المال مقابل المبادئ: السويد تدير ظهرها للسعودية وتلغي صفقة الدفاع

مقال رأي

لا يتاح للمرء كثيرًا أن يكتب هذه الجملة وتكون صادقة بالفعل: كم كانت الشهور القليلة الماضية مذهلة في وزارة الخارجية السويدية!

أصبحت السويد، في الأشهر الأولى من ولاية الحكومة اليسارية الجديدة في البلاد، أول دولة في أوروبا تعترف بدولة فلسطين، مما أدّى بإسرائيل إلى سحب سفيرها احتجاجًا، وقامت القوات المسلحة السويدية ببحث محموم عن ما هو على الأغلب غواصة روسية تختبيء خارج ستوكهولم. البلاد مشتبكة الآن في مواجهة مع السعودية بعد إلغاء صفقة أسلحة قيمتها مئات الملايين من الدولارات. وقد سحبت الرياض الآن سفيرها أيضًا وانضمت إلى الإسرائيلين في بثّ نوع فارغ من السخط على قرارات السويد.

وقّعت ستوكهولم والرياض الصفقة في العام 2005 جاعلة من السعودية أحد الأسواق الخارجية الكبرى لشركات الدفاع السويدية. وقد اشترت السعودية التي تملك رابع أكبر ميزانية دفاع وتخشى مواجهة عسكرية مستقبلية مع إيران، كميات ضخمة من وحدات رادار جوي وأنظمة أرضية مضادّة للدبابات. وقد عادت الاتفاقية بين عامي 2011 و2014 على صناعة الدفاع السويدية بحوالي 550 مليون دولار.

لكن الأموال لم تكن كافية كي تمنع الصفقة من تعكير السياسة السويدية. مع أن الحكومة الديمقراطية الاجتماعية السابقة هي من وقّعت على الصفقة إلا أن فكرة تجديد الاتفاق - الذي ينتهي في شهر مايو - انتجت معارضةً حادةً من عدد من الفصائل المؤثّرة في السياسة السويدية. رفض الخُضر، وهم شريك ضمن الأقلية في التحالف الحالي، الصفقة تمامًا، والمنظمة الشبابية المؤثّرة للديمقراطيين الاجتماعيين لم ترد أيضًا تمديد الاتفاقية، وكذلك هو الحال مع عدد من الأحزاب الوسطية والاشتراكيين.

كان رئيس الوزراء ستيفان لوفن، على الجانب الآخر، يأمل في إعادة المفاوضة على الاتفاقية ومنع صناعة الدفاع السويدية من تلقي ضربة مالية كبرى. دافعت قيادات الأعمال السويدية عن الاتفاقية وكتبوا خطابًا مفتوحًا قالوا فيه إن تمديد الاتفاقية لا يمثل أقل من اختبار عن مصداقية السويد كشريك تجاري. كان من ضمن الموقعين رؤساء شركات بحجم صناع سيارات فولفو وعملاق صناعة الملبوسات إتش أند إم وشركة الاتصالات إيركسون.

يبدو أن لوفن، بينما هو محاصر بين لوبي الأعمال وبين شركائه في التحالف، قد حسب أنه لا يستطع أن يرى حكومته تسقط بسبب مثل هذه الصفقة ووافق على إلغاء الاتفاقية.

إن الضجة التي حصلت تحكي عن المعضلة التي تواجه العديد من الدول الأوروبية. تناضل الحكومات، من ألمانيا إلى السويد، وهي ملتزمة علنًا بحقوق الإنسان وتمثّل جمهورًا يهتم بشكل صادق بمثل هذه الأمور، تناضل كي توفّق بين مبادئها وبين مبيعات الأسلحة المربحة لأنظمة استبدادية. قال أحد المسؤولين السويديين الذي رفض ذكر اسمه للفاينانشيل تايمز "الأمر دائمًا هو الأموال مقابل المباديء وهذه المرّة قررنا أن مباديء حقوق الإنسان أكثر أهمية من صفقة عسكرية".

إنّ رد فعل السعودية الغاضب لإعلان السويد ربما يمثل تخوفهم من أن دولًا أخرى ستصل إلى نفس النتيجة. قامت الرياض، بالإضافة إلى استدعاء السفير، بحجب خطاب لوزيرة الخارجية السويدية، مارجو والستورم، أمام جامعة الدول العربية كانت قد نوت أن تتحدث فيه ضد انتهاكات حقوق الإنسان في السعودية.

مع أن السعودية تملك سجلاً مؤسفاً في حقوق الإنسان إلا أنها حافظت على وضعها كحليف مدللٍ للدول الغربية بتقديمها لنفسها كشريك يُعتمد عليه في المعركة ضد الإرهاب وكمورد أساسي للنفط. لا يمثل هذا ما يكفي، بشكل متزايد، لإبقاء الباب مفتوحًا لشيوخ السعودية في العواصم العربية. ألغت ألمانيا، على سبيل المثال، بيع دبابات ليوبارد للسعودية وهو ما كان محددًا أن يتم العام الماضي.

أدّى جلد السعودية للمدونيين المسجونين والإعدام العلني بقطع الرأس وتقييد حقوق النساء - بما فيها قدرتهم على القيادة - بعدة قادة سياسيين عبر أوروبا للتوصل إلى نتيجة مفادها أن المملكة هي ثيوقراطية من القرون الوسطى لا يحميها إلا ثرائها النفطي الفاحش.

ربما، ربما، تكون سياسات أوروبا الدفاعية قد بدأت في اللحاق بمبادئها.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب