الصحوة السنية العراقية: كيف تهزم داعش وتنقذ البلاد

مقال رأي

بدأت بغداد، في مطلع شهر مارس، في الدفع من أجل استعادة مدينة تكريت التاريخية التي تقع في مركز ما يُسمى بالمثلث السني من الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش). وليست هذه سوى هجمة أولى حرجة في ما سيصبح حملةً أكبر لانتزاع السيطرة على قلب المناطق السنية - الأنبار ومقاطعات نينوي القريبة - من أيادي داعش. لا بُدَّ أن بعض الأمريكين يشعرون بموضات من الذاكرة، إذ حاولت القوات المسلحة الأمريكية أن تفعل شيئًا مثيلًا كجزء من الصحوة العربية السنية 2006-2007. وتم وقتها، مثلما هو الوضع الآن، الدمج بين عمليات مكافحة الإرهاب ومجهودات تعمل على كسب قلوب السنة وعقولهم مما تطلب عملًا قاسيًا ودوريًا لتقديم الضمانات الصحيحة والحوافز لدفع قادة مناطق القبائل السنية الأساسيين بعيدًا عن الإرهابيين.

سيكون من الحمق أن نتصور، مع ذلك، أن المشهد السني القبلي بقي دون تغير منذ ساعدت الولايات المتحدة على تمكين أبناء العراق من الوقوف أمام خليفة القاعدة، داعش. لا وجود لحل سريع لمشكلة داعش في العراق، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار التغيرات الحقيقية على الأرض في السنوات القليلة السابقة. قد تكون  المعركة من أجل تكريت دفقة أولى، إلا أنه يجب على القوات الحكومية العراقية ألا تتسرع تحت نشوة النصر هناك للذهاب إلى الموصل التي تبدو أنها خطوتهم التالية في الحملة. قد تكون هزيمة داعش في الموصل الضربة القاضية لخلافة المجموعة المسلحة المتوهمة، إلا أن حملة الموصل يجب أن تنتظر حتى تحرز بغداد تقدمًا أكبر في تمهيد الأرض مع القيادات السنية المحلية.

صحوة 2.0

تواجه الحكومة العراقية المركزية أفقًا أسوء ورياح معاكسة أقوى من تلك التي واجهتها القوات المسلحة للولايات المتحدة خلال الصحوة العربية السنية.

أولًا، إن "أبناء العراق" السابقين قد خسروا الكثير من جاذبيتهم داخل مجتمعاتهم وقد فقدوا مصداقيتهم بارتباطهم بحكومة القائد العراقي السابق، نوري المالكي، وحكمه القمعي في المناطق السنية. ما يزال الشيوخ البارزين من القبائل العراقية، بما في ذلك أحمد أبو ريشة، وحامد الحايس، ووسام الحردان، ينظمون أنفسهم تحت راية "الصحوة". لكن لأن هؤلاء القادة السنيين أقل مصداقية من غيرهم داخل مجتمعاتهم؛ فإن شجبهم داعش الآن يمكن جدًا أن يكون غير ناجح في حشد الجمهور.

لذا فمن المدهش أن الحكومة المركزية العراقية، بدفع من التحالف ضد داعش، تغازل نفس هؤلاء الزعماء كي يشكلوا العمود الفقري لأول حرس وطني عراقي - خطة رئيس الوزراء، حيدر العبادي، لحشد 50000 قلبيّ سنيّ للخدمة في بديل أمني يقوده السنة في المنطقة. سيخدم هؤلاء المقاتلين السنة تحت سلطة وقيادة المحافظين الذين سترأسهم بغداد مباشرة. سيعملون، باختصار، كفرع محلي لقوات الأمن العراقية. تمسك صناع القرار السياسي في واشنطن، وهم على دراية تامة بنموذج الحرس الوطني الأمريكي، بهذه الفكرة. من المحوري أن القادة العراقيين والأمريكيين الساعين إلى إرسال مثل هؤلاء الممثلين إلى أرض المعركة يحددون أن تركيبة القوات ستعمل على التأثير بما في ذلك أي سنة سيشاركوا. ستفشل القوة إذا كانت مكوّنة من قادة سنة ضعفاء لا مصداقية لهم في مجتمعاتهم.

يمكن للولايات المتحدة والتحالف أن يساعدا الحكومة العراقية في أن تحديد قادة سنة أكثر قدرة على حشد شعبهم ضد داعش. وهذا سيعني أن بغداد يجب عليها أن توافق على إبعاد القادة المحليين الذين خدموا في القوات المسلحة العراقية تحت حكم صدام حسين. هناك بعض الأفراد الذين كانوا جنودًا مهنيين في ذلك الوقت وليسوا أعضاء مركزيين في نظام البعث، لكن قام المسؤولون العراقيون بوضعهم في القوائم السوداء كحلفاء غير مرغوب بهم في الحرب ضد داعش. ويتضمن الحلفاء السنة المحتملين رجال دين ونشطاء سياسيين محافظين لكنهم غير مؤيدين لإيديولوجيا داعش السلفية العنيفة.

يجب على الحكومة العراقية، باختصار، أن تكون مبدعة في بحثها عن جيل جديد من الشركاء السنة العراقيين وهي تشرك هذه المنطقة التي كانت مهمّشة عبر السنين من قِبل الصفوة من شيعة (وسنة) بغداد. إن اختبار صلاحية المرشح للشراكة مع بغداد يجب أن يتمركز حول الموقف السياسي للقادة السنة: من يقبلون مفهوم التعددية والعراق الموحّد جغرافيًا ويشجبون العنف يجب أن يتم اعتبارهم حلفاء في العمل على إعادة وصل قلب المنطقة السنية مع باقي العراق. سيتطلب إقناع هؤلاء القادة برفض الجهاديين ووضع ثقتهم في الحكومة المركزية حوافز مادية ملموسية في قضايا مثل المشاركة في الدخل الفيدرالي والتزام أكبر بحماية حقوق للسنة المحليين وفرص اجتماعية واقتصادية جديدة في المنطقة.

التمرُّد

يجب على أي مجهود لصنع " إعادة صحوة" أن يأخذ في الاعتبار أيضًا الظروف المحيطة بالتمرد المسلح السني العراقي، 2011-2013، للدفاع عن الأنبار ضد العنف الزائد من قِبل قوات الأمن العراقية. خرج متظاهرون سلميون، في العام 2011، إلى الشوارع في أنحاء الأنبار منتقدين حكومة المالكي بسبب تهميش المجتمعات السنية اقتصاديًا وسياسيًا. سريعًا ما تحولت تلك المظاهرات غير الضارة إلى انتفاضة مسلحة وسريعًا ما استغلتها داعش. بينما تتقدم داعش داخل الأنبار، في يونيو 2014، نسي الكثيرون الدراما الكامنة، ولمدة سنة حارب العراقيون عراقيين آخرين وهاجمت قوات الأمن العراقية مناطق مزدحمة بالسكان مثل الرمادي والفلوجة مدمّرة مناطق مدنية ومتسببة في تشريد مئات الآلاف من الناس.

هذا هو السبب في وجوب أن يتضمن العرض الحديث لتجنيد المزيد من السنة ضمانات من بغداد حول حكم القانون وإصلاح قطاع الأمن. يمكن أن تساعد هكذا إجراءات في هذه المناطق في طمئنة المجتمع السني أن انتهاكات حقوق الإنسان في عهد المالكي، والتي كان السنة ضحيتها، لن تتكرر تحت في ظل حكومة العبّادي الحالية والحكومات المستقبلية في بغداد.

الدورة الحالية من العنف، والتي تتحمل بغداد الكثير من مسؤوليتها، هي أيضًا سبب في أن مجهودات تجنيد السنة في قوات الأمن العراقية لمحاربة داعش مسألة طموحة ستستغرق وقتًا طويلًا. حتى أكثر التقديرات تفاؤلًا عن عدد السنة الذين سجلوا للحصول على تدريب من قِبل قوات التحالف للقتال مع قوات الأمن العراقية أقل من ألف مقاتل. (وبالمثل فإن فكرة أنه يمكن أن تجد 50000 سني يتم فرزهم للحرس الوطني في وقت قصير للخدمة في منطقة الأنبار هي فكرة طموحة). لا يثق السنة في قوات الأمن العراقية - وسيبقى ذلك مدة طويلة.

يجب على قادة الولايات المتحدة والتحالف من من يأملون في الاحتفاظ بقدرات قوات الأمن العراقية وتحسينها، يجب عليهم أن يستمروا في تجنيد السنة لبناء قوات متعددة الطوائف. حتى ولو كان مثل هذا التجنيد صعبًا فإن صفوف قوات الأمن العراقية، بما في ذلك الوحدات الأربع التي يتم تكوينها وتدريبها الآن من قِبل التحالف، ستفشل  في قدرتها على الدفاع عن عراق موحد ومتعدد الطوائف إذا اعتمدت على الشيعة بشكل كبير.

التدخل الإيراني

التحرك الثالث في السياسة العراقية هو نتيجة للثاني. تحت حكم المالكي نمى التأثير الإيراني وكذلك التواجد الإيراني الفعلي في العراق في صورة قوات الحرس الثوري الإيراني (IRGC) وقوات القدس. يقع اليوم يقع عبء نجاح تدريب قوات الدفاع الوطني، بما في ذلك اقتراح الحرس الوطني، على ما إن كان قادة السنة العراقيين في الأنبار والمقاطعات المجاورة مستعدين لتصور أن بغداد مستعدة للعمل بشكل مستقل عن طهران. قد يتحمل قادة السنة العراقيين داعش إذا تم تصويرها على أنها الشر الأقل بالمقارنة بالحكومة التي يتم اعتبارها دمية تحركها طهران وإن كانت قوات الأمن العراقية تعتبر مرتبطة بشكل لا ينفصم بالمليشيات الشيعية المدعومة من إيران. مع أن العبادي يأتي من نفس الحزب السري الموالي لإيران، حزب الدعوة، الذي يأتي منه المالكي إلا أنه يبدو أكثر استعدادًا من سلفه لقيادة حكومة وطنية متعددة الطوائف تمثل جيمع العراقيين. أعطى رجل الدين العراقي البارز، آية الله علي السيستاني، العبادي غطاءً حين اقترح أن الشيعة العراقيين عرب وأن العراق ستشق طريقها بنفسها.

إن تقدم داعش في العراق، في العام 2014، مع ذلك، ساعد في تبرير تواجد  - وبالتالي تمكين - قوات الحرس الثوري الإيراني وقوات القدس. منذ ذلك الوقت أصبحت تلك القوات أكثر اشتباكًا في عمليات القتال ضد الجهاديين العراقيين كما برز دورهم المحوري في القتال بجانب قوات الأمن العراقية. ومن ثم يظهر في عيون السنة أن هناك تناقضًا في سياسة بغداد: مع أن العبادي يبدو مخلصًا في رغبته في التحرر من إيران بينما يعيد بناء ثقافة عراقية سياسية منفتحة على السنة والأكراد وغيرهم؛ فإنه على المستوى العملي أصبحت الميليشيات الشيعية العاملة في العراق أقوى.

إذا كانت النخبة السياسية الشيعية في بغداد تصدق حقًا أن الشركاء السنة السياسين ضرورين لتحقيق سلام طويل الأمد ومستدام في العراق، فإن عليهم الابتعاد عن إيران في الأقوال والأفعال. كما يجب عليهم كبح لجام المليشيات الشيعية التي درّبتها إيران إمّا بوقف تفعيلها أو بضمها إلى قوات الأمن العراقية وإخضاع مقاتليها إلى هيكل القيادة العامة.

مثال الولايات المتحدة

قدمت الولايات المتحدة والزعماء العراقيون، في 2006-2007، المزيج الصحيح من المساندة والدعم بينما قرر القادة السنة أن ينضموا رسميًا إلى القتال ضد الجهاديين كجزء من الصحوة. أمّا الآن فالقتال ضد داعش في العراق مسألة محلية – يديرها العرقيون في بغداد مع دعم من التحالف الدولي، أصدقاء قادرين على التعبير عن آرائهم لكنهم في النهاية لا يحتلون البلاد. سيعتمد النجاح، بالتالي، على استعداد السنة في الأنبار والمقاطعات المجاورة إلى أخذ قرارات شجاعة واستعداد العبادي وحكومته إلى التأكيد لهؤلاء السكان أنهم لن يتم تهميشم أو ظلمهم من قِبل قوات الأمن مرة أخرى.

مع أن مسؤولية إشراك السنة ستقع بشكل أساسي على عاتق بغداد، فإن الأمر المحوري سيكون كيف تمارس الولايات المتحدة ضغطها. إن دورها الصحيح هو أن تمارس الضغط القوي والثابت على حكومة العبادي لتوضيح فكرة أن مستقبل العراق يعتمد على التضمين السياسي النشط لسكانها السنة. إن اللحظة المثلى لتقبل الضغط الأمريكي هي الآن أو لنكن أكثر تحديدًا كانت في الخريف الماضي عندما بدأت الولايات المتحدة في إطلاق طائرات دفاعية في المجال الجوي العراقي لاستهداف داعش. وإذ تستمر الولايات المتحدة في منح مساندة حرجة في المعركة ضد داعش، يقوم الدبلوماسيون العراقيون بحشد التحالف الدولي لمساندة بغداد بمعونة مالية وبتأمين التدريب الأمني، فعلى صناع القرار الأمريكين أن يدركوا اللحظة.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب