تحول سيريزا: هل أتى التقشف ليبقى؟

مقال رأي

ربح حزب سيريزا اليساري الانتخابات اليوناينة، الشهر الماضي، ودعى بحماس ضد التقشف كما أيّد حزمة رفع ديون سخية. وقد تسبب انتصاره في فورة إعلامية عالمية بينما يعبّر عدد من المعلقين عن حزنهم حول ما إن كانت منطقة اليورو (خاصة ألمانيا) ستنحني أمام مطالب الحكومة اليوناية وإذا لم تفعل فهل ستتخلى اليونان عن اليورو وتتسبب ربما في ما قد يرقى إلى "لحظة لهمان" بتبعات مالية عالمية.

ما حدث بعد ذلك كان جديرًا بالملاحظة. في البداية، تبنّت الحكومة اليونانية موقفًا أحاديًا متحديًا بإعلان إلغاء اتفاقية الإنقاذ التي ترزح تحتها اليونان. أرسلت الحكومة وزير ماليتها الجديد، يانيس فاروفاكيس ،غريب الأطوار، ويقال إنه كان مسلحًا بخطة جديدة، مستوحاة من نظرية الألعاب، في رحلة مكوكية أوروبية بحثًا عن حلفاء.

 على كلٍ، في النهاية، ليس بحوزة اليونان الكثير لتدلل به على مجهوداتها. بعد أن تنازلت سريعًا عن طلبها بقص المديونية رضيت بتمديد اتفاقية الإنقاذ لمدة أربعة أشهر فقط وهو شيء أكدت بقوة أنها لن تفعله. وقد تضمنت شروط الصفقة تغييرات تجيملية بالأكثر: لغة مبهمة عن إصلاحات لصالح السوق وإيحاءات مراوغة عن المرونة المالية بالإضافة إلى السيطرة الصارمة على مدفوعات القروض. تحتاج اليونان بشدّة لهذه الأموال كي تجابه نقص السيولة الذي يجعله الإبهام الاقتصادي مرتفعًا بشدة.

هناك عدد من الأسباب لتحول سيريزا:

 أولًا، أساء عدد من النقاد فهم الطبيعة المعقدة للاتحاد الأوروبي. بدلًا من التعبير عن سباق ثنائي (ألمانيا مقابل اليونان أو الدول الدائنة مقابل الدول المدينة) فإن سياسة منطقة اليورو تقتضي تفاعلًا معقدًا لكيانات مستقلة متجاوزة للدول (المفوضية الأوروبية والبنك الأوروبي المركزي بالإضافة إلى صندوق النقد الدولي في حالة اليونان) وتسعة عشر حكومة مهووسة بسياساتها المحلية الخاصة. لقد فشلت اليونان في أن تجد حليفًا ضمن الدول المدينة الأخرى بعد أن امتصت مرارة دواء التقشف واستطاعت الدخول إلى الأسواق المالية مرة أخرى واستعدّت للمضي قدمًا.

ثانيًا، إن الناخبين اليونانيين قد أثاروا ضجة من أجل تقشف أقل والاستمرار في منطقة اليورو في نفس الوقت. بل إنه، وبعد سبع سنوات من الركود، لا تزال اليونان اليوم أفضل عن ما كانت عليه وقت انتقالها إلى اليورو. بالإضافة إلى ذلك فإن عضوية اليورو تعني اندماج اليونان في أوروبا الغربية وهو ما كان الأولوية المركزية، وقد تكون الوجودية، للأمّة اليونانية منذ إنشاءها في بداية القرن التاسع عشر. باختصار، إن الناخبين اليونانيين لم يقدموا أبدًا تفويضًا بعودة الدراخما.

ثالثًا، إن اليونانيين يناقضون أنفسهم. فمع أن أغلبية عظمى منهم تقف خلف محاولات الحكومة الجديدة في التفاوض من أجل صفقة أفضل، فإنهم أيضًا قلقون من مواجهة كارثية ضمنيًا، قد التهمت النظام البنكي اليوناني بسحب أكثر من 12 مليار يورو من الإيداعات في شهر يناير وحده. لذا فقد قوضوا أساس اقتصاد البلاد (وبالتالي قدرتها التفاوضية). الحقيقة أن احتماليات حدوث كارثة انهيار مصرفي هي ما غلّ يد الحكومة اليونانية وأجبرها على التسوية.

أخذًا في الاعتبار كل تلك القيود وتحديات الواقع الاقتصادي، سيكون من الصعب على الحكومة اليونانية أن تحتفظ بتماسكها وتحتفظ بولاء الناخبين وتقوم بإجراءات اقتصادية تتناقض مع وعودها الأصلية. من المتوقع من اليونان وشركائها الأوروبيين الآن الوصول (بقدوم يونيو على الأقل) إلى صفقة جديدة طويلة الأمد لتمويل البلد. وأخذًا في الاعتبار الحالة المزرية لمالية اليونان واستمرار استبعادها من سوق السندات يمكن أن تشكل تلك الصفقة إنقاذًا ثالثًا يبلغ 30 مليار يورو. وشأن الاتفاقيات المماثلة من المتوقع أن تتضمن شروطًا قاسية بخصوص الأهداف المالية والإصلاحات الهيكلية.

ستجد الحكومة اليونانية أنه من الصعب جدًا عليها تسويق هذه الصفقة أمام ناخبيها، لكن لن يكون أمامها أيضًا بدائل قابلة للتطبيق وستعطلها خبرتها المحدودة ونظرتها الايديولوجية والخزائن الحكومية الخاوية و"إرهاق التقشف" في اليونان و"إرهاق اليونان" في أوروبا. يبقى أن نرى ما إن كان ضغط الاتحاد الأوروبي لإبقاء اليورو كاملًا ورغبة الشعب اليوناني في أن يبقى داخله عوامل كافية لتفادي الأسوء.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب