الصليب والسيف

مقال رأي

 

يقع مركز توظيف المتطوعين في حرب دميترو كورتشينسكي المقدسة في الطابق السفلي من مبنى في وسط كييف، على شارع تشاباييف، في مكان كان يشغله نادي بلياردو. يمكن لأي شخص الاشتراك، والموقع ليس سريا - عنوانه ورقم هاتفه موجود على شبكة الإنترنت.

في داخله، يقبع على طاولات البلياردو لُعب على شكل بنادق كلاشينكوف، والتي يمكن للمتطوعين استخدامها لاطلاق النار على اهداف على الحائط. خلف البار، لا تصطف زجاجات الخمور على الرفوف، بل قنابل المولوتوف التي خلفتها الاحتجاجات العنيفة التي أطاحت بالحكومة منذ عام؛ قد تكون القنابل الحارقة مفيدة في المرحلة المقبلة من الاضطرابات في أوكرانيا.

إلى جانب كونه مركز تجنيد، يخدم نادي البلياردو السابق أيضا كمقر منظمة كورتشينسكي السياسية: "براتستوف" (ما يعني بالإنجليزية "جماعة الإخوان"). وجدت كورتشينسكي في غرفة جانبية مفروشة بطاولة بلياردو كبيرة وأريكة بالية من الجلد وكراسي وبيانو. يقبع على البيانو النوتة الموسيقية لمسيرة جنازة شوبين، وإلى جانبها كلمات النشيد الوطني الألماني، والذي يبدأ أول بيت فيه

بـ"دوتشلاند دوتشلاند أوبر آلي"، والذي يعود إلى الحقبة النازية. ربما يكون اختيار الأغنية غير موفق خصوصا لشخصية سياسية توصف كثيرا بأنها متطرفة وقومية متعصبة وفاشية.

 

 

 

 

 

 

لا يتظاهر كورتشينسكي أنه معتدل، لكنه ليس معجبا بأسوأ الألقاب التي تُستخدم ضد قواته.

"لسنا نازيين"، يقول لي. "نحن وطنيون وقوميون."

يقارب كورتشينسكي صورة كاريكاتورية للقومية الأوكرانية التي تكره الروسية. شعره الفضي يتناقض مع شاربه الكثيف المظلم المصفوف لأسفل على الأطراف على طريقة القوزاق. كتيبة سانت ماري، هي واحدة من أكثر من عشر جماعات خاصة تقاتل إلى جانب الجيش الأوكراني ضد الانفصاليين المدعومين من روسيا في شرق أوكرانيا، وهي صنيعة كورتشينسكي. كما أنها واحدة من تشكيلات المتطوعين الأكثر غرابة بين القوات المتشرذمة التي تقاتل الانفصاليين، وتتبنى أيديولوجية نجحت في خلط الخلاص المسيحي بالجهادية الإسلامية.

الخيط الديني ليس مستغربا تماما - فكورتشينسكي ورجاله مسيحيون أرثوذكس متدينون. تعلّم كورتشينسكي في التسعينات الاستفادة من الخلط بين الدين والسياسة عندما حارب في منطقة القوقاز جنبا إلى جنب مع المسلمين، الذين كانوا يحاربون روسيا من أجل الاستقلال.

يشير كورتشينسكي بالاستحسان إلى لبنان. هناك، يشارك حزب الله في الحكومة كحزب سياسي، في حين يشن جناحه شبه العسكري حربا مستقلة عن الدولة (ولذلك تعتبره الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي منظمة إرهابية).

يعتقد كورتشينسكي أن هذا النوع من الهيكل المزدوج سيكون مفيدا بالنسبة لأوكرانيا. يرى نفسه رئيسا لـ"مجتمع ثوري" غير رسمي يمكنه تنفيذ "المهام ذات الدرجة الأعلى" التي تخرج عن السيطرة الرسمية للحكومة.

هذه هي النظرية. عمليا، يريد كورتشينسكي أن تكون الحرب في شرق أوكرانيا حربا دينية. في رأيه، لابد من الاستفادة من الوضع: الكثير من الأوكرانيين غير راضين عن الحكومة الجديدة ومؤسساتها المكسورة والفساد المستشري. هذا لا يمكن حله إلا من خلال خلق نخبة وطنية تتألف من أناس عازمين على شن نوع من الجهاد الأوكراني ضد الروس، يعتقد كورتشينسكي.

"نحن بحاجة لخلق شيء مثل طالبان مسيحية"، قال لي. "ليس للدولة الأوكرانية فرصة في حرب مع روسيا، ولكن حركة طالبان المسيحية تستطيع أن تنجح، مثلما تقوم طالبان بإخراج الأميركيين من أفغانستان."

بالنسبة لكورتشينسكي وكتيبة سانت ماري، الشيطان الأكبر هو روسيا.

وُلد كورتشينسكي لمحاربة روسيا

هو سليل عائلة بولندية نبيلة قاتلت، في أواخر القرن الـ18، في انتفاضة كوسيوسكو، والتي كانت محاولة محكوما عليها بالفشل في تحرير بولندا من الإمبراطورية الروسية. انهزم البولنديون، وانتقلت عائلة كورتشينسكي إلى ما كان يسمى كريسي أو الأراضي الحدودية، في ما يعرف اليوم بأوكرانيا. كأوكراني، يستكمل كورتشينسكي حرب عائلته ضد الإمبراطورية الروسية.

في بدايات التسعينات، كان واحدا من مؤسسي وقادة منظمة قومية يمينية تسمى اسما غريبا إلى حد ما: الجمعية الوطنية الأوكرانية-دفاع الشعب الأوكراني عن النفس. عندما اندلعت انتفاضة في أواخر عام 2013 ضد رئيس أوكرانيا الفاسد، انضم كورتشوينسكي فورا للمعركة، والتي تمركزت في الساحة الرئيسية في كييف، والمعروفة بالميدان.

يوم 1 ديسمبر 2013، قاد كورتشينسكي وحدته شبه العسكرية، التي شكلت حديثا تحت اسم مائة يسوع المسيح، بينما هي تقتحم مباني الرئاسة الإدارية. التقطت له صور على الجرافة حين كان المتظاهرون يحاولون اختراق طوق الشرطة حول شارع بانكوفسكايا.

كورتشينسكي ومقاتلوه ليسوا مدعومين من الجميع. فقد حاول زعماء المعارضة إيقافهم، بمن فيهم فيتالي كليتشكو، الذي يشغل الآن منصب رئيس بلدية كييف. وسط المشاجرة، صاح مندسون حول كورتشينسكي بأنه كان يحاول إثارة العنف. في ذلك الوقت، كانت تجري شائعات بأنه كان عميلا روسيا في محاولة لخلق ذريعة لقمعه.

وكان رد كورتشينسكي: "في أوكرانيا، يمكنك أن تقول أربعة أشياء عن أي شخص معروف بدرجة أو بأخرى: أنه عميل لموسكو، وأنه مثلي الجنس، وأنه يهودي، وأنه لص."

في مارس من عام 2014، ضمت روسيا شبه جزيرة القرم، وتعب كورتشينسكي مما اعتبره سلبية الحكومة الجديدة في كييف. وفي سبتمبر، شكل كورتشينسكي كتيبة تتكون من مقاتلين من مائة يسوع المسيح لتتولى الدفاع عن ماريوبول - مدينة ماري - ولذلك أطلق على الكتيبة اسم سانت ماري تكريما للمدينة.

التقيت اليوم مع كورتشينسكي في مقره في كييف، وكان المجندون يجلسون على كراسي البار العالية يملأون الأوراق ويجمعون الوثائق اللازمة للتسجيل مع وزارة الشؤون الداخلية. (من الناحية النظرية، تقع كتائب المتطوعين تحت سيطرة الوزارة، لكنها تعمل بشكل مستقل). أعضاء براتستفو يقومون بتسجيل هؤلاء المجندين ومساعدتهم في ملء الأوراق الخاصة بهم، ومن ثم إرسالها إلى قاعدة في ماريوبول، وهي مدينة في جنوب شرق أوكرانيا. هناك يحصلون على بضعة أسابيع على الأكثر من التدريب العسكري.

يتوق المتطوعون الذين يأتون إلى قاعة البلياردو للمعركة، وبعضهم يأتي بحقائب الظهر، مرتدين زيا عسكريا محاكا في المنزل. إنهم هنا لملء استمارات التجنيد للكتيبة.

المجندون شباب، تتراوح أعمار معظمهم بين 18 و25 سنة. لم يخدم منهم في الجيش النظامي سوى عدد قليل. الكثير منهم لم يحمل بندقية قبل ذلك. بعضهم لا يحمل الوثائق الطبية اللازمة للتجنيد الرسمي في الكتيبة، ولكن هذه ليست مشكلة، لأن زوجة كورتشينسكي عضو في البرلمان الأوكراني، ومسؤولة في نفس الوقت عن الرعاية الطبية في قطاع الحرب "م" وهي منطقة داخل وحول ماريوبول.

بمجرد تجنيدهم، يتم إرسال المتطوعين إلى قاعدة الكتيبة في ماريوبول، التي تقع على ساحل بحر آزوف، على بعد 500 ميل تقريبا من كييف. قاعدة الكتيبة هناك تقع في سلسلة حظائر ومبان ترجع للحقبة السوفيتية. فوق القاعدة يرفرف علم عليه صورة المسيح. في القاعة الرئيسية، التي كان يشغلها نادي يخوت محلي، أعد متطوعوا الكتيبة مُصلّى. الصلبان والرموز على الجدار - والرمز الأكثر أهمية يصور مريم العذراء، رسمته زوجة أحد المتطوعين الذين سقطوا. الإخوة، كما يطلق المقاتلون على أنفسهم، يتلون الصلوات الربانية حتى خلال جلسات التعليمات العسكرية. في الصلاة، ينضم القائد إلى صفوف الجنود، للدلالة على أنه لا أحد يقف بينهم وبين الله.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

غلاف كتيب معلومات خاص بالإخوان (الصورة لمارسين مأمون)

توجد نسخ من كتاب "كاتشيزم [أي أسئلة وأجوبة عن العقيدة المسيحية] للإخوان"، والذي يعتبر نوعا من الدليل الإيديولوجي والديني للكتيبة، في كل مكان في القاعدة - في المكاتب وفي غرف نوم المقاتلين وفي غرفة الطعام. لكن غلافه هو الأكثر لفتا للنظر. فهو يصور امرأة شابة في الزي العسكري، تحجب وجهها مثل المقاتلة الجهادية. تحمل في يدها اليسرى بندقية كلاشنيكوف وترفع يدها الأخرى بالسبابة مشيرة إلى السماء، وهي إشارة منتشرة بين المقاتلين الإسلاميين.

وفوقها شعار الإخوان، المثبت أيضا إلى زي المقاتلين في الكتيبة. يتضمن الشعار رمزا مسيحيا أرثوذكسيا قديما ليسوع. تحته نقش لاتيني: "إن هوك سيجنو فينسز"، وهو ما يعني: "باسم هذا الرمز سوف تنتصر."

تماما كما يسلط المتطرفون الإسلاميون الضوء بشكل انتقائي على المقاطع القرآنية التي تجيز العنف، يفتتح الكاتشيزم الخاص بكتيبة سانت ماري المسيحي بكلمات يسوع في إنجيل متى: "لا تظنوا اني جئت لألقي سلاما على الارض. ما جئت لالقي سلاما بل سيفا." ثم تضيف الكاتشيزم تفسيرها الخاص: "ينبغي أن نفهم المسيحية كالسيف، لا كالوسادة."

ومثلما يركز الجهاديون على أمجاد الشهادة والحياة في الآخرة، توضح الكاتشيزم أن فقط أولئك الذين يتبعون الطريق التي يتبعها الإخوان يتقاضون أعلى أجر في السماء: "إن نهاية العالم سعادة، وتدمير النظام الشمسي سيكون احتفالا كبيرا، وسيكون المجيء الثاني ليسوع إلى الأرض غير متوقع، وستصبح رهبة يوم الحساب بهجة. بسم الآب والابن والروح القدس، آمين."

طعم كورتشينسكي مقاتليه بفكرة أن مهمتهم هي أكثر من مجرد الدفاع عن أوكرانيا - إنهم جزء من صراع حضاري ضد قوى الشر. فأيقونيتهم تتضمن صورا ترتبط بالدولة الإسلامية. على باب إحدى الغرف حيث يعيش المحاربون صورة لمقاتل يرتدي قبعة عليها رسم للرمز الوطني الأوكراني، الترايزوب (أو الرمح ثلاثي الشعب). يمسك الرمز في إحدى يديه رأسا مقطوعة لرجل يخرج العلم الروسي من فمه. ويقول النص تحت الصورة بالأوكرانية: "لا تندم." (علمت في وقت لاحق أن راسم الرمز هو مدون مجهول يكتب على الفيسبوك بالاسم مستعار "بولبا بولبا"). إنها مجرد مزحة، قال لي مقاتل أزرق العينين يرتدي قناعا ويحمل بندقية.

يوفر قسيس معروف باسم الأب فولوديمير الاحتياجات الروحية للكتيبة. طويل القامة ونحيل وهادئ، ولا يزيد عمره كثيرا عن 30 عاما، جاء من ماريوبول، وقد أقنع بعضا من رعيته بالانضمام إلى الكتيبة. اعتاد أن يكون راهبا في الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، ولكن عندما اندلعت الحرب، انضم إلى الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية. ما كان له أن يفعل غير ذلك، كما يقول.

عندما بدأ القتال لأول مرة، رأى القسيس أنصار انفصاليي جمهورية دونيتسك الشعبية يضايقون الفتيات الأوكرانيات الصغيرات يوم عيد استقلال أوكرانيا لأنهم ببساطة كانوا يرتدون التطريز الأوكراني التقليدي. في أحد المرات، كما يقول، عاقب الانفصاليون سيدة عقابا وحشيا لارتدائها التطريز. ثبتوا المسامير في قدميها وأجبروها على السير في الشارع. كان شرا محضا، كما يفسر، وهو السبب في أنه من الضروري الآن أن نقاتل. استخدم الأب فولوديمير كلمات القديس بولس، حين قال: "إن فعلت الشر فخف؛ لأنه لا يَحمِل السيفَ عبثًا: إذ هو خادم الله، منتقم للغضب من الذي يفعل الشر."

السيف اليوم هو الكلاشينكوف، السلاح المفضل لمقاتلي سانت ماري.

طالبان المسيحية في أوكرانيا لا تقاتل من أجل السماء على الأرض، ولكنها تقاتل لماريوبول، وهي ربما تكون المكان الأكثر كآبة تحت الشمس. ماريوبول هي مدينة فقيرة، مطلية بظلال من اللون الرمادي، وتهيمن عليها مباني الحقبة السوفيتية السكنية والمنازل المتهالكة الصغيرة. في موقعها على بعد مئات الأمتار من البحر، تغسل الأمواج القمامة الصناعية والبلاستيكية وتكومها في أكوام كبيرة. يجمع سكان ماريوبول هذه القمامة لحرقها في أفرانهم.

لكن هذه المدينة الساحلية التي يسكنها نصف مليون شخص هي الآن أرض مهمة للحرب في شرق أوكرانيا، ومن المتوقع إلى حد كبير أن تكون هدف الهجوم الروسي الرئيسي القادم. سكان ماريوبول يعانون من سوء حظ استراتيجية موقعهم.

وصلت إلى قاعدة سانت ماري في فبراير الماضي، وقد كانت معروفة بسلسلة من الوفيات في الكتيبة. أول رجل مات منها كان "ألمانيا". قُتل يوم 10 فبراير عندما هاجم الأوكرانيون مواقع الانفصاليين قرب ماريوبول، على أمل التخفيف على القوات الأوكرانية اليائسة والمحاصرة قرب دبالتسيف. قاد الألماني الهجوم على بافلوبول، وهي نقطة دفاعية مهمة خارج ماريوبول مباشرة. اخترقت الرصاصات سترة الألماني، وتُوفي قبل أن يتمكن المسعفون من الوصول إليه.

كان اسم الألماني الحقيقي كيريل جينيك. أصل لقبه بسيط. فهو يأتي من عائلة عرقها ألماني تعيش في روسيا. كان مواطنا روسيا وليس لديه جواز سفر أوكراني، لكنه قاتل إلى جانب أوكرانيا عن قناعة شخصية. وتم تشريفه ودفنه في كييف.

كل أعضاء الكتيبة يستخدمون أسماء مستعارة. رئيس الأركان اسمه "الحزبي". نائبه يدعى "النقابة". وهناك "الأستاذ"، "الفيروس"، "النفساوي"، "التمساح"، "الراعي"، "الحصان"، "الشمس"، وهلم جرا. يقول الحزبي أن الأسماء المستعارة ليست سوى وسيلة مريحة للاتصال. ولكن هناك سبب آخر: تضم الكتيبة متطوعين من مناطق يحتلها الانفصاليون، وهم يفضلون عدم الكشف عن أسمائهم الحقيقية خوفا من تعريض عائلاتهم للخطر.

بعد أيام قليلة من إطلاق النار على الألماني، مات "الهادئ" و"آمين" في حادث سيارة. يوم وفاته، كان عمر الهادئ 22 سنة فقط. جاء من ترانسكارباثيا، في غرب أوكرانيا، وانضم مؤخرا فقط الكتيبة، لكنه كان طالبا متفوقا، وتعلم إطلاق النار بشكل جيد.

خدم آمين في الكتيبة منذ مطلع خريف عام 2014. وأمضى فصل الشتاء في المواقع الأمامية، ونادرا ما كان يعود إلى القاعدة. وكان المقاتل الأكثر خبرة في الكتيبة، وشارك في العديد من الهجمات وراء خطوط العدو. "لقد نجا من العديد من التفجيرات والمعارك مع العدو، لكنه توفى في حادث سيارة"، يقول النقابة. "القدر متلوّن."

لم يكن الضحية الثالثة في حادث السيارة من الكتيبة، لكنه كان خسارة للقضية. كان يدعى ليونيد سكوكي، السائق الأسطوري لدبابات الجيش الأوكراني. يخشاه الانفصاليون كما يخشون الطاعون، وكانت دبابته طراز تي-46 السوفيتية القديمة، طراز عام 1967، تسمى "الموت الأسود".

معدات الكتيبة العسكرية هي تقريبا بالكامل من المخلفات السوفيتية. لدى المقاتلين عربة مدرعة واحدة من نوع بي آر دي إم-2، مكانها المتحف في الحقيقة، وعدة شاحنات أورال عسكرية مستعملة استعمالا ثقيلا. البي آر دي إم تحمل درعا ضعيفا، لذلك قام المتطوعون بلحام قفص معدني حولها، أملا في توفير حماية إضافية من هجوم العدو.

أما فخر الكتيبة فهي حاملة ركاب جديدة مموهة من طراز تويوتا تندرا. معظم كتائب المتطوعين الأخرى لا تحلم بمثل هذه السيارة. لكن النقابة يفضل مركبة تعمل بالديزل، لأن التندرا تحرق الكثير من البنزين الناقص دائما في السوق.

وقد وُضعت نقاط تفتيش الكتيبة على طول الطريق إلى نوفوازوفسك، وهي ميناء ذو موقع استراتيجي بالقرب من الحدود مع روسيا. إذا استولت القوات الموالية لروسيا على المدينة والميناء، فسيقتربون خطوة من ربط شبه جزيرة القرم بروسيا برابط أرضي.

الحاجز الرئيسي، الذي يبعد حوالي 10 أميال عن القاعدة، يحيط بجانبيه ألواح خرسانية بنيت من أي شيء ومن كل شيء يمكن استخدامه في التحصين، ما يعطيها شكلا وإحساسا من مشهد من فيلم "ماد ماكس". هذا الحاجز هو الأخير قبل الخطوط الأمامية مع الانفصاليين الروس.

في الداخل، تظهر نقطة تفتيش في حالة من الفوضى. فهي مليئة بالبطاطين الميدانية وصناديق الذخيرة وعبوات وأطباق المواد الغذائية، والتي تتكون بالأساس من ملفوف المخلل والبطاطس والخبز. تزين الجدران الرموز الدينية ورسوم الأطفال. ونادرا ما يوجد مقاتلون في الداخل. عادة ما يقفون عند نقطة التفتيش - في كثير من الأحيان في المطر والصقيع والثلوج - مرتدين أقنعة ومثبتين مسابح بيضاء على ملابسهم. يتحققون من السيارات المارة والحافلات التي تسافر في بعض الأحيان بين الخطوط الأمامية. القيادة في هذه المنطقة ليست آمنة. يوم 13 يناير، على الطريق بين ماريوبول ودونيتسك، اصطدمت صواريخ أطلقها الانفصاليون بحافلة تقل مدنيين. وقتل اثنا عشر شخصا.

يتعرض حاجز سانت ماري في كثير من الأحيان لإطلاق النار. يقبع الجنود الروس والمتمردون من جمهورية دونيتسك الشعبية على بعد حوالي ثلاثة أميال، في القرى والغابات. عندما يبدأ إطلاق النار، يتراجع مقاتلوا سانت ماري إلى القبو، الذي يتكون من حاويات معدنية مدفونة في الأرض ومصفوفة في الداخل مع ألواح الخشب. وهو مغطى من الخارج بألواح خرسانية مموهة مع سطح الأرض.

الحزبي، رئيس أركان الكتيبة، محبَط للغاية. فهو لم يتوقف عن القتال طوال التسعة أشهر الماضية. حارب في دونيتسك وإلوفايسك في شهر أغسطس من العام الماضي، حين عانى الجيش الأوكراني من هزيمة قاسية. استسلم عدة مئات من الجنود للروس بعد أن انقطعت عنهم الأسلحة والذخائر والإمدادات. "وافقنا في كثير من الأحيان على تعليق الأعمال العدائية، ولكننا فقط من يلتزم بها"، كما يقول. "وإذا لم نطلق النار عليهم، يطلقون النار علينا، ونحن لا نستطيع الرد بإطلاق النار."

في الشمال الشرقي يقبع الانفصاليون. ولا يزال الجنوب الغربي تابعا لأوكرانيا، لكن السكان الذين يعيشون في القرى الصغيرة على الطريق إلى ماريوبول يؤيدون روسيا بقوة. ولذلك، يعتبر المقاتلون في الحقيقة محاطين من جميع الجوانب، ويتوقعون هجمات من كل الاتجاهات. يوجد في ماريوبول نفسها سكان يتكلمون الروسية، وليس الأوكرانية، ويدعم العديد منهم الانفصاليين، مفضلين العيش في روسيا، حيث تدفع الدولة على الأقل رواتب ومخصصات التقاعد.

من المتوقع، عندما يبدأ القتال على ماريوبول، أن يسحب العديد من سكان المدينة أسلحة مخبأة في منازلهم ويطلقون النار على الأوكرانيين الذين يدافعون عن المدينة. إنه مصير ملعون، على ما يبدو، لذلك يستقي مقاتلوا سانت ماري الإرشادات من الدين.

"كل شيء عندنا مبني على الإيمان بيسوع المسيح"، يقول الحزبي. "نحن نؤمن أنه لن ينتصر في عالم اليوم إلا المجتمع الديني، وفي مجتمعنا الذي تراجعت فيه كل قيمنا، لا يبقى سوى الإيمان. الحرب دليل على ذلك. لا يوجد مكان للملحدين عندما تنطلق الصواريخ ومدافع الهاون."

رغم كل حديثه عن الدين، يبقى كورتينسكي، في نهاية المطاف وفي نواح كثيرة، براجماتيا. كانت تحالفاته دائما عملية أكثر منها أيديولوجية. في التسعينات، حارب في القوقاز لأنه يكره روسيا، لا لأنه يحب المقاتلين المسلمين هناك. "نحن نفهم أنه إذا كنا لا نريد أن تكون الجبهة في شبه جزيرة القرم، فلابد أن تكون في منطقة القوقاز"، قال لي. "وهذا هو السبب في أن علينا مساعدة حركة المقاومة في القوقاز."

لا يزال كورتشينسكي على اتصال بالمقاتلين في الشيشان، وكذلك المسلمين الذين جاءوا من القوقاز إلى أوكرانيا.

"أنا لا أريد تقسيم الناس على أساس الدين"، كما يقول، "لأن أمامنا عدو أسوأ بكثير - الاتحاد الفيدرالي الروسي. علينا أن نضرب روسيا جنبا إلى جنب مع حلفائنا."

سألت كورتشينسكي كيف يمكن لرجل مثله - ينافس النظام السياسي في أوكرانيا - أن يتعايش مع زوجته، وهي عضو في البرلمان. فأجاب أن زوجته تدرك أن المشاكل الأساسية في البلاد لا يمكن حلها في البرلمان. أهم شيء هو أن نستكمل الثورة، ولكن من المفيد أن يكون لنا أصدقاء في الحكومة. "في بعض الأحيان يساعد ذلك على إنجاز شيء ما، مثل إخراج شخص من السجن أو دفع السلطات لأن تعطينا أسلحة إضافية"، كما يقول.

حتى خطابه الديني عملي. يفضل كورتشينسكي الحديث عن الصليبيين والحروب الصليبية، ولكن هذا يتطلب شرحا مفصلا وطويلا. يقول أنه يستخدم مصطلحات مثل "طالبان" و"حزب الله" و"تنظيم القاعدة" لأنه يريد أن يتكلم بلغة يفهمها العالم.

سألته عن ما يميز منظمته عن الجهاديين الإسلاميين. الإسلاميون المتطرفون في أفغانستان والشرق الأوسط يريدون تدمير النظام العالمي، وفقا لكورتشينسكي. ليس هذا هو الحال مع كتيبة سانت ماري.

"نريد حقا الحضارة"، أوضح كورتشينسكي. "نريد أن يكون لدينا ماء ساخن في الحمام ونظام صرف صحي يؤدي وظيفته، لكننا نريد أيضا أن نكون قادرين على الكفاح من أجل مُثُلِنا."

كورتشينسكي يريد أن ينقل الحرب إلى الأراضي الروسية، ويقول أن ناسه هناك قد شكلوا بالفعل هياكل تحت الأرض. مثل الدولة الإسلامية، يوما ما سيستلم "إخوته" الأوامر ويبدأون عملهم.

"سنقاتل حتى تحترق موسكو"، كما يقول.

* اقرأ الجزء الأول و الجزء الثاني من الكتائب الخاصة في أوكرانيا.

- مواد هذا المقال هي جزء من فيلم وثائقي يجري تطويره لشركة دبليو دي آر الألمانية، عنوانه "قصة موت".

 

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب