بابا الأقباط والانحياز المحفوف بالمخاطر

مقال رأي

في قداس ليلة عيد الميلاد في السادس من كانون الثاني/يناير الماضي - عندما أصبح الرئيس عبد الفتاح السيسي أول رئيس مصري يشارك في القداس في هذا العيد القبطي - علا التصفيق داخل الكنيسة. فقد أعرب بابا الأقباط تواضروس الثاني الذي تسلّم منصبه في تشرين الثاني/نوفمبر 2012، عن دعمه الشديد للسيسي ودعا أتباعه إلى دعم النظام. حتى إن رجال دين بارزين آخرين، مثل الآب مكاري يونان، زعموا أن "السيسي مرسل من السماء". لكن على الرغم من الميول المحافظة التي تعبّر عنها القيادة في الكنيسة القبطية، لايدعم جميع الأقباط توجّهات البابا تواضروس. حتى إن دعم البابا للنظام وعدم تبنّيه موقفاً محايداً ربما يحدّان من قدرة الكنيسة على حماية حقوق الأقباط.

تسيطر البابوية على الحراك السياسي لدى الأقباط منذ خمسينيات القرن العشرين - بعد قيام عبد الناصر بحل المجلس الملّي الذي كان عبارة عن مجلس نافذ من الأقباط العلمانيين - بيد أن الهيمنة البابوية لم تساهم في تحسين أوضاع الأقباط. فالتمييز ضدهم متجذّر بقوة في المجتمع المصري، ليس فقط في أوساط الإسلاميين المتشددين (كما تروّج وسائل الإعلام التابعة للدولة)، إنما أيضاً في أوساط الحكومة والجيش. فعلى سبيل المثال، دأبت الحكومات المتعاقبة على تطبيق سياسات صارمة في مجال بناء كنائس جديدة أو الإبقاء على الكنائس القائمة. يجب الحصول على إذنٍ من رئيس الجمهورية لتصليح أشياء أساسية مثل المرحاض في الكنيسة، من جملة إجراءات أخرى. بعد عزل مرسي في تموز/يوليو 2013، تلقّى المسيحيون وعوداً بأن الحكومة ستلغي "كل العوائق أمام بناء الكنائس"، في خطوةٍ منتظرة منذ وقت طويل، لكن هذه الوعود لم تتحقق حتى الآن.

غالباً مايُفسَّر دعم البابا تواضروس للنظام المدعوم من العسكر بأنه يرمي إلى ضمان أمن المسيحيين في مصر. بيد أن سجل الدولة المصرية في حماية الأقباط متفاوتٌ. فعلى سبيل المثال، أثارت وثائق استولى عليها المحتجّون الذين اقتحموا مقار الأجهزة الأمنية في آذار/مارس 2011، مخاوف بشأن ضلوع الأجهزة الأمنية في التفجير الذي وقع في كنيسة القديسَين في الإسكندرية في العام 2011 وأسفر عن مقتل 23 مؤمناً. فبحسب مستندات نشرها موقع "اليوم السابع"، أنشأت الأجهزة الأمنية وحدة سرّية وجنّدت عناصر من الجماعة الإسلامية ومن مجموعات متطرفة أخرى لتنفيذ الهجوم.

وفي أعمال العنف التي ارتكبها مؤخراً إسلاميون متطرفون بحق المسيحيين - والتي استقطبت اهتماماً إعلامياً واسعاً - فشلت الأجهزة الأمنية والنظام القضائي في مصر في تحقيق العدالة. ففي آب/أغسطس 2013، عندما طالت موجةٌ من العنف أكثر من 40 كنيسة، غادر عناصر قوى الأمن ثكناتهم خلال تنفيذ الهجمات أو وقفوا مكتوفي الأيدي أثناء وقوع الاعتداءات. وقد تعهّدت السلطات بإعادة إعمار الكنائس المتضررة، لكن هذه الوعود لم تلقَ في معظمها طريقها إلى التنفيذ، شأنها في ذلك شأن الوعود السابقة.

يعتبر الناشطون الأقباط أن الأحداث الأمنية تسلّط الضوء على الحاجة إلى أن يعمد البابا تواضروس الثاني إلى تغيير دور الكنيسة في السياسة الداخلية. فالبابا لم يبذل مجهوداً فعلياً لإدراج المسألة على جدول الأعمال السياسي، ولم يجرؤ سوى عدد قليل جداً من رجال الدين على توجيه انتقادات علنية للنظام بسبب تقاعسه. ثمة خطرٌ بأن يأتي دعم البابا للسيسي على حساب قدرة الأقباط على الدفاع عن حقوقهم في المدى الطويل. فمنتقدو البابا تواضروس الثاني يقولون إنه أذعن لإجراءات النظام السلطوية، ومنهم الأب فيلوباتير جميل عزيز الذي انتقد الجيش مراراً وتكراراً على خلفية قتل المتظاهرين في ماسبيرو. وقد اتُّهِم بدوره بالتحريض على العنف ضد الجيش المصري، وأصدرت محكمة عسكرية حكماً في العام 2012 يقضي بمنعه من السفر لفترة وجيزة. علاوةً على ذلك، يطالب الأب ماتياس باستمرار بتمثيل عادل للأقباط في السياسة، كما ينتقد القضاء المصري لفشله في حماية الأقلية الأكبر في البلاد.

يقوم الأبوان عزيز وماتياس بالتنسيق مع اتحاد شباب ماسبيرو الذي تأسّس إبان مذبحة ماسبيرو في العام 2011 عندما فتحت الشرطة العسكرية النار على المتظاهرين المسلمين والمسيحيين، ماأسفر عن مصرع 28 شخصاً. وقد كان البابا موضع انتقادات واسعة بسبب تلميحه إلى أن الإخوان المسلمين يقفون خلف أحداث ماسبيرو، ودعمه لتبرئة الرئيس المصري السابق حسني مبارك، من جملة أمور أخرى. وهكذا أمّن الاتحاد للناشطين الأقباط منبراً مهماً للتعبير عن مطالبهم، وشكّل نموذجاً للحراك القبطي المستقل خارج إطار السياسة البابوية.

لكن على الرغم من هذه الأصوات المعارضة، لاتزال البابوية القوة السياسية المركزية لدى الأقباط. يدعم عدد كبير من المسيحيين البابا خوفاً من أن تتسبّب معارضته بتهميش الأقباط أكثر فأكثر، مع العلم بأنهم يعانون أصلاً من نقص شديد في التمثيل في آلية صنع القرارات على المستوى الوطني، هذا فضلاً عن تشكيكهم في المؤسسات العلمانية مثل المجلس الملّي. لكن من أجل معالجة التمييز المستمر ضد الأقباط، ينبغي على البابا أن يبادر، عاجلاً أم آجلاً، إلى احتضان مجتمع أهلي قبطي ناشط ويتبنّى مطالبه الإصلاحية. في مثل هذه السيناريو، على البابا أن يتخلّى عن صلاحياته الدنيوية ويمنح الأقباط دوراً سياسياً ناشطاً ومحورياً عبر تشجيع الشباب المصري على المشاركة بقوة في المجتمع والمطالبة بالمساواة في المواطنة. وإلا يواجه الأقباط خطر أن يُنظَر إليهم بأنهم من أشدّ الداعمين لحكومة السيسي.

مصدر الترجمة: 
Carnegie Middle East Center