جيش سري يتحدى السيسي

مقال رأي

 

منذ الإنقلاب العسكري المدعوم شعبيا عام 2013، جمعت الحكومة المصرية خصومها بشكل ممنهج ووضعتهم خلف القضبان. لم ينحصر الخصوم بفئة أو اتجاه محدد، بل اعتقلت الحكومة مدونين، قادة الحركات الشبابية، قادة دينيين، وصحفيين. إلا أن احدى المجموعات المعارضة تمكنت من الإفلات من شباك الحكومة. يطلق أعضاءها على أنفسهم "التراس نهضاوي". إنهم سريون، على درجة عالية من التنظيم، وتنمو أعدادهم على نحوٍ سريع.

تشتهر مصر بمجموعات الالتراس، إنها مجموعات ضخمة من مشجعي فرق كرة القدم المتعصبين، والذين يتواجدون عادة وسط أحداث الشغب. ولكن نهضاوي ينتمون إلى نوع مختلف من الالتراس. فبدلا من توحدهم حول حبهم الشديد لفريق كرة قدم، يجمعهم دعمهم للرئيس المعزول محمد مرسي، ورغبتهم في إعادته – وتنظيم الإخوان المسلمين – إلى سدة الحكم. يقول العضو المؤسس للمجموعة محمد فيصل: "التراس نهضاوي هو أول مجموعة التراس ذات توجه سياسي في الشرق الأوسط"، وتابع: "نحن ننظم احتجاجات مناهضة للإنقلاب ومنددة بالظلم. لا نستطيع ان ندعو هذه مصر بعد الآن، إنها دولة السيسي، ونحن نقاتل لاسترجاعها".

يمثل فيصل عضو التراس نموذجي، فهو شاب – 18 عاما – وفقير ومتدين، ولم يعد لديه ما يخسره. خلال العام ونصف الماضيين، شهد اعتقال الشرطة للعشرات من أصدقائه لتظاهرهم ضد الإنقلاب العسكري. هو نفسه تم فصله من جامعة القاهرة أكتوبر الماضي لاشتباكه مع فرد أمن إثر تظاهرة داخل حرم الجامعة، واستقال حاليا من عمله كمساعد متخصص صيانة تكييفات. في يناير الماضي، لقى أخو فيصل – الذي كان عمره 21 عاما – مصرعه، بعد إطلاق النار عليه مرتين في مظاهرةٍ في المطرية. بل وشهد مقتل العديد من أصدقائه على يد الشرطة في شهر فبراير، في أحداث شغب خارج مبارة كرة قدم. ببساطة، لم يعد لديه ما يخسره.

بالنسبة لفيصل وللآلاف مثله، يطرح التراس نهضاوي هدف، شبكة دعم، ووسيلة لجعل أصواتهم مسموعة. يعلق حازم محمد، أحد أعضاء الالتراس من الجيزة: "تعرض أصدقائي للقتل والاعتقال واحدا تلو الآخر"، وتابع: "رأيت أن الظلم قد تفشى في كل مكان فأردت أن أفعل شيئا .كان الالتراس يفعل شيئا".

تشكلت مجموعة التراس نهضاوي في أواخر عام 2012 كرد فعلٍ على حركةٍ متصاعدةٍ مناهضة للرئيس الأسبق محمد مرسي. يروي فيصل: "بدأ الأمر بمجموعة قوامها حوالي 50 فردا، كنا قد تعرفنا على بعضنا في اعتصام". وتابع: "وجدنا بعضنا لأننا كنا الأعلى هتافا. ولما وجدنا أننا جميعا شباب ونحب الكرة ونتشارك نفس المعتقدات، قررنا أن نكون تنظيما. في البداية أطلقنا على أنفسنا "التراس مرسي". كانت الفكرة في البداية استخدام شبكات التراس فرق كرة القدم في حشد الدعم لمرسي. بدأ التنظيم صغيرا ولكن عدد أفراده تصاعد بشدة بعدما فض الجيش بوحشية الاعتصامات المناصرة لمرسي في ميداني رابعة العدوية والنهضة، ما نجم عنه مقتل ما يصل إلى 1000 شخص.

واستطرد فيصل: "قبل الفض كنا حوالي 1000 عضو، قُتل منهم 10 في اعتصام النهضة ولذلك غيرنا اسمنا إلى التراس نهضاوي تكريما لهم. لاحقا ازداد عددنا إلى 10 آلاف عضو بسرعة شديدة".

قالت وفاء البنا، حفيدة مؤسس تنظيم الإخوان المسلمين حسن البنا، إن التراس نهضاوي لعبوا دورا حاسما في حشد المعارضة للجيش في الأيام التي تلت الإنقلاب. وعلقت: "كانوا مصدر معظم الشعارات والهتافات"، "وكانوا قادة معظم الاحتجاجات بعد فض ميدان رابعة. لقد قدموا أملا للشعب مثلما يفعلون تماما في كرة القدم. ما حدث في رابعة كان صنيعة الله، وكذلك الالتراس هم صنيعة الله".

ورغم حرص تنظيم الإخوان المسلمين على اجتذاب الالتراس إلى جانبهم، إلا أن البنا كانت حريصةعلى الإشارة إلى أن التنظيمين ليسا منتسبين لبعضهما رسميا. وأردفت: "من غير المعقول إلصاق اسم الإخوان المسلمين بكل من هو معارض للإنقلاب". وأضافت: "يمكن أن تكون مناصرا لمرسي وللشرعية دون أن تكون عضوا في الإخوان المسلمين".

وأوضح إتش إيه هيلير، الباحث السياسي وزميل مؤسسة "بروكينجز"، أن ذلك النوع من الخطاب كان أساسا لاستراتيجية الترويج الخاصة بالإخوان المسلمين منذ الإنقلاب العسكري، وهو الإشادة بالمعارضة مع رفض إعلان تباعيتها للتنظيم. وتابع هيلير: "الحقيقة هي أن الإخوان المسلمين قد خسروا الكثير في العام ونصف الماضيين وكل ما يفعلونه الآن يهدف إلى الحفاظ على ما يمثل "علامة تجارية (brand)".تلك العلامة التجارية داعمة للديمقراطية، ضد العنف، وضد التطرف، ولكن الالتراس لا يتوافق بشكل كامل مع هذه المتطلبات. لذلك ورغم اتفاق أفكارهما وأهدافهما، لن يرفع الإخوان المسلمون شعار التراس نهضاوي. واستطرد: "يتعلق الأمر كله بإعادة التوجيه، أي رفع رسالة معينة مع عدم تحمل مسؤوليتها".

إلا أن التنظيمات المعارضة الأخرى تعتبر كلا من نهضاوي والإخوان شيئا واحدا. نتيجة لذلك، هناك نقص ملحوظ في التعاون بينهم وبين التنظيمات المعارضة الأخرى الغير إسلامية، مثل حركة شباب 6 أبريل العلمانية. علق محمد نبيل، المتحدث باسم حركة 6 أبريل: "قد يكون كلانا معارض للحكومة الحالية لكننا لا نحمل نفس الأهداف". وتابع: "هدفي في 6 أبريل هو مقاومة الظلم أينما وُجد. بينما هم يسعون إلى عودة مرسي وهذا ليس هدفي نهائيا. بل إنهم في الواقع ضدنا لأننا لم ندعم مرسي".

رغم أن حركة شباب 6 أبريل تعتبر تنظيما معارضا أكثر رسوخا، استطاعت حكومة السيسي  إضعافه عبر سجن قياداته. إلا أن النظام الحالي عليه أن يتوصل إلى استراتيجية فعالة لإعاقة التنظيمات المشابهة لالتراس نهضاوي، والتي ليس لديها هيكل رسمي للقيادة. ولذلك تعتبرهم البنا أمل الحركة المعارضة للإنقلاب. حيث قالت: "سيأتي يوم وستحدث ثورة شعبية مجددا، لأن هذه الحكومة غبية وقد بدأ الشعب في إدراك ذلك"، وتابعت: "وعندما يحين ذلك اليوم، سوف يحتاجون لتطهير جميع مؤسسات الدولة من قادتها الفسدة وسيكون الالتراس من بين هؤلاء الذين يستبدلونهم. سيكونون بمثابة المحرك الذي يدفع القطار".

اليوم، لدى صفحة التراس نهضاوي الرسمية على (فيس بوك) حوالي 70 ألف عضو، بالإضافة إلى عشرات الأفرع والتشعبات في أكثر من 15 محافظة في أنحاء مصر. نمت تلك الأفرع من تلقاء نفسها وتعمل بشكل مستقل في الأغلب عن بعضها. ليس لديهم قائد أو تنظيم مركزي، ما سيصعب على الحكومة أن تقضي عليهم. وعندما تقرر الأفرع أن تتعاون مع بعضها البعض لتنظيم احتجاجات أكبر، تنتقل الخطط بشكل أفقي بين منسقي الأفرع، بدلا من أن تنتقل رأسيا عبر شبكة هرمية كبيرة.

يقول محمد مجدي، قائد فرع لقرية أبو رواش: "يعتبر الالتراس وسيلة تنظيمية للأفراد حتى نتحرك عندما يحين الوقت للتحرك". ويضيف: "أنا على اتصال بمنسق كرداسة، وهو على اتصال بمنسق الجيزة، وأحيانا نجتمع جميعا لتنظيم تظاهرة كبيرة. ولكن في الأغلب، ننظم فقط تظاهرات خاصة في قريتنا للاحتجاج على قتل واعتقال جيراننا وحتى نذكر عائلاتهم أننا لم ننساهم". وعلى عكس التنظيمات المعارضة الأخرى التي تدعو للتظاهر علانية عبر حساباتهم على مواقع (فيس بوك) و(تويتر)، يبقي تنظيم التراس نهضاوي مواعيد وأماكن احتجاجاته سرا عن الجمهور، وينشر تلك المعلومات شفاهية بين أعضاءه، فلا يصبح لدى الشرطة طريقة للاستعداد لها.

إلا أنه عندما تهاجم الشرطة تظاهراتهم، يعتمد التنظيم على مجموعة ثانوية من أعضائه في الاشتباك مع قوات الشرطة، إنهم "المجهولين". يقول فيصل: "المجهولون هم الأفراد الذين يواجهون الشرطة وجها لوجه. إنهم مجموعة من مقاتلي الصفوف الأولى مجهولي الهوية. لا أحد يعرف من هم، ولكنهم مسلحون وسيكونون عنيفين إن اضطروا لذلك".

تضمن حدة التحدي من قبل التراس نهضاوي أنهم سيكونون دائما تحت تهديد الهجوم أو الاعتقال. ولكن هؤلاء الشباب يعتقدون أنهم يدافعون عن دينهم، وواثقون أنهم ليس لديهم ما يخافونه. يقول سيد إبراهيم، عضو الالتراس من أبو رواش: "نحن نؤمن في ديننا أنه إذا مات أحد بيد الظلم، إذن فهو شهيد". ويتابع: "لذلك فعندما أذهب للتظاهر، اذهب متكلا على الله. لقد رأينا الموت. لقد واجهنا كل شئ، لم نعد خائفين". نتيجة لذلك، يبدو أن ردود أفعال الحكومة تلهب أنشطتهم بدلا من أن تردعها. يعلق فيصل: "كلما اعتقلوا شخصين، ينضم إلينا خمسة آخرون، وسنظل ننمو إلى أن تسقط هذه الحكومة".

 
مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب