم من الحزبين للمساعدات الأجنبية لإسرائيل. في الصيف الماضي مرر مجلس النواب قانونًا بأغلبية 395 عضو يعطي إسرائيل 225 مليار دولار من المساعدات العسكرية لإصلاح نظام صواريخ القبة الحديدة بعد الحرب الوحشية في غزة. وقد مرر مجلس الشيوخ القانون بالإجماع. ولكن الإجماع الحزبي تحطم في المفاوضات التي تقوم بها الولايات المتحدة بمصاحبة بريطانيا العظمى وفرنسا وألمانيا والصين وروسيا مع إيران. في نوفمبر 2013 وصلت الدول إلى اتفاق انتقالي يضع شروطًا للاتفاق الأخير. إذا تم التوصل لاتفاق أخير فلن يكون خاضعًا لتصديق الكونغرس. ومع أن أوباما يعتقد أنه يستطيع تعليق عقوبات إيران دون موافقة الكونغرس إلا أنه لا يستطيع أن ينهيها بدون دعم من الكونغرس.

عارضت حكومة نتنياهو الصفقة الانتقالية التي عقدتها القوى مع إيران لأنها لم تعرض التفكيك الكامل لمنشئات إيران النووية بما في ذلك قدرتها على إنتاج الطاقة المدنية. في خريف 2013 ضغطت أيباك من أجل قانون يفرض على إيران الخضوع لشروط إسرائيل الصارمة والتي كانت ستستدعي أن "تقف (الولايات المتحدة) مع إسرائيل" إذا قررت إسرائيل مهاجمة إيران. وقد حصل مشروع القانون الذي رعاه الجمهوري مارك كيرك والديمقراطي روبرت منديز على دعم 43 جمهوري من أصل 45 ولكن فقط 16 من أصل 55 من التجمع الديمقراطي. عارضت جي ستريت المشروع أيضًا وعندما هدد أوباما باستخدام حق الفيتو ضد المشروع إذا وصل إلى مكتبه في خطابه للأمة انسحب عدد إضافي من الديمقراطيين من ضمنهم منديز. قال رئيس الأغلبية في مجلس الشيوخ إنه لن يقدم المشروع للتصويت.

في يناير الحالي، ومع اقتراب المفاوضات من نهايتها في الموعد النهائي 24 مارس، حدثت نفس الدراما مرة أخرى. أقام كيرك ومنديز مشروعًا يهدد بعقوبات جديدة إذا لم تأت المفاوضات بثمارها في الموعد النهائي. لكن منديز وتسعة ديمقراطيين بارزين آخرين أرسلوا خطابًا يعارض التصويت على المشروع حتى نهاية مارس على الأقل. ومع ذلك فإذا تم التوصل لاتفاق مع إيران فالديمقراطيين على استعداد لخوض المعركة. قدّم السيناتور بوب كوكر، الرئيس الجمهوري الجديد للجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس، مشروع قانون يستدعي أن يقدم أوباما الاتفاقية لموافقة مجلس الشيوخ وأن يؤجل أي تعليق للعقوبات حتى 60 يومًا. وقد هدد أوباما باستخدام حق الفيتو على هذا القرار أيضًا.

بعض من التأييد الديمقراطي في الكونغرس للمفاوضات مع إيران يأتي في الأغلب من الولاء للرئيس. قرار منديز بتأجيل التصويت كان ينبع من احترام لأوباما. ولكن جميع الولاءات لا يمكن أن تفسر رفض 70 بالمئة من أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين لمساندة مشروع عقوبات في يناير 2014 ضغطت أيباك بشدة من أجله وانعكس ذلك في موقف كانت الحكومة الإسرائيلية قد أيّدته طويلًا بشكل مستمر وصاخب. لا توجد مقارنة بين معارضة إسرائيل لصفقة (AWACS) التي كانت قصيرة الأمد ومعارضتها الصارمة والقديمة لاتفاقية نووية مع إيران.

في كلمتها أمام مؤتمر أيباك قالت السفيرة الأمريكية، سمانثا باور، "نحن نعتقد بشدة... أن الشراكة الأمريكية الإسرائيلية تتجاوز السياسة وستظل هكذا دائمًا". لكن مع المشاجرة على زيارة نتنياهو والمعركة المستمرة حول مفاوضات إيران فإن عهد المساندة الفورية من الحزبين لحكومة إسرائيل تقترب من نهايتها ومعها ربما العلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة وإسرائيل. إن المساندة من الحزبين تنتهي أيضًا على وتيرة غريبة منذ أن أصبح الديمقراطيون الذين كانوا أقوى مساندي الحكومة الإسرائيلية منتقدين لها بينما أصبح الجمهوريون أكثر مؤيديها حماسًا على ظهر الحميّة الإنجيلية.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب