توني بلير: الفاشل في ترويج حقوق الإنسان والبارع في إثراء نفسه

مقال رأي

 

بعد عمله لقرابة ثمان سنوات كمبعوث خاص للسلام لقوى "اللجنة الرباعية للسلام في الشرق الأوسط"، المسؤولة عن التوسط في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، يقدم توني بلير استقالته، حسبما أفادت تقارير بسبب "علاقاته الضعيفة مع كبار مسؤولي السلطة الفلسطينية ومصالحه التجارية الممتدة".

بعد قرابة عقد من عمله كمبعوث خاص، يصعب تمييز أي جهود لبلير لتقريب الإسرائيليين والفلسطيين من تحقيق السلام. فالطرفان أصبحا أبعد من أي وقت مضى على جميع الجوانب، مع تنصل القادة الإسرائيليين بشكل صريح من "حل الدولتين" الذي تكونت اللجنة الرباعية لتحقيقه. ووصف مسؤول فلسطيني اللجنة أثناء فترة بلير في منصبه بأنها "عقيمة تماما". كما ضمن تقرير لمؤسسة "بروكينجز" أن دور اللجنة عادة ما تحول إلى مجرد المشاهدة في صمت".

لكن رغم فشله في التوسط لتحقيق السلام، نجح بلير بالفعل أثناء عمله كمبعوث خاص في تحويل نفسه إلى مدافع صريح وعالي الأجر عن بعض الأنظمة الاستبدادية الأكثر وحشية في العالم. فرئيس الوزراء الأسبق، والذي نصب نفسه سابقا كمؤيد للديمقراطية ومتمسك بمبادئها، بل وشن حربا لتحقيق الديمقراطية في العراق، يقود الآن شركة استشارات تفيد تقارير أنها حصلت على عشرات ملايين الدولارات مقابل تقديم أعمال استشارية للحكومات الديكتاتورية في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى.

العام الماضي، كشفت وثيقة مسربة حصلت عليها صحيفة "تيليجراف" البريطانية أن بلير قد قدم استشارته لحكومة نور سلطان نزارباييف الديكتاتورية في كازاخستان حول كيفية التخلص من آثار مذبحة نفذها النظام بحق محتجين عزل عام 2011، حيث تعاقد النظام مع شركة بلير ظاهريا لتقديم استشارتها حول مشكلات الحكم الرشيد، مثل الاصلاح القضائي، الفساد، الصحافة الحرة، وسلطة القانون. إلا أنه أثناء عمل بلير لحساب نزارباييف تدهورت أوضاع حقوق الإنسان في كازاخستان، حسبما أفادت مصادر عديدة. وصرح مدير منظمة "هيومن رايتس واتش" في آسيا الوسطى بشأن دور بلير في كازاخستان: "كان بلير غير مبالي تجاه من يعانون الانتهاكات وحفظ للنظام ماء وجهه قليلا أثناء تنفيذه لحملة قمعية خطيرة على حقوق الإنسان".

وفي أوج الإنقلاب العسكري المصري عام 2013، تدخل بلير مجددا لعرض تقديم دعمه لعصبة عبد الفتاح السيسي وتأييد إنقلابه، بل ووفق بعض التقارير، لقبول دور رسمي في النظام الجديد كـ"مستشار إقتصادي". ورغم انتهاكات حقوق الإنسان واسعة الانتشار والمستمرة من قبل حكومة السيسي، والتي شملت ارتكاب مذبحة بحق المحتجين السلميين عام 2013 تضاهي مذبحة "ميدان تيانامين"، إلا أن بلير استمر كأحد أكبر المؤيدين للحكومة المصرية. مشيدا بإبطال الجيش للديمقراطية بوصف الأمر "إنقاذ" للبلاد، ودعم بلير النظام بشكل معلن حتى مع تنديد منظمات حقوق الإنسان لأعمال القتل، التعذيب، والاعتقال بحق النشطاء الثوريين المصريين على يد الحكومة.

في وقت سابق من هذا الشهر، كشفت وثيقة مسربة أن شركة بلير كانت تحاول أن تتفاوض حول صفقة تجارية بقيمة 44,5 مليون دولار أمريكي مع الإمارات، حيث يرد أن الصفقة تتيح للإمارات الاستفادة من شبكة بلير الخاصة من النفوذ والعلاقات. إلا أنه في تلك الحالة، يبدو أن قلق بلير بشأن حقوق الإنسان– الذي يستشهد به كثيرا – قد تعارض مجددا مع مصالحه الشخصية لتواطئه مع حكومة تواجه انتقادات محرجة بسبب تعاملها الوحشي مع الخصوم السياسيين ونشطاء حقوق الإنسان.

بغض النظر عن مخالفاته الأخرى، نجح بلير دون شك في إمتهان وظيفة مربحة كـ"مستشار" واسع الانتشار يعمل في خدمة الحكومات المستبدة حول العالم. وبينما يحيط الغموض بصفقاته المالية، يقدر البعض بلوغ ثروته الشخصية 100 مليون جنيه استرليني (أكثر من 148 مليون دولار)، وهو رقم أنكره بلير قائلا: "ثروتي لا تساوي 100 مليون، ولا نصف ذلك المبلغ، ولا ثلثه، ولا ربعه، ولا خمسه، ولا حتى جزء ضئيل منه".

يبدو أن عمل بلير الاستشاري ذي الأجر المرتفع قد استزف مثاليته عندما يتعلق الأمر بحقوق الإنسان. فقد ميز بلير نفسه أثناء عمله رئيسا للوزراء كخصم ملتزم تجاه الأنظمة المستبدة، حتى مع شنه لحرب أودت بحياة مئات الآلاف تحت زعم نشر الديمقراطية. لكن أثناء حديثه الأسبوع الماضي في مؤتمر بالمدينة المصرية الساحلية السياحية شرم الشيخ، قال إنه من المهم أن نكون "واقعيين" بشأن أن تطوير الدول سوف يفتقد "النموذج الكامل للديمقراطية الغربية". كما قال بلير مؤخرا – بصدد المساعدة في تحمل المسؤولية في العراق، وبصدد إنزلاق العراق بعد الحرب إلى الفوضى والتطرف الديني – إنه "يجب أن نحرر أنفسنا من شعار أننا السبب في ذلك"، مع دعمه في ذات الوقت لعمل عسكري أوسع في المنطقة كحل للأزمة.

ومنذ مغادرته لمنصبه، استمر بلير في مناصرته للمزيد من المغامرات العسكرية، حيث قال إن "أقلية كبيرة وليست هامشية" من المسلمين تدعم الإرهاب، وإنه يجب نشر القوة العسكرية في "صراع متعدد الأجيال" ضد أمثال هؤلاء. كما رد بلير على الانتقادات القائلة بأن حروبه السابقة قد أسهمت في ظهور التطرف الديني بقوله إن الإرهاب له "أسباب قوية للغاية داخل الدين الإسلامي"، وأن التطرف لم يكن مدفوعا بفعل أي قرارات خارجية اتخذها أثناء عمله رئيس للوزراء.

يبدو أن تلك التصريحات كانت متجاوزة للحدود حتى بالنسبة لنائب بلير أثناء عمله رئيس للوزراء، جون بريسكوت، والذي نسب تطرف بعض الشباب المسلمين إلى "الحملات الصليبية الدموية" التي شنها بلير في العراق وأفغانستان، مقترحا أن رئيس الوزراء الأسبق "يجب أن يرتدي معطفا أبيض وصليب أحمر" إن أراد الاستمرار في مناصرته لتلك الصراعات.

ورغم استقالة بلير حاليا من منصبه كـ"مبعوث سلام" بالشرق الأوسط، إلا أن سخرية القدر تتجلى في اختيار شخص مثل بلير – لعب دورا أساسيا في إشعال المنطقة ولم يعتذر حتى عن ذلك – لشغل ذلك المنصب. ورغم تاريخه الطويل مما يمكن وصفه فقط بالحماقة والعار، يستمر بلير لسبب غير مفهوم في الحصول على الإشادة عبر توليته مناصب دبلوماسية مرموقة، إشراكه في محادثات رفيعة المستوى والترتيبات التعاقدية المربحة مع الحكومات الأجنبية. كما يبدو بلير مستعدا للاستمرار في المجال العام. فحسبما صرح في ديسمبر: "لدى الكثير من الطاقة. وأشعر بملائمتي الشديدة. من المستحيل أن أتقاعد وألعب الجولف. أنتم تنظرون إلى شخص مثل هينري كيسنجر، عمره 91 ولا تزال قوته تنمو ... هؤلاء هم مثلي العليا".

 

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب