الصراع بين إسرائيل وحزب الله يأخذ منعطفا خطيرا

مقال رأي

 

في 18 يناير 2015، أدى هجوم صاروخي اسرائيلي في القنيطرة (ضمن الجزء الذي تسيطر عليه سوريا من هضبة الجولان) إلى وفاة عددٍ من عناصر حزب الله، بما في ذلك مقاتل يدعى جهاد مغنية.

وبعد أسبوعين تقريبا، في تقرير مسرب نشرته واشنطن بوست، عرف العالم أيضا أن عماد مغنية (والد جهاد وناشط بارز في حزب الله) قد اغتيل في فبراير 2008 نتاج جهود مشتركة من وكالة الاستخبارات المركزية والموساد.

هنا يتساءل المرء، لماذا الآن تخرج تلك المعلومات المفصلة عن اللاعبين وراء موت عماد مغنية في سيارة ملغمة عام 2008 إلى الضوء؟

لفهم الرسالة التي حملها هذا التسريب، من المهم النظر في الأحداث التي وقعت في أعقاب مقتل جهاد مغنية في يناير. بعد الهجوم الإسرائيلي، انتظر العالم بقلق الانتقام الذي كان يعرف الجميع أن حزب الله سوف يشعر أنه مجبر على القيام به.

في نهاية المطاف، جاء الرد على هيئة هجوم طفيف في منطقة مزارع شبعا المتنازع عليها، مما أدى إلى مقتل اثنين من الجنود الإسرائيليين. ورد الجيش الاسرائيلي بقصف مزارع شبعا، مما أسفر عن مقتل احد جنود حفظ السلام الاسبان. بعد ذلك، خفتت محاولات التصعيد؛ فقد أكد حزب الله - المتورط بالفعل بشكل عميق في الأزمة السورية- من خلال قنوات خلفية أنه لن يصعد الأمر أكثر من ذلك مع إسرائيل.

إلا أنه بالنسبة لأطراف معينة على جانبي النزاع، لم يكن هذا كافيا. على جانب حزب الله، يعتقد العديد من المؤيدين أن جرأة الهجوم الإسرائيلي وأهمية جهاد مغنية كشخصية أيقونية كانت تحتم انتقام أكثر جدية.

في 30 يناير، ظهر حسن نصر الله، الأمين العام لحزب الله، في خطابٍ لمناقشة تلك القضايا. شدد على قوة حزب الله وقطع وعودا غامضة حول انتقام مستقبليٍ. وبعد حفل تكريم "شهداء" عملية القنيطرة، قال بيانا مقتضبا، أعلن فيه أن حزب الله لديه الآن "حق الرد في أي مكان وفي أي وقت، وبالطريقة التي نراها مناسبة."

دمج بيان نصر الله على الأرجح الكثير من المواقف السياسية. إلا أنه من المهم أنه بهذه الجملة فقط محى نصر الله ما يسمى بـ "قواعد اللعبة" التي حاولت منظمته فرضها طوال العقدين الماضيين. بموجب هذه قواعد الاشتباك غير المكتوبة هذه، فإن عناصر حزب الله لن تسعى لدخول الأراضي الإسرائيلية أو إجراء العديد من العمليات الدولية. في المقابل، لن تطلق اسرائيل النار على المدنيين في لبنان. وقد ظهرت قواعد الاشتباك هذه في عام 1996، في أعقاب عملية عناقيد الغضب، وهو تمرين متشائم أطلقه رئيس الوزراء الاسرائيلي شيمون بيريز كوسيلة لحشد الدعم الصهيوني خلال الحملة الانتخابية في تلك السنة.

انتهت عملية عناقيد الغضب أخيرا بعد مجزرة قانا، التي راح ضحيتها أكثر من مائة من اللاجئين المدنيين في مجمعٍ للامم المتحدة، جراء ما قيل أنه قصفٌ إسرائيلي. أدى الغضب الدولي ضد هذه الأحداث إلى وقف إطلاق النار الذي احتفظت فيه كلا من إسرائيل وحزب الله على حد سواء بحقهما في الدفاع عن النفس، لكنهما تعهدا بالحد من نطاق عملياتهما.

وبعد الانسحاب الإسرائيلي من لبنان عام 2000، أصبحت المنطقة الحدودية المتنازع عليها – والتي تبلغ مسحتها 15 ميلا مربعا  وتعرف باسم مزارع شبعا-  هو التركيز الرئيسي للنزاعات بين حزب الله وإسرائيل. حتى عند القيام بأعمال استفزازية، مثل اختطاف الجنود الإسرائيليين في عامي 2000 و 2006 لأغراض مبادلة السجناء، كان حزب الله حريصا على أن تواكب تصرفاته خطاب بعدم التصعيد والاشتباك المحدود. لم يكن هذا النهج ناجحا دائما – على سبيل المثال، استخدمت إسرائيل اختطاف جنديين عام 2006 كذريعة لشن حرب واسعة النطاق، حيث قُتل أكثر من ألف مدنيٍ لبناني (ولكم لم يتغير الكثير في الوضع القائم).

إلا أنه منذ عام 2006، ظلت "قواعد اللعبة" قائمة إلى حد كبير. خلال هذا الوقت، ظلت الحدود اللبنانية الإسرائيلية هادئة نسبيا، بخلاف بضع مناوشاتٍ فقط هنا وهناك تشوب استقرار وقف إطلاق النار. يبدو أن نفوذ حزب الله في العالم العربي والإسلامي ينخفض ببطء، وكانت المنظمة مشغولة بشن معركة على الجبهة الداخلية في محاولةٍ لتجنب نزع السلاح ومصادرة أسلحتها.

لذلك أثار دهشة البعض عالميا عندما قررت اسرائيل – خلال تحضيرها لدورة انتخابية أخرى- إشعال الأحقاد القديمة وإعادة تصعيد الصراع وربما إعادة التأكيد على أهمية حزب الله في نظر أنصاره كنتيجةٍ محتملة. يمكن القول إن العملية الاسرائيلية في يناير 2015 كانت أيضا خارج قواعد الاشتباك القائمة ، حيث أنها حدثت في الجزء السوري من هضبة الجولان، وليس في الأراضي الإسرائيلية المحتلة أو في منطقة مزارع شبعا المتنازع عليها.

ونتيجة لذلك، أصبح لدينا الآن حزب الله غير مستقر يتعهد بأن التزامه طويل الأمد باشتباك محدود في الشرق الأوسط لم يعد صالحا. لكن تداعيات قرار نصر الله بتوسيع الصراع رسميا إلى أبعد من المنطقة اللبنانية المتنازع عليها لا تزال مجهولة.

ومع ذلك، يبدو أن المنظمة بدأت في تقبل وضعها على"القوائم الإرهابية" من بلدان متعددة، بما في ذلك الولايات المتحدة وكندا والاتحاد الأوروبي ونيوزيلندا. قرار الاتحاد الأوروبي بإدراج حزب الله كمنظمة إرهابية في عام 2013 (بعد أكثر من ثلاثة عقود من المقاومة الأوروبية للفكرة) قد ساهم على الأرجح في هذا الوضع.

وبعد أن كيف نفسه على إدراجه في تلك القوائم، يعتقد العديد من المحللين أن حزب الله قد يبدأ باستهداف الأهداف والمواطنين الإسرائيليين في جميع أنحاء العالم، كما تم اتهامها بفعل ذلك عام 1994 في الأرجنتين، قبل قبوله "بقواعد الاشتباك". علاوة على ذلك، يبدو أن هناك بعض الأدلة أن حزب الله بدأ في السنوات الأخيرة يضع عينيه على مسرح عمليات ذو طابع عالمي أكثر.

من جانبهم، يبدو أن الولايات المتحدة وإسرائيل لا تفعلان سوى القليل جدا للحد من هذه التطورات أو للتخفيف من نطاق الصراع. يمكن أن يُنظر إلى التقرير المسرب في صحيفة واشنطن بوست حول الاغتيال الذي قامت به وكالة الاستخبارات المركزية / الموساد عام 2008 على أنه رد ضمني (وسريع) على تهديدات نصر الله: انه ينقل رسالة مفادها أنه " لن يجد الأشخاص التابعين لكم أيضا مكانا آمنا. يمكننا أن نصل إلى عملائكم الأشد حرصا والأقل شهرة، أينما كانوا، ولطالما فعلنا ذلك لسنوات."

في أعقاب هذه التصعيدات والتهديدات والكشوفات المتبادلة، قد يشك المرء أن الردع كان حقا الدافع وراء التسريب. على المرء أن يتساءل ما إذا كان هذا سيضعف التوترات المتفاقمة، أو بدلا من ذلك سيزيد من تفاقم رغبة حزب الله في الانتقام.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب