تحديات تواجه دور مصر الإقليمي

مقال رأي

يقال الكثير عن وجود مؤشرات على تنشيط السياسة الخارجية المصرية. فقد أعقبت الزيارة التي قام بها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي إلى موسكو عام 2014 وزيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى القاهرة رداً على زيارة السيسي في شباط (فبراير) الماضي، والتي التزمت روسيا خلالها ببناء محطة للطاقة النووية في مصر، صفقات لشراء أسلحة روسية وفرنسية جرى توقيعها في أيلول (سبتمبر) 2014 وشباط 2015. ووصف المعلقون المصريون وسواهم تلك المؤشرات باعتبارها تدلّ على استقلالية مصر في علاقاتها مع الولايات المتحدة.

الأهم من ذلك، هو أن دعوة السيسي في 22 شباط الماضي لإنشاء قوة تدخّل عربية موحّدة لمواجهة الإرهاب، زادت إلى حدّ كبير من حجم التوقّعات بأن تكتسب مصر مكانة إقليمية نشطة. كما أن لقاءاته اللاحقة مع العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز والعاهل الأردني الملك عبدالله الثاني تزيد من احتمالات القيام بعمل ديبلوماسي، وربما عسكري، منسّق في شأن ليبيا. جاء ذلك في أعقاب محاولة مصر عرض اقتراح على مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في 18 شباط، وهو الاقتراح الذي تم التخلّي عنه في مواجهة ممانعة غربية.

ويبدو أن مصر تستعدّ للعب دور بارز خارج حدودها، لكن آمال البعض في أن تستأنف ذلك النوع من الزعامة الإقليمية الذي مارسته سابقاً في عهد الرئيس جمال عبدالناصر أو حتى أنور السادات في غير محلها. فالتحدّي الذي يواجه الأمن القومي المصري حقيقي، غير أن نشاط السياسة الخارجية الحالي ينحو إلى أن يكون مظهراً بلا مضمون، وهو مسخّر، جزئياً على الأقلّ، لتشتيت انتباه المتابعين في الخارج والداخل عن تزايد المتاعب الاجتماعية والاقتصادية والأمنية في الداخل المصري. وتبدو غواية توسيع هذا النهج عبر التدخّل في ليبيا قوية، إلا أنها لن تسفر عن شيء سوى كشف نقاط الضعف التي تعاني منها مصر وتفاقمها.
 

تستعدّ مصر الآن ديبلوماسياً لاحتمال توسيع نطاق العمليات العسكرية، بعد أن سبق أن نفّذت ضربات جوية محدودة على أهداف قالت إنها تابعة لتنظيم «الدولة الإسلامية» في ليبيا في منتصف شباط الماضي. وقد تساهم دول عربية أخرى في هذه العمليات، غير أن المرجّح أن تكون هذه المشاركة رمزية في الغالب، ومن المؤكّد أن العبء الرئيسي سيقع على كاهل القوات المسلحة المصرية. ومع ذلك، من المحتمل أن يصبح التدخّل، مهما كان حجمه، أطول مدةً وأكثر كلفة مما يتوقع من يخطّطون له. ذلك أن مصر تفتقر إلى النفوذ السياسي والوسائل الاقتصادية اللازمة لهذا التدخّل، حتى بمساعدة شركائها المحتملين.

لا يمكن لمصر أن تخاطر بالتورّط في عملية يبدو من المحتّم تقريباً أنها ستكون معقّدة وواسعة في ليبيا بينما تعاني أوقاتاً عصيبة في حلّ الوضع الداخلي في سيناء وتواجه تحدّي انتشار التشدّد والعنف السياسي في أجزاء أخرى من البلاد. فقد اعتمدت مكافحة التمرّد في سيناء حتى الآن، وبصورة مفرطة، على القوة والإجراءات المشددة، على الرغم من الوعود المتكرّرة بالاستثمار في التنمية الاجتماعية والاقتصادية لسكان سيناء، والتي كرّرها السيسي مؤخراً.

إن جرّ مصر إلى حملة مكافحة تمرّد ثانية خارج حدودها هو بالضبط ما يسعى إليه أنصار تنظيم «الدولة الإسلامية» الليبيون، بغية استنزافها واستنفادها. وعلاوة على ذلك، تركّز معظم الميليشيات الليبية بصورة كبيرة، بما فيها الميليشيات الإسلامية، على الأجندات والصراعات المحلية. ومن شأن التدخّل العسكري في المنطقة الحدودية أن يقحم الجيش المصري في مواجهة مع جماعات لا تشكّل خطراً حقيقياً أو وشيكاً عبر الحدود، وبالتالي ستكون له نتائج عكسية بالنسبة إلى مصر.

تتطلب أي محاولة حقيقية لاجتثاث تنظيم «الدولة الإسلامية» القيام بعملية عسكرية ضد مناطق تواجده المتنامي وصولاً حتى سرت، ما يرغم القوات المصرية على أن تتقدّم عبر كل المناطق الشرقية حتى وسط البلاد. وسوف يؤدي ذلك إلى اصطدامها بالقوى المنضوية تحت لواء معسكر «فجر ليبيا» في غربي ليبيا، والذي غالباً ما يوصف ببساطة مفرطة بأنه «إسلامي،» ما سيدفع إلى تعميق الحرب الأهلية الدائرة في البلاد. ولكن حتى لو نجحت مصر في أن تهزم «فجر ليبيا»، فإن نزع سلاح وحلّ الميليشيات المحلية وفرض السلام سيتطلب موارد أكبر بكثير مما تملك مصر وسيشغلها ويجعلها تتعثّر لسنوات.

الحقيقة الثابتة هي أن مصر تفتقر إلى الأسس الاقتصادية اللازمة للقيام بدور إقليمي رائد، ناهيك عن التدخّل في ليبيا. ومن الواضح أن المسؤولين والمعلقين المصريين يشعرون بالاستياء تجاه تصوير تركيا باعتبارها القوة الإقليمية الأكثر أهمية، ولكن تأكيد تفوق مكانة مصر سيتطلّب تحويلها أولاً إلى قوة اقتصادية حقيقية. وهذا، بدوره، يتطلّب إجراء تغييرات هيكلية عميقة في الاقتصاد المصري لا يبدو أن أياً من اللاعبين الرئيسيين في النخبة المصرية أو في مؤسّسات الدولة التي تحكم البلاد الآن على استعداد لتخيّلها.

بالرغم من المظاهر الاستعراضية، من المرجح أنه ليست لدى السيسي أي نية لزجّ القوات البرية المصرية في مواجهات مباشرة في ليبيا. ومع ذلك قد يتم جرّ مصر إلى أتون الصراع الليبي. وهذا من شأنه أن يكشف عن نقاط ضعفها، وليس إظهار قوتها أو تجديد عزيمتها. وتشير التعليقات العلنية للمسؤولين المصريين الذين يدعون إلى قيام المجتمع الدولي بجهد جماعي لإنقاذ ليبيا، إلى وعي جدير بالثناء لحدود القدرة المصرية، إلا أنه من المستبعد أن تتم الاستجابة لها بعمل ما، وخاصة من جانب القوى الغربية الرئيسة. ولن يموّل حلفاء مصر الرئيسيون في الخليج مهمة عسكرية في ليبيا إلى أجل غير مسمّى إضافة إلى المساعدة في دعم الميزانية المصرية واحتياطيات العملة الصعبة، حتى لو كانوا يؤيدون التدخل.

في ظل هذه الظروف يبدو حديث بعض المعلقين المصريين الفضفاض عن العمل في اليمن ضد الحوثيين ضرباً من الخيال. ومن شأن السعي للتوصل إلى حلّ سياسي للصراع السوري أو تعزيز الاستقرار في غزة أن يكون وسيلة أكثر إقناعاً لإظهار تأثير مصر وقدرتها كقوة إقليمية لا يستهان بها. ولكن على الرغم من أن استضافة مؤتمر المعارضة السورية في القاهرة في أواخر كانون الثاني (يناير) الماضي كانت موضع ترحيب ومفيدة، لا تطوّر مصر جهداً ديبلوماسياً مستداماً بالحجم المطلوب فعلاً. وبعيداً عن تقديم يد العون للمقاربات البنّاءة تجاه غزة، تدفع السياسة المصرية بنشاط ذلك القطاع المحاصر إلى نقطة الانهيار.

إذا كانت مصر غير قادرة أو غير راغبة في استثمار المزيد من الموارد الديبلوماسية في سورية وغزة، فمن الحماقة أن نتوقع نتائج أفضل من مغامرة أكثر تكلفة في بيئة الصراع المعقدة في ليبيا. أما الفكرة القائلة إن مصر على وشك استعادة الدور القيادي الإقليمي الذي لعبته في السابق فتعكس التفكير الرغبوي لدى العرب الآخرين الذين يأملون، رغم كل الأدلة، في أن تخلصهم مصر من مشكلاتهم وعيوبهم، وكذلك المصريين الذين يسعون، لأسباب مختلفة جداً، لكسب النفوذ والريع الاستراتيجي من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي.

لم تتولّ مصر دوراً إقليمياً قيادياً منذ حرب العام 1973 ولم تقم بأي عمل مؤثّر على صعيد السياسة الخارجية منذ العام 1978. قد يكون هذا أمراً جيداً بالنسبة لمصر، غير أن العودة إلى نشاط السياسة الخارجية الذي يستند إلى مثل هذه الظروف الأمنية الاقتصادية والسياسية الهشّة تبدو خطيرة. ويعني هذا أن السيسي والقيادة المصرية لا يواجهان بصورة مباشرة ما يحتاج إلى إصلاحه في داخل مصر.

مصدر الترجمة: 
Carnegie Middle East Center