تحويل النفط من لعنة إلى نعمة للعالم العربي

مقال رأي

لم يسهم شيء في تشكيل العالم العربي وتحديده، في السنوات المئة الأخيرة، أكثر من موارده النفطية وعائداتها. كانت المنطقة، منذ بداية القرن العشرين وحتى الوقت الحالي، تتنفس وتنزف نفطًا. وقد كان مسؤولًا عن جميع جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بها. وقد تم تحديد سياساتها العامة الدولية والمحلية من قِبل احتياطي النفط وصادارته وعائداته حصريًا.

يعرف الاقتصاديون من زمن طويل أن الموارد الطبيعية كثيرًا ما تكون لعنةً أكثر منها نعمة، خاصّة بالنسبة إلى الأماكن التي تم الكشف عن مخزون كبير من النفط بها. وقد عُرفت الآثار المشوِهة لموارد الطبيعية وعلى رأسها النفط بـ "المرض الهولندي". تخلق هذه الموارد فقاعةً مصطنعةً من الرفاهية عبر العملات المبالغ في تقييمها والواردات الأرخص التي تطرد الصناعات المحلية التقليدية والزراعية وتركّز النشاطَ الاقتصادي على استغلال الموارد الطبيعية والتي تجعل تنوع الاقتصاد صعبًا.

الأسوء هو أن الدولة تستغل هذه الموارد كي تدعم الأغذية الأساسية والبضائع والخدمات العامة وفي تمويل الإنفاق العام بالشكل الذي يحول النظام الاقتصادي بأكمله إلى دولة رفاه واستحقاقات. تشوش هذه الممارسة القيمة الحقيقية للعمل والمنتجات والخدمات. حين تقدّم الدولة الرعاية الصحية والتعليم والطعام والكهرباء مجانًا أو بتكلفة شديدة الانخفاض لجميع المواطنين، أغنياء وفقراء على السواء، هؤلاء الذين يقعون في شرك اقتصاد مصطنع وخيالي حيث لا تأتي المنتجات والخدمات بقيمتها الحقيقية. يشوه سوء التمثيل هذا أساسيات ومحفّزات المؤسسات العامة وحتى الخاصة ويعمل على قلبهم إلى قشور فارغة معتمدة على سخاء يأتي من أعلى كي يستمروا، بدلًا من توفير قيمة حقيقية وكسب ثقة العامة.

للأسف، تم ابتلاء العالم العربي بهذه الفقاعة الاقتصادية بدرجات متفاوتة لمدة 60 سنة على الأقل. حتى البلاد التي لا تمتلك مخزونًا كبيرًا من النفط، مثل مصر وسوريا واليمن، قد خضعت للعنة النفط عبر الواردات النفطية الرخيصة والمنح والمعونات وتحويلات مواطنيها العاملين في الدولة المجاورة الغنية في بالنفط.

اتبعت الحكومات، حتى الآن، نموذجين حقيقيين استطاعت من خلالهما تخفيف الآثار السيئة للعنة الموارد الطبيعية. طوّرت النرويج، على سبيل المثال، نموذجًا لإدارة جميع مواردها النفطية عبر هيئة مستقلة أوكلت إليها مهمة جمع وإدارة الموارد التي تأتي من مبيعات النفط بطريقة شفافة وجيدة الحكم بأهداف محددة مثل استثمار أغلبيتها في "صندوق الجيل التالي" وتمويل مواد محددة في ميزانية الحكومة. تبنّت ألاسكا نموذجًا مختلفًا يقوم المواطنون عبره بتلقي مدفوعات مباشرة لجزء من الإيرادات التي تتلقاها الدولة من امتياز النفط، ويذهب الباقي إلى تمويل برامج حكومية محلية محددة تحوّل تلك الأموال إلى دخل للمواطنين قابل للصرف ولفرض الضرائب عليه بدلًا من تحويله لأداة تشويش على التكاليف والقيم.

لكن لم يتخذ العالم العربي مثل هذه الأمثلة ولم يطوّر نموذجًا صالحًا من نفسه. إن أغلب الدول العربية، حتى الآن، تعطي ضمانات للتوظيف العام والدعم الشامل غير الهادف لعدد من الخدمات العامة مثل التعليم والرعاية الصحية والكهرباء والأغذية الأساسية، وذلك موقف مالي غير قابل للاستمرار على المدى الطويل مما يخلق ديناميكية اقتصادية مشوّهة بشدة وغير تنافسية ومهدرة وفاسدة حيث يمكن للمرفّهين أصحاب الصلات الاستفادة بينما يحيا غيرهم على فرص متناقصة وبقايا.

مع أن هناك العديد من الأسباب التي تدفع إلى تطوير هذا الهيكل الاقتصادي المحاط بتأثيره السلبي على الإطار الاجتماعي والسياسي في المنطقة، إلا أن السبب خلف عدم جدية الإصلاحات يبقى ببساطة سياسيًا بشكل حصري.

ترى المنطقة أن المساس بالأمر الواقع انتحار سياسي. أي محاولة للتسبب في تغيير ذي معنى يمكن ضمنيًا أن يتسبب في غضب واحتجاجات على مستوى واسع مما يؤدي إلى ثورات قد تقلب الحكومات. وضعت الدائرة التي تتوسع من اعتماد أجزاء كبيرة من السكان على طعام وطاقة وتعليم وصحة أرخص وذات مستوى منخفض بالإضافة إلى حيز أضيق وأكثر ضحالة من الفرص في القطاع الخاص بالنسبة لأفاق التوظيف، وضعت القيادة السياسية في مأزق.

هناك بالطبع، بالإضافة لنموذجي النرويج وألاسكا، عدد من الاختيارات السياسية التي يمكن أن تتعامل مع هذه القضايا بطريقة موزونة وتراتبية ومسالمة: برامج دعم تحويل الأموال المحددة وخلق بيئة أعمال أفضل وتحسين النظام التعليمي لمواءمة احتياجات القطاع الخاص وبرامج أكثر إبداعًا لبناء القدرات البشرية ولتشغيل الشباب وإدارة أفضل للموارد وآليات توزيع للثروة أكثر شفافية وتكامل اقتصادي أعمق بين الدول العربية وصرف عام أكثر فاعلية وتوجيهًا واستراتيجيات استثمار. إن المنطقة، للأسف، ما تزال تعاني من نقص الشجاعة السياسية لاستغلال ذلك كله.

أحد الاختيارات السياسية الممكنة التي من الممكن اختبارها هي تحويل جزء من إيرادات النفط إلى دخل للمواطنين عبر تحويل أموال مباشرة بدلًا من إخفاءها في صورة دعم. ستجعل هذه السياسة الأفراد مسؤولين عن أموالهم وستقلل من الهدر والفساد والتكلفة وتشويش القيمة في الاقتصاد. إن استهداف مثل هذه التحويلات المالية لتوجيهها في قطاعات معينة وأنشطة اقتصادية ومجموعات دخل سيخلق زخمًا إيجابيًا يمكن أن يكون له تأثير مضاعف عبر الاقتصاد ككل.

يستوجب مفتاح كل هذا أن تختار القيادة السياسية حزمةً من السياسات وتعزز قدراتها على توصيلها بفاعلية للسكان بطريقة ذات مصداقية وشفافية وبالتالي توليد الثقة العامة التي يحتاجونها كي تدخل في حيز التطبيق.

هناك، بمعنى آخر، احتياج ملح لرؤية استراتيجية على جانب القيادة السياسية والجمهور عامة. يجب على كل منهما أن يدرك إلحاح هذه القضايا والاحتياج لتطبيق السياسات الاقتصادية وتجاوز المنحنى. إن تجاهل هذه المشاكل الاقتصادية المنهجية لأطول من ذلك لن يولد سوى الإحباط – خاصة بين العدد الضخم من السكان الشباب في العالم العربي الذين يقدرون بحوالي 65 بالمئة من عدد السكان والذين لعبوا دورًا محوريًا في الانتفاضات العربية عام 2011 - وسيتسبب في الاضطرار للتعامل مع التغيرات كثورات سياسية أو كتمرد.

إن الإطار الاقتصادي العربي ككل وعلى مستوى كل دولة بشكل منفرد، بالرغم من الاعتبارات السياسية والأكاديمية والجدل حول ذلك، يحتاج إلى تعديل جاد مع إصلاحات دراماتيكية عاجلًا وليس أجلًا. بينما تقترب دولًا مثل الولايات المتحدة من الاستقلال في مجال الطاقة وبينما تصبح مواضيع التغير المناخي أكثر إلحاحًا في الدوائر السياسية فإن التغيرات الدرامية في عصر النفط ستقلل من قدرة الدول العربية على الاستمرار في اعتمادها الأعمى على الإيرادات التي تولدها. الخيار الآن هو إمّا أن يتكيفوا بأنفسهم أو أن يجبروا على ذلك لاحقًا على الرغم منهم.

إن الطوق المطاطي المشدود بين الواقع الاقتصادي في المنطقة وإطار الحوكمة الاقتصادية والاجتماعية يكاد يصل إلى نقطة قطعه. الضغط الإضافي للإصلاح المؤجل والعائدات النفطية المتناقصة وانعدام التنوع الاقتصادي والفرص لا يمكن إلا أن يؤكد أنها سترتد بطرق عنيفة وغير متوقعة عاجلًا وليس أجلًا.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب