جاسوس ضد جاسوس: أمريكا وإسرائيل

مقال رأي

(ملحوظة: spy Vs spy - جاسوس ضد جاسوس - كارتون عن جاسوسين متنافسين وحمقى يُنشر في مجلة MAD - المترجم)

 

ها هو يوم آخر وكشفٌ آخر من إمساك الولايات المتحدة وإسرائيل بخناق بعضهما البعض بشأن المفاوضات لوضع حدٍ لبرنامج إيران النووي. هذه المرّة تحصل وول ستريت جورنال على السبق: اكتشف المسؤولون الأمريكيون أثناء تجسسهم على إسرائيل أنها كانت تتجسس على المفاوضين الأمريكين ثم تتقاسم هذه المعلومات مع صُنّاع القوانين في واشنطن لتقوّض أي مساندة للصفقة المُفترضة مع طهران.

الجانب الخاص بتبعات القصة - أن الولايات المتحدة تتجسس على منافسٍ كان بدوره يتجسس عليها - لا يجب أن يثير الكثير من الدهشة. إنّ قيادات إسرائيل والولايات المتحدة قضت عقودًا في إعلان أن هناك علاقة خاصة بين البلدين ولكن أجهزتهما الأمنية ترى بعضها البعض بالمزيد من الشك. حسبما ورد في العديد من الكتب وعند مسؤولين سابقين وحسابات إعلامية فإنّ إسرائيل تقوم بمجهودات تجسس ضدَّ الولايات المتحدة أكثر إلحاحًا من أي دولة أخرى على الكوكب. تُعرف معلومات أقل من ذلك عن الجهود الأمريكية للتجسس على إسرائيل مع أنه من المؤكد أن واشنطن تجمع معلومات استخباراتية عن حليفتها المفترضة بكثرة وكثافة – خاصة مع قلق البيت الأبيض من ضربة إسرائيلية استباقية على المنشأت النووية الإيرانية.

في وثيقة صادرة من وكالة الأمن القومي تم الإعلان عنها في العام الماضي، لاحظت الوكالة أن "الإسرائيلين شركاء جيدين لنا" في مجال استخبارات الإشارات أو التقاط البيانات. لكن الوثيقة أضافت "أنهم يستهدفوننا كي يعرفوا بموقفنا من مشاكل الشرق الأوسط. إنّ التقديرات الاستخباراتية الوطنية للعام 2013، في واقع الأمر، "صنّفت إسرائيل كثالث أكثر وكالات الاستخبارات عنفًا ضدّ الولايات المتحدة". ووضع هذا التصنيف إسرائيل بعد روسيا والصين فقط.

استهدف التجسس الإسرائيلي ضدَّ الولايات المتحدة قاعدتها الصناعية. وكما يقول سكوت جونسون في أحدث أعداد فورين بوليسي فمن المرجّح أن إسرائيل قد حصلت على اليورانيوم الذي تحتاجه لبداية برنامجها النووي من مفاعل بنسلفينيا. تم القبض على مواطنين آخرين، في أحيان أخرى، وهم يسرقون تكنولوجيا تُستخدم في صناعة أنابيب بنادق المدفعية كما تم اتهام عملاء إسرائيلين أيضًا بسرقة أنظمة استطلاع من مقاول أمريكي وقيل إن جواسيس إسرائيلون حصلوا على مواد عالية التقنية تستخدم لتغليف الصواريخ.

أصابت حملة القدس الاستخباراتية المتكررة المسؤولين الأمريكيين بالقلق الشديد لدرجة أنهم عارضوا بقوّة مجهودات في كابيتول هيل لتضمين إسرائيل في نظام السفر بدون تأشيرة والذي يخشى الجواسيس الأمريكون أنه سيسهل سفر العملاء الإسرائيلين إلى الولايات المتحدة.

قال مساعد سابق في الكونغرس للنيوزويك "إذا أعطيناهم الحريّة في إرسال الناس إلى هنا كيف سيمكننا أن نوقف ذلك؟ إنهم عنيفون بشدّة في جميع جوانب علاقتهم بالولايات المتحدة ولماذا سيكون هناك اختلاف في علاقتهم الاستخباراتية؟"

تنفي إسرائيل بقوّة القيام بعمليات تجسس ضدّ الولايات المتحدة. قال وزير الدفاع الإسرائيلي، موشي يالون، يوم الثلاثاء، "لا يوجد شيء من نوع تجسس إسرائيل على الأمريكيين".

تدور أشهر حالات التجسس بين هذين الصديقين حول جاسوس اسمه جونثان بولارد الذي حُكم عليه بالسجن مدى الحياة، في العام 1987، لسرقة كنز من الأسرار الأمريكية وتقديمها لإسرائيل. يقول المدافعون عن بولارد إنه لم يفعل أكثر من توفير معلومات لإسرائيل تحتاجها في الدفاع وأنّ القدس كان يجب أن تتلقى هذه المعلومات من واشنطن عبر قنوات رسيمة. طالبت الحكومة الإسرائيلية مرارًا بالإفراج عنه وينظر لبولارد على أنه بطل قومي في بعض الدوائر في إسرائيل.

بينما يراه الجواسيس الأمريكيون وخبراء الأمن بشكل مختلف تمامًا. قال الأدميرال المتقاعد، توماس بروكس، الرئيس السابق للاستخبارات البحرية، لفورين بوليسي، في العام الماضي، عندما طرحت فكرة إطلاق سراح بولارد كحافز محتمل كي تقدم إسرائيل تنازلات في محادثات السلام مع الفلسطينيّين، "أغلب ما تم أخذه على عكس ما يريدون منّا أن نعتقد، لم يكن به شيء يخص الدول العربية أو أمن إسرائيل، لكن كانت له كل الصلة بالطرق الأمريكية في جمع المعلومات ويتضمن خاصّة ما يستخدم ضدّ الاتحاد السوفيتي".

من ضمن المعلومات التي هرّبها بولارد، بينما كان يعمل كمحلل معلومات مدني في البحرية، كانت المعلومات التقنية المتعلقة بأقمار التجسس الأمريكية وتحليل لنظام الصواريخ السوفيتي ومعلومات حول أنظمة ناسا الاعتراضية.

قال جون دافيت، من قدامى العاملين بالوزارة العدل ورئيس وحدة الأمن الداخلي الأسبق بها، للنيو يورك تايمز، في العام 1985، "عندما تم الكشف عن قضية بولارد كان الانطباع في الإعلام العام وفي التصور الشعبي أن هذه كانت المرّة الأولى التي يحدث فيها ذلك. لا. هذا ليس حقيقيًا على الإطلاق. عندما كنت في وزارة العدل كانت المخابرات الإسرائيلية الثانية في النشاط في الولايات المتحدة"، بعد الاتحاد السوفيتي.

في لحظات أخرى من علاقة الدولتين، أدارت الولايات المتحدة قدراتها المميزة في جمع الإشارات الاستخباراتية على إسرائيل.  اجتمعت القوات السورية والمصرية، في العام 1967، على الحدود الإسرائيلية وتدفق قادة البلد إلى واشنطن يطلبون الدعم العسكري في حالة الحرب. لكن كذب هؤلاء المسؤولين على نظرائهم الأمريكين بإخفاء حقيقة أن إسرائيل خططت لضربة استباقية على غرمائها العرب.

قامت وكالة الأمن القومي، لتحسين قدرتها على مراقبة الوضع، بإرسالة سفينة، يو إس إس ليبرتي، لتطوف بالشواطيء الإسرائيلية والمصرية. استطاعت السفينة التي كانت مغطّاة بهوائيات وأطباق اتصال التقاط أي إشارة إلكترونية تتحرك عبر الهواء في محيطها العام.

تحرّكت القوات الإسرائيلية نحو مصر وأنزلت هزيمة مدمّرة بقوات جمال عبد الناصر. كانت ليبرتي بعيدة عن الشاطيء وتلتقط الاتصالات العسكرية الإسرائيلية بينما تقوم تلك القوات بإعدام الكثير من الجنود المصريين بدون محاكمة حسبما قال الصحفي والكاتب في فورين بوليسي، جيمس بامفورد، في كتاب: كتلة من الأسرار.

كان الإسرائيليين مدركون بأن السفينة تتنقل في البحر المتوسط وأطلقوا هجومًا جويًا على السفينة مطلقين عليها النار من طائرات نفاثة وقاموا بقصفها من قوارب طوربيد مما نتج عنه قتل 34 أمريكيًا. تصمم إسرائيل أنه قد اختلط الأمر على قواتها الأمر وظنّت السفينة سفينةً مصريةً وهو تفسير لا يصمد أمام الفحص كما يشرح بامفورد باستفاضة. قامت القوات الإسرائيلية، قبل الهجوم، بمراقبة السفن التي كانت ترفع العلم الأمريكي، بكثرة، واقتنع مسؤولون في وكالة الأمن القومي أن الهجوم كان متعمّدًا. توصّلت مراجعة لوكالة الأمن القومي بعد 15 عامًا من الهجوم إلى نتيجة أنه "يجب على الأقل شجب الهجمة كعمل عسكري متهور يعكس عدم اكتراث وحشي بحياة الناس".

وفي لحظات أخرى من التاريخ عمل الجواسيس الأمريكيون والإسرائيليون كيدٍ واحدةٍ مع بعضهم البعض. إسرائيل هي من وفرت لجيمس أنغلتون، صائد الجواسيس الشهير في السي اي ايه، نسخةً من خطبة نكيتا خورشوف السرّيية لعام 1956 والتي استنكر فيها جوزيف ستالين وعبادة الفرد المحيطة به. الحصول على هذه الوثيقة ونشرها كان أول انتصار كبير للسي اي ايه في الحرب الباردة. وعمل جواسيس أمريكيون وإسرائيليون معًا على عملية الألعاب الأولمبية والتي زرعت فايروس ستوكسنت بنجاح في حاسبات التحكم الصناعي الإيرانية ودمّرت بعض أجهزة الطرد المركزية المستخدمة في تخصيب المواد النووية.

تبدو هذه المواقف استثناءً للقاعدة مع ذلك. فقد عادت القدس وواشنطن، حتى الآن على الأقل، للروتين المعتاد بينهما: التجسس على بعضهما البعض.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب