تنظيف فوضى أوباما الاستراتيجية

مقال رأي

يأتي الرؤساء إلى السلطة وفي نيتهم نصرة الأجندة المحلية. ورئيسنا القادم لن يكون مختلفا. لكن للأسف، بقية العالم لا يقنع بأن يظل في خلفية الصورة. فالأصدقاء والأعداء يريدون أن يعرفوا موقف المكتب البيضاوي الجديد منهم. وبعضهم سيهم باختبار همة الإدارة الجديدة.

ويمكن أن يؤدي ذلك إلى نتائج سيئة. وبالنسبة للرئيس جديد، فإنه من المنطقي أن يأتي إلى العاصمة ومعه خطة تساعده على أن يتصرف على نحو فعال وليس كرد فعل، سواء في الداخل والخارج.

إن الولايات المتحدة قوة عالمية لها مصالح عالمية. ورعاية تلك المصالح يتطلب عناية مستمرة. وغالبا ما تؤثر تلك المصالح الأجنبية على الشؤون الداخلية. حتى لو أراد البيت الأبيض تقسيم المصالح الداخلية والخارجية في مكانين منفصلين والعناية بهم كيفما يريد الرئيس، فلن ينفع هذا النهج. يجب أن يكون للبيت الأبيض خطة.

الأمل ليس خطة. يمكن لمن يكسب الانتخابات عام 2016 أن يأمل أن يظل العالم هادئا لبضع سنوات حتى يتمكن الفريق الجديد من إعادة هيكلة الضرائب، والميزانيات، والرعاية الصحية، واللوائح البيئية والاستحقاقات. ولكن، هذا لم يتحقق لأي رئيس في العصر الحديث. والجيدين منهم لم يعتقدوا أبدا أن هذا قد يتحقق.

مثال على ذلك: دوايت ديفيد أيزنهاور. لقد دخل إلى المكتب البيضاوي بعد عمر عاشه في التجنيد. كانت الحرب الباردة على أشدها. وتوقع معظم المراقبين أن أيزنهاور سيكون مهووسا بالسياسة الخارجية والدفاع. لكن الأولوية الاولى له كانت الشؤون الداخلية. كان يخشى أن مواجهة الروس ستكون عامل تشتيت ضخم. وقال معربا عن أسفه لمساعده ايميت هيوز "إلام تقودنا (تلك الحرب)؟".  وأضاف: "في أسوأ الأحوال إلى حرب نووية. وفي أحسن الأحوال، لسرقة ثمار كدح كل شعب وأمة على وجه الأرض."

ومع ذلك، كان أيزنهاور أكثر واقعية من أن يعتقد أن بإمكانه المضي قدما دون وجود خطة من شأنها أن تقنع العالم انه جاد بشأن التهديد السوفياتي. شرع أيزنهاور في تنظيم "مشروع سولاريوم"، وكلف فريقه للأمن القومي بالعمل من خلال خيارات مختلفة للتعامل مع الحرب الباردة. غالبا ما يجرى تصوير هذه المبادرة بشكل خاطئ على أن الرئيس وقتها مال إلى البيروقراطية لمساعدته على التفكير في المشاكل الكبيرة. يشير إيفان توماس (في كتابه خدعة آيك: معركة الرئيس أيزنهاور السرية لإنقاذ العالم) وغيره من الباحثين إلى أن أيزنهاور كان يعرف ما يريد القيام به منذ البداية. كانت لديه خطة. كان "مشروع سولاريوم" تمرينا لجعل بقية هيئات الأمن القومي تعترف بمسار العمل الصحيح. توصل أيزنهاور أن كل الناس لديهم قابلية أعلى للموافقة إذا ظنوا أن تلك فكرتهم الخاصة. الفكرة هي أنه كانت لديه خطة. وقد جعل فريقه يقتنع بها.

بطبيعة الحال، مجرد وجود خطة ليس كافيا. فالعدو أيضا له رأي. عندما وصل جيمي كارتر لمنصبه، كانت هناك أيضا توقعات بأن رئاسته ستكون مهتمة بشدة بمجال الدفاع والسياسة الخارجية. فهو خريج أكادمية أنابوليس البحرية، وكان ضابط بحري مخضرم. ولكن في أعقاب حرب فيتنام، كان كارتر أكثر اهتماما ببناء الأمة هنا في الداخل. ومع ذلك، أخذ كارتر باقتراح أن يكون له خطة لإشراك مع العالم. كانت غير واقعية إلى حد كبير. فقد افترضت أن أعداء أميركا سيكونوا متعاونين إذا تصرف البيت الأبيض بلطف. وافترضت أن الولايات المتحدة يمكنها ببساطة أن تبتعد عن أجزاء معقدة من العالم –من كوريا الجنوبية وأمريكا اللاتينية إلى الشرق الأوسط وأفريقيا – وذلك إذا تعقدت الأمور بشدة.

وأدت الأزمات المتوالية إلى ذبول تفاؤل كارتر بسرعة. ويفصل التاريخ الرسمي للعلاقة بين الرئيس وهيئة الأركان المشتركة الذي كتبه ستيفن ريردون وكينيث فولكس تفاصيل كيف أن حرص الرئيس على تنفيذ استراتيجيته تباين بشكل متزايد مع واقع فشل سياسة الولايات المتحدة.

عانت خطة كارتر من خطأ فادح. فقد وضعت من أجل العالم الذي يريده وليس العالم الموجود بالفعل. في استعراضه لكتاب لورانس لورانس فريدمان "الاستراتيجية: تاريخها" يصف اتش. آر ماكماستر هذه الحالة باسم "الميل إلى الافتراض بأن الأعداء والخصوم سيتعاونون مع الخطط، وبالتالي ضمان التقدم الخطي نحو الأهداف الاستراتيجية."

إذن على خطة الرئيس أن يتمكن من النجاح في بيئة تنافسية حيث تثير الأفعال ردود أفعال.

وحتى الخطة السليمة ليست كافية. فالقيادة أمر مهم. ويتطلب دفع خطة إلى النجاح وجود التزام - بما في ذلك مشاركة كافية ورقابة من الأعلى. وتوضح دراسة هنري منسبيرج الكلاسيكية "سقوط التخطيط الاستراتيجي المرتفع" كيف أن وجود استراتيجية متينة دون انخراط زعيم كبير هي استراتيجية مصيرها الفشل. إن الخطوات التي يصفهها مهمة للرؤساء بقدر أهميتها  لكبار رجال الأعمال في الشركات.

وعلى النقيض من كارتر، جاء رونالد ريجان إلى السلطة مع فكرة متطورة توجهه حول كيفية التعامل مع السوفييت، والالتزام بدفعها إلى النجاح هذا العمل والاستعداد لمراجعتها حسبما تقتضي الردود السوفيتية. كما يوضح المؤرخ جيمس ويلسون في كتابه "انتصار الارتجال"، فالقدرة على التكيف والابتكار من قبل "الأفراد الذين يقفون في موقع السلطة أنهت نصف قرن من الحرب الباردة تقريبا وشبح محرقة نووية". وكان استعداد ريجان للانخراط في الأمر وقضاء ما يكفي من وقت ومواهب رئاسته في جدول أعمال الشؤون الخارجية هو الذي أدى إلى نجاحات على الجبهة الداخلية والخارج.

لذلك عندما يتعلق الأمر بالشؤون الخارجية والدفاع، فإن الرئيس القادم يحتاج لخطة - خطة جيدة- والتزاما لا يتزعزع بإدارتها جيدا.

ستكون عملية وضع خطة السياسة الخارجية الصحيحة للبيت الأبيض القادم عملا مهما.

فأمريكا تقف في مكان غريب. لا يرى الأميركيون المستقبل بوضوح أو بثقة، سواء في الداخل أو الخارج. انهم يريدون تغييرا-على الرغم من عدم وجود إجماع على ما يجب أن يبدو عليه التغيير. أنهم لا يريدون أن يقتلهم الأعداء الأجانب في أسرتهم. انهم يريدون من رئيسيهم أن يحيميهم، ولكنهم يريدون أيضا السلام والرخاء والحرية هنا في الداخل. إنهم لا يريدون أن يكونوا متدخلين، ولا منعزلين.

لا يمكن لرئيس أن يحظى بولاية أكثر تناقضا.

إذا فالاستراتيجية التي من المرجح لها أن تنجح مع الرئيس القادم هي الاستراتيجية التي تسمح بمساحة كبيرة للعمل المحلي مقترنة بسياسة خارجية توضح النية لتأكيد زعامة الولايات المتحدة-أي زيادة قدرات الولايات المتحدة العسكرية ومشاركتها البناءة.

إلا أن منافسي أميركا من غير المرجح أن يقفوا مكتوفة الأيدي مثل ضارب الكرة الذي ينتظر رامي جديد في عملية الاحماء. سيحتاج الرئيس إلى استراتيجية "فجوة" لمساعدة البلاد منذ وقت تولي الإدارة الجديدة لمهام منصبهها، حتى ذلك الوقت عندما تمتلك في أيديها كل أدوات السلطة الوطنية مرة أخرى وتجعلها تسير بأقصى سرعة.

على سبيل المثال، فإنه من غير المحتمل أن الرئيس الجديد يمكن أن يبدأ مع الزيادة التي تصل إلى الضعف في الإنفاق على الدفاع، كما فعل رونالد ريجان في ولايته الأولى. ومع ذلك، فإن الرئيس الجديد يحتاج لوضع علامة توضح إعادة الاستثمار الكبير في الجيش الامريكي.

وهذا يمثل التحدي الحقيقي للرئيس القادم. فجعل كل شيء أولوية لايجعل شيئا هو الأولوية، لذا يجب أن يكرس رئيسنا القادم اهتماما كافيا لإعادة تأكيد الزعامة العالمية الأمريكية، دون أن يلهى عن مهمة إعادة تحويل هذه الأمة إلى أرض حقيقية للفرص.

وللوصول إلى استراتيجية "فجوة" جيدة يجب التقاط المبادرات الأكثر تأثيرا التي تطمئن الاصدقاء والحلفاء وتجبر المنافسين على إعادة حساباتهم.

ومن شأن تقييم نزيه لنقاط القوة والضعف والتهديدات والفرص التي تقف أمام الولايات المتحدة أن تسلط الضوء إلى حيث تحتاج البلاد أن تركز جهودها. وفيما يلي ستة مجالات رئيسية:

التحالفات الدائمة

أهم ثلاثة أجزاء في العالم بالنسبة للولايات المتحدة هي أوروبا والشرق الأوسط وآسيا. وإعادة استثمار في العلاقات الرئيسية في كل من الثلاثة يتصدر جدول الأعمال. في أوروبا، لا تزال المملكة المتحدة هي مرساة أميركا للقارة. وتشاركها نفس القدر من الأهمية دول الشمال وبحر البلطيق وأوروبا الوسطى في المنتصف بين الشرق والغرب. وفي الوقت نفسه، اليابان وكوريا الجنوبية هي القوى التي تدعم أمريكا كقوة في آسيا والمحيط الهادئ. والعلاقات مع الهند واستراليا شديدة الأهمية للتعامل مع الصين. في الشرق الأوسط، تحتاج الولايات المتحدة إلى سلسلة من حلفاء يمكن الاعتماد عليهم من تونس إلى المغرب ومصر وإسرائيل والأردن والعراق ليكونوا بمثابة حواجز ضد تهاوي المنطقة.

سياسة سوق حرة للطاقة

يساعد وجود سوق حرة للطاقة على تسهيل الوصول إلى الموارد، ويزيل الحواجز التنظيمية المرهقة والمزدوجة، فضلا عن الدعم والعوائق التي تحول دون استغلال وتقاسم التكنولوجيات. والسماح للسوق بتحديد مستقبل الطاقة لدينا لن يعزز اقتصادنا فحسب ، بل سيؤدي إللى تقويض الدول التي تستخدم الطاقة كسلاح لابتزاز بلدان أخرى للحصول على تنازلات. وسوف يقلل أيضا من أرباح الطاقة التي تستخدمها الأنظمة البغيضة لتمويل السياسات الخارجية القائمة على زعزعة الاستقرار، ولقمع شعوبها.

مكافحة الإرهاب

الولايات المتحدة بحاجة إلى إحياء جهدها الذي يقر بخطر حركات التمرد الاسلامية العالمية، ويضمن سحق الهزائم في البلدان الاستراتيجية الرئيسية مثل العراق وأفغانستان.

إعادة بناء الدفاع

في البداية، يحتاج الرئيس القادم لتعزيز الاستعداد في جميع المجالات، وعكس تخفيض أعداد القوات البرية، وتسريع بناء السفن، وجلب بعض الاستقرار الى برامج الاستحواذ. ويجب أن تقوم وزارة الدفاع الأمريكية بمصاحبة هذا الجهد بأجندة إصلاحات جدية من شأنها أن توفر الكفاءات الحقيقية، مع تزايد القدرات.

روسيا والصين

سيتعين على الولايات المتحدة طرح استراتيجيات جديدة للتعامل مع هذه القوى. بالنسبة لروسيا، ينبغي أن تركز استراتيجيتنا على تهميش نفوذ موسكو في الشؤون الأوروبية. وبالنسبة للصين، نحن بحاجة إلى التوصل إلى استراتيجية إقليمية تجعل بكين أكثر حذرا حول التفكير في أنها يمكنها التحكم في منطقة آسيا والمحيط الهادئ دون العقاب.

أجندة حرية اقتصادية عالمية

للرجوع مرة أخرى وسط لعبة القوى، تحتاج أميركا نمو الاقتصادي قوي طويل المدى، يتمكن من التمويل العسكري وغير العسكري. وهذا يعني إزالة القيود التي تقيد الحرية الاقتصادية هنا في الوطن وتعزيز أجندة الحرية الاقتصادية في الخارج.

كانت تلك قائمة مهام صعبة للرئيس القادم. ولكنها تصنع استراتيجية من شأنها ألا تجعل أحدا يشك في أن أمريكا قد عادت لمجدها مجددا.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب