حصري: جيوسياسيات مخزون الغاز البحري الإسرائيلي

مقال رأي

- تم افتتاح تدفق الغاز الطبيعي من خزان تامار الإسرائيلي في البحر الأبيض المتوسط ​​إلى مرفق استقبال أشدود في 30 مارس 2013، معلنا حقبة جديدة لقطاع الطاقة في إسرائيل. سوف تصبح إسرائيل ليس فقط دولة مستقلة قادرة على توفير احتياجاتها من الطاقة، ولكن من المرجح أن تصبح أيضا دولة مصدرة للطاقة بينما يتم تطوير حقول الغار البحرية التابعة لها.

- في 17 يناير 2009، تغير الاقتصاد الإسرائيلي، بل تغيرت مكانته الاستراتيجية، عندما اكتشف فريق بقيادة شركة تكساس نوبل إنرجي الغاز في حقل تامار في شرق البحر الأبيض المتوسط، والذي يقدّر أنه يحتوي على 9.7 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي. يتم تصنيف رؤوس بئر تامار، والتي تحتوي على غاز الميثان، على مستوى عال من النقاء، حيث بلغت قيمة إنتاج الطاقة لكل رأس بئر أكثر من أربعة أضعاف رؤوس آبار النفط السعودي. بعد ذلك بعامين، اكتشف نفس الفريق، بينما يحفر بضع عشرات من الكيلومترات الى الغرب، حقل غاز وحشي، يسمى لوياثان، وهو اسم على مسمى. ويقدّر الآن أن لوباثان يحتوي على 18 تريليون قدم مكعب، ويمكن أن يبدأ توريد الغاز في عام 2016.

- كان تامار هو فقط البداية. فكمية الغاز التي تم اكتشافها في البحر لاحقا تقزّم من حجم الطلب الإسرائيلي المتوقع لما لا يقل عن نصف قرن. حقل تامار وحده يمثل عقدين من الاستهلاك. على هذا النحو، فإن إسرائيل سوف تصبح مصدّرا صافيا للغاز. اكتشافات الغاز الإسرائيلية في شرق البحر المتوسط ​​تمثل فقط جزءا من حقول غاز جديدة في ما يسمى "حوض الشام"، والتي تضم المناطق البحرية الإسرائيلية والقبرصية واللبنانية وحتى أجزاء من المياه السورية. حوض الشام يمكن أن يحتوي 125 تريليون قدم مكعب.

- الوجهة الأكثر احتمالا على المدى القصير للغاز الطبيعي الإسرائيلي هي الأردن. فربط شبكة الغاز الإسرائيلية الناشئة إلى الأردن هو مسعى غير مكلف وبسيط نسبيا. ولكن من شبه المؤكد أن إسرائيل سيكون لديها كميات أكبر من ذلك بكثير للتصدير.

- نظرا لقربها الجغرافي، تبدو أوروبا سوق التصدير الطبيعي للغاز الإسرائيلي. وعلاوة على ذلك، فإن أوروبا تواجه أزمة في إمدادات الغاز الرئيسية بسبب انتشار عدم الاستقرار في الجزائر وبقية شمال أفريقيا. لكن آسيا قد تصبح وجهة التصدير المفضلة لإسرائيل. تتوجه الشركة الاسترالية، وودسايد، والتي استحوذت على حوالي ثلث الحق في حقل لوياثان، نحو تسويق الغاز في آسيا، وتتصور بناء محطة تسييل لخدمة تلك التجارة.

- تجربة اسرائيل الاخيرة مع مصر، والتي قطعت بشكل دائم نصف إمداداتها من الغاز الطبيعي لإسرائيل في أعقاب انهيار نظام مبارك، تشير إلى أن إسرائيل سوف تنظر بتوجس لأي مخطط لإرساء بنيتها التحتية الحيوية في بلدان خارج حدودها، مثل الأردن أو قبرص أو تركيا. وبالتالي، فمن المرجح أنه في نهاية المطاف سيتم تسييل الغاز على الأراضي الإسرائيلية وتصديره مباشرة عن طريق البحر إلى السوق المستهلِكة.

- يرى المسؤولون الإسرائيليون في خط أنابيب غاز طبيعي يمر عبر إسرائيل ويربط بين البحر الأبيض المتوسط ​​والبحر الأحمر بديلا لقناة السويس. ولكن بنية التصدير التي تعمل مباشرة من إيلات إلى الأسواق في آسيا ستواجه مشكلة استراتيجية وهي تزايد الوجود البحري الإيراني في البحر الأحمر. وسوف يتطلب ذلك من إسرائيل إقامة وتوسيع أسطول في البحر الأحمر فضلا عن التوسع الكبير في حجم وقدرات أسطولها في البحر الأبيض المتوسط.

 

في 17 يناير 2009، تغير الاقتصاد الإسرائيلي وبل وتغيرت مكانته الاستراتيجية. قام فريق بقيادة شركة تكساس نوبل إنرجي بالحفر تحت 5600 قدم (1700 متر) من المياه وتحت 16000 قدم (5600 متر) من الصخور والملح قبالة سواحل إسرائيل لاستكشاف إمكانية وجود بئر يسمى تامار في منطقة ترخيص ماتان. في ذلك اليوم، ضرب الفريق في العمق فاشتعل غاز الميثان، ليكتشف حقلا يقدّر حاليا احتوائه على حوالي 275 مليار متر مكعب (9.7 تريليون قدم مكعب) من الغاز الطبيعي. لمقارنة حجم الحقل إلى مقاييس الاستهلاك، يمثل الحقل أكثر من نصف ما تستهلكه دول الاتحاد الأوروبي ال27 سنويا، والذي بلغ ذروته في عام 2010 بنحو 522 مليار متر مكعب قبل أن تنخفض في عام 2011 و 2012، والتي يتم الآن استيراد حوالي 463 مليار متر مكعب منها سنويا. وعلاوة على ذلك، يتم تصنيف رؤوس آبار حقل تامار، والتي تحتوي على غاز الميثان، على مستوى عال من النقاء، حيث بلغت قيمة إنتاج الطاقة لكل رأس بئر أكثر من أربعة أضعاف أعلى من رؤوس آبار النفط السعودي.

في حين أن آثار هذا الاكتشاف، وما لحقه من اكتشافات، على الاقتصاد والموارد تصبح أكثر وضوحا يوما بعد يوم، إلا أنه حتى الآن لم تتم دراسة السياق الجيوستراتيجي أو الآثار المهمة المعقدة لهذه لاكتشافات بشكل كاف. وسوف يزيد هذا التعقيد وهذه الآثار بشكل كبير إذا - كما سوف نتعلم في وقت متأخر في عام 2013 - تم اكتشاف النفط تحت الغاز أو إذا أثبتت التكنولوجيات الجديدة التي تعد باستخراج الصخر الزيتي الإسرائيلي جديتها.

 

ما الذي تم العثور عليه وكيف يمكن فهمه؟

 

الاكتشافات قبالة سواحل إسرائيل وقبرص

بعد ما يقرب من عامين من العثور على حقل تامار الكبير، وبينما يحفر نفس الفريق بضع عشرات من الكيلومترات إلى الغرب منه، أُعلن عن اكتشاف آخر، هذه المرة كان حقل غاز وحشي، وهو ما سُمّي - بالصدفة ولكنه اسم على مسمى - لوياثان، ويقع على جانبي منطقة تراخيص راشيل وآميت. ويقدر الآن أن لوياثان وحده يحتوي على 18 تريليون قدم مكعب، وهو ما يعادل استهلاك أوروبا من الغاز سنويا. منذ ذلك الحين، كانت هناك عدة اكتشافات أخرى أصغر، ولكنها لا تزال كبيرة، مثل حقل القرش، والذي ربما يحتوي على حوالي نصف كمية الغاز (3 تريليون قدم مكعب) التي يحتوي عليها تامار، ومثل حقل الدولفين 1 الذي اكتشف في منطقة ترخيص حنّا في نوفمبر عام 2011، والذي قد يضيف تريليون متر مكعب أخرى لرصيد إسرائيل - وهي كمية صغيرة، ولكن مع ذلك لا تزال تكفي وحدها لتغذية احتياجات إسرائيل المحلية من الغاز لعدة سنوات. ويبدو أن هناك على الأفل تريليون متر مكعب أخرى من الغاز قد تم العثور عليها في حقل تانين (التمساح) في منطقة رخصة ألون. وهناك أيضا عدد آخر من الفرص الطبيعية غير المدروسة في مراحل مختلفة من الاستكشاف.

في قبرص المجاورة، تم اكتشاف حقل آخر (أفروديت) يضاهي حقل تامار - اكتشفته أيضا نوبل إنرجي. وهو يتاخم، بل إنه يصب قليلا في، مياه إسرائيل في سلسلة أخرى من الاكتشافات المحتملة في المنطقة المعروفة باسم "تراخيص السطحية". وتقترح العلاقة الإسرائيلية القبرصية المتنامية، فضلا عن التداخل بين بعض الاتحادات المشاركة في أنشطة التنقيب والإنتاج، إلى أنه من المعقول أن ننظر إلى الأصول والأنشطة الهيدروكربونية للبلدين على أنها ستصبح في الستقبل كلاًً واحدا متكاملا.

وباختصار، فإن إسرائيل وجارتها الجزيرة اليونانية يجلسان الآن على ما لا يقل عن 35-40 مليار متر مكعب من الغاز - تقريبا بقيمة سنتين من الاستهلاك الأوروبي - ولا تزال هناك مناطق استكشاف واسعة أمامهم. وبالفعل، أغلقت لجنة النفط في وزارة الطاقة والموارد المائية الإسرائيلية الباب أملم منح المزيد من تراخيص التنقيب في مياه إسرائيل حتى تنتهي تراخيص التنقيب الأربعين الحالية، والتي تغطي 65% من المياه الاقتصادية لإسرائيل. ولم تمنح إسرائيل أي تراخيص جديدة منذ مارس عام 2010. وبالإضافة إلى ذلك، لا تزال مياه قبرص غير مستكشفة إلى حد كبير. ففي الواقع، تم فحص كتلة واحدة فقط بشكل منتظم (الكتلة 12). ولم يبدأ منح مناقصات التنقيب في عدد آخر من الكتل قبل نهاية عام 2012، وتقدمت الشركات الدولية، مثل شركة توتال، هذه المنح.

 

ما قد لا يزال يوجد تحت السطح

في عام 2010، أصدرت هيئة المسح الجيولوجي بالولايات المتحدة الأمريكية تقرير تقدير للموارد. واستنادا إلى معلومات التقرير، والتي هي معلومات قديمة على الأرجح حيث صدرت قبل حتى أن يتم اكتشاف لوياثان، فإنه يقدر، حتى ذلك الحين، أن حوض الشام يحتمل أن يحتوي على ما يصل إلى 125 تريليون قدم مكعب من الغاز القابل للاسترداد - وهي كمية تعادل نحو عُشر احتياطيات روسيا المعروفة. حوض الشام هو ترسيم جيولوجي يشمل المناطق البحرية لإسرائيل وقبرص ولبنان وحتى أجزاء من المياه السورية. ويعتبر الغاز الطبيعي في مصر (والذي يتضمن عدة عشرات تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي) حوضا مختلفا، وكذلك أي اكتشافات محتملة في المياه اليونانية أو في المناطق شمال قبرص. وعلاوة على ذلك، في عام 2011 فحص فريق من علماء الجيولوجيا من معهد ماسيتشوتس للتكنولوجيا بيانات من حوض الشام وخلص إلى أن إسرائيل "يمكن أن تتوقع على الأقل 6 "لوياثانات" أخرى في مياهها الإقليمية" (في الوقت الذي كان يعتقد فيه أن لوياثان يحتوي على 16 تريليون قدم مكعب، أما اليوم فتشير التقديرات الى أنه يحتوي على 18 تريليون قدم مكعب). 1

ولكن لابد من الحذر. ففي حين أن التقارير الجيولوجية تظل مهمة، مثل تلك الصادرة عن هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية ومعهد ماسيتشوتس للتكنولوجيا، لكنها تعد في المقام الأول مؤشرات على إمكانات الحوض الكبيرة في ما وراء الاكتشافات التي أعلنت حتى الآن. هي في الواقع تخمينات علمية، ليست معتمدة على كميات مكتشفة، ولا حتى على ثقة من أنه على الأرجح أن تكتشف هذه الكميات فيما بعد، وقد لا تكون مبنية حتى على البيانات الأحدث والأكثر تطورا والناتجة الدراسات الزلزالية ثلاثية الأبعاد والحفر الاستكشافي الفعلي، والأخيرة تعد معلومات متفوقة تجمعها وتحفظها شركات التنقيب والإنتاج بنفسها. على هذا النحو، تنتبه شركات التنقيب والإنتاج لهذه التقارير - فهي تستحوذ على اهتمامها وتبرر لها تخصيص موارد لدراسة أكثر شمولا - ولكن قرارات الاستثمار والاستحواذ الفعلية تتم على أساس الاكتشافات والبيانات المعروفة، وليس بناء على تقديرات معهد المسح الأيديولوجي أو معهد ماسيتشوتس.

لا يزال التنقيب مجالا خاصا بالذين يتحلون بروح المقامرة، وليس الذين ينفرون من الخطر، لأنه حتى أكثر الفرص الواعدة يمكن أن يتضح أنها حفرة جافة، وحتى تقديرات التنقيب المستندة إلى الدراسات الزلزالية ثلاثية الأبعاد والتي تصل احتمالاتها إلى أكثر من 30 في المئة تعتبر تقديرات عالية جدا. في الواقع، فإن قصة اثنين من حقول الغاز المحتملة في إسرائيل تبين مدى خطورة الرهان حتى على احتمالات عالية في التنقيب عن الغاز. رخصة إيشاي، وهي جزء من مجموعة "تراخيص السطحية"، اتضح أنها ليست غنية بالغاز على الرغم من أن الدراسات الزلزالية ثلاثية الأبعاد أظهرت الكثير من الأمل وعلى الرغم من أن إيشاي تتاخم حقل أفروديت الكبير عبر خط المنطقة الاقتصادية الخالصة في قبرص. كما كان يعتقد في البداية أن ترخيصي ميرا وسارة يحتويان على 6 تريليون قدم مكعب وذلك بناء على الدراسات الزلزالية ثلاثية الأبعاد. وباختصار، فإن الإجراءات الملموسة - سواء كانت قرارا بالاستثمار تتخذه إحدى الشركات أو قرارا استراتيجيا تتخذه إحدى الدول - إذا اتخذت بناء على هذه الدراسات فهي إجراءات عالية المخاطر.

هذا ليس تقليلا من إمكان وقوع المزيد من الاكتشافات، وليس فقط من الغاز، ولكن النفط كذلك - وكثير من هذه الاكتشافات يمكن أن تكون مزلزلة ومغيرة لقواعد اللعبة بالنسبة لإسرائيل (بل ويحتمل أن تدفع إسرائيل إلى أن تصبح قوة عظمى منتجة للهيدروكربون). ولكن، ينبغي أن تستمر التحليلات الحالية للآثار الاقتصادية والاستراتيجية والسياسية للغاز في حوض الشام في التركيز على الاكتشافات المعلنة وأنشطة الاستكشاف الجارية والبيانات التي تم جمعها من قبل الشركات، وليس على التقديرات الصادرة من الحكومات أو من خارج قطاع النفط.

 

التاريخ والخلفية

حتى منتصف العقد الماضي، ملكت شركة بريتيش جاز معظم التراخيص في إسرائيل. ولكن في عامي 2005 و2006، باعت بريتيش جاز حقوقها ورحلت عن إسرائيل دون رجعة - على الرغم من أنه كانت هناك مؤشرات جيولوجية إلى وجود هيدروكربونات تحت الأعماق.3 وباعت أيضا ترخيص ماتان في عام 2005، وهو ما أصبح يعرف باسم احتياطي تامار، لشركة أفنير أويل آند جاز بقيمة دولار واحد فقط. نقلت أفنير أويل آند جاز في نهاية المطاف جزءا من حصتها لديليك إنيرجي (وأفنير وديليك كلاهما جزء من تكتل ديليك الأكبر المملوكة لإسحاق تشوفا) وباعت جزءا أكبر لشركة نوبل إنرجي المتحدة في عام 2006.

وكان قد تم العثور على الغاز في الحقول البحرية الصغيرة قبل عقد من اكتشاف تامار عام 2009، ولكن كمية الغاز في تلك الآبار الصغيرة ساعدت في توفير لحظة إغاثة - كانت جزئية فقط في ذلك الحين - لإسرائيل التي كانت تعاني من تبعية كاملة في قطاع الطاقة. الحقل الرئيسي - المعروف باسم ماري-ب - يحتوي على حوالي 1 تريليون قدم مكعب من الغاز (وهو تقريبا ما يحتويه حقل دولفين 1 الذي أعلن عنه في أواخر عام 2011). على الرغم من حجمها المحدود، لكنها لعبت ولا تزال تلعب دورا هاما في مساعدة إسرائيل على العبور من مرحلة الاستخدام الحصري لزيوت الوقود الثقيلة والفحم لإنتاج الكهرباء لتصبح دولة تستخدم الحرق النظيف وتعتمد على الغاز في إنتاج الكهرباء. كانت ماري-ب المصدر الأول لمحطات الطاقة الإسرائيلية التي تعمل بالغاز (ابتداء من 2004)، ثم انضم إليها في وقت قريب إمدادات الغاز المصري والذي تم التخطيط له في البداية، ولكنه تأخر في الوصول لعدة سنوات.

وبحلول نهاية العقد (2009-2010)، شكلت إمدادات الغاز المصري نحو نصف استهلاك الغاز في إسرائيل (40%)، وشكل إمدادات ماري-ب النصف الآخر تقريبا (60%).4 وبفضل هذين المصدرين، تحولت إسرائيل إلى دولة تعتمد على الغاز في حوالي 40-45% من إجمالي انتاجها الكهربي بحلول عام 2010، بعد ما كان اعتمادها على الغار منعدما قبلها بخمسة أعوام فقط. إسرائيل هي الآن في طريقها لتصبح واحدة من أكثر الدول في العالم الصناعي اعتمادا على الغاز لإنتاج الكهرباء، مع تقديرات أن هذا الاعتماد سيتراوح حول ما يزيد عن 60% في غضون بضع سنوات.

هذا التوجه نحو الاعتماد على الغاز سبق اكتشاف تامار، وكان ناتجا عن افتراض أن الغاز المصري - والذي كان يباع بأقل من 25% من سعر ما يعادله من زيت الوقود الثقيل المستخدم لإنتاج الطاقة - من شأنه أن يخفف إلى حد كبير من سعي إسرائيل الأبدي والمكلف وغير واضح المعالم لهذا الوقود، وأنه سيوفر حلا طويل الأمد لتلبية احتياجات الطاقة الإسرائيلية. حتى ذلك الحين، كان من المسلم به أن حقل ماري-ب، الذي تضمن حوالي 1 تريليون قدم مكعب فقط، يمكن أن يزود إسرائيل بالغاز حتى 2013-2014 - أي ما يزيد قليلا على نصف عقد من الزمن - قبل أن يستنفذ بالكامل.

على هذا النحو، قبل اكتشاف تامار، كانت إسرائيل قد انتقلت بالفعل إلى إنتاج أرخص وأنظف في مجال الطاقة مع تحولها إلى الغاز الطبيعي، لكنها لم تكن تكتسب الاستقلال الحقيقي في هذا المجال على المدى المتوسط أو الطويل. وكان من المقرر أن تصبح إسرائيل معنمدة بشكل كامل على الغاز المصري بحلول عام 2014 لتغذية حوالي نصف إنتاجها من الطاقة الكهربية.

 

الغاز والسلام

في حين تدرك إسرائيل الخطر المرتبط بمثل هذا الاعتماد على جارتها، كانت إسرائيل تأمل أن هذا الاعتماد يمكن تأمينه من خلال ترسيخه في المصالح القومية الحيوية للاقتصاد المصري وفي المصالح الشخصية لنُخَبه. من خلال الإسهام في ثروات رجال الأعمال والنخبة الحاكمة في مصر، ومن خلال توفير مصدر دخل للدولة المصرية - وبالتالي ربط تجارة الغاز بشكل وثيق باعتمادية مصر المالية عليه - يمكن أن تجلب تجارة الغاز مادة ذات معنى لفكرة "التطبيع" - فكرة أن التفاعلات اليومية بين الناس وفي الاقتصاد بين إسرائيل ومصر من شأنه تحويل معاهدة السلام التي وُقعت في عام 1979 من معاهدة رسمية بين الحكومات منفصلة عن الواقع إلى واقع يومي وإلى اعتماد مشترك بين الدولتين وإلى مصدر للألفة بين شعوب البلدين. في الواقع، كانت تجارة الغاز الطبيعي المصرية الإسرائيلية كانت تتويجا لمحاولة - فهمنا الآن فقط أنها كانت آخر محاولة - لترسيخ العلاقات المصرية الإسرائيلية (ودعم الحكومة المصرية ونخبها ماليا) من خلال التجارة.

وفي هذا السياق لابد أن يُفهم اكتشاف الغاز في مياه غزة. في عام 2000، تم العثور على حقل غاز بحري في مياه غزة يمكن مقارنته بحقل ماري-ب، والذي يقع قبالة ساحل أشدود. يحمل حقل غزة البحري إمكانية مساعدة اقتصاد غزة، وتطوير وتمويل السلطة الفلسطينية، وربط الاقتصاد الإسرائيلي باقتصاد غزة، وكان من الممكن أن يصبح عمودا داعما في صرح السلام. لذلك، كان هذا الاكتشاف، والآمال في سرعة تنميته، متوازيين مع محاولة ربط القيادة القومية العربية الفلسطينية، التي تميل لتوجه مصر، بعملية السلام من خلال الترابط الاقتصادي ومن خلال حوافز الإيرادات التي تذهب إلى النخب.

في ذلك الوقت، امتلكت مجموعة الغاز البريطانية (بريتيش جاز) حقل غزة البحري (وما زالت تملكه)، وكذلك كافة الحقول الإسرائيلية المعروفة (والتي باعتها لاحقا). للمساعدة في تطوير الاقتصاد الفلسطيني - الذي كان ينظر إليه من قبل القادة الإسرائيليين والأمريكيين على أنه مفتاح اعتدال السكان الفلسطينيين وترسيخ السلام - ولإغلاق الباب أمام أي الحجج المحتملة في المستقبل بخصوص الموارد، رسمت إسرائيل نقطة البداية في الخط الفاصل بينها وبين غزة داخل ترسيم منطقتها الاقتصادية الخالصة المقترحة بدلا من رسم الخط الفاصل مباشرة من الساحل كما هو الحال في كل ترسيمات المناطق الاقتصادية الخالصة الأخرى في جميع أنحاء العالم. وافقت إسرائيل - ضد مصلحتها - على السماح بأن يبدأ الخط بعد الساحل حتى يتم تضمين مجمل مجال غزة البحري في منطقة السلطة الفلسطينية. وكان من المقرر لهذا الغاز أن يستخدم داخل غزة في إنتاج الكهرباء وفي التصدير إلى إسرائيل، وكان له أن يساعد في تمويل السلطة الفلسطينية نفسها، وفي تزويدها بالموارد التي تحتاجها لبناء مكانتها بين الفلسطينيين، وتحفيز التنمية، وتشجيع الاستقرار السياسي والاعتدال.

في عام 2013، ورد أن المحادثات استؤنفت بين إسرائيل ومجموعة الغاز البريطانية (التي تملك 60%) وشركائها (وهم: شركة اتحاد المقاولين، المملوكة من قبل عائلة حوري في لبنان، والتي تملك 30%، وصندوق الاستثمار الفلسطيني، والذي يملك 10%) لتطوير المخزون لصالح السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة.5 ويبدو أن المحادثات تركزت على أن يخدم الغاز مناطق السلطة الفلسطينية، والتي لديها حاليا محطة واحدة فقط بسعة 240 ميجاواط تعمل بوقود الديزل، وإن كانت هناك خطط لبناء أربع محطات تعمل بالغاز الطبيعي في الضفة الغربية.

في الماضي، كانت إسرائيل قد ناقشت تطوير مخزون غزة البحري لتزويد إسرائيل بينما كانت تتوقع نقصا في الغاز الطبيعي الخاص بها بعد توقف إمدادات الغاز من مصر. وقبل ذلك، حاولت شركة البترول البريطانية بيع الغاز لشركة الكهرباء الإسرائيلية دون جدوى - وهو السيناريو الأكثر احتمالا إذا حدث وتم تمريره بالفعل (وهو أمر مستبعد). وبما أن السلطة الفلسطينية تستهلك الطاقة الإسرائيلية دون أن يدفع الفلسطينيون مقابلها، تفقد شركة الكهرباء الإسرائيلية سنويا ما يساوي تقريبا قيمة الغاز التي يمكن استخراجها سنويا من مياه غزة. من الممكن أن يتم مقايضة الكهرباء الإسرائيلية مقابل الغاز الفلسطيني، وذلك دون حاجة لتبادل الأموال، ومن شأن هذه المقايضة أن تخفف بعض الشيء من قلق إسرائيل من أن الإيرادات التي تم جمعها من مبيعات غاز غزة البحري تذهب في نهاية المطاف لتمويل الإرهاب الفلسطيني ضد إسرائيل.

 

تجارة الغاز مع جيران إسرائيل

ولكن هذه المحاولات لترسيخ علاقات إسرائيل في المصالح الاقتصادية أصبحت ضحية، أولا، للانتخابات الفلسطينية عام 2006، والتي انتصرت فيها حماس وهو ما سهل لها تأكيد سيطرتها على غزة، ثم، ثانيا، بعد خمس سنوات، للربيع العربي (الصحوة السنية)، الذي بدأ عام 2011.

وعلى الرغم من الآمال في دوره في تشجيع السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، لم يتم تطوير مياه غزة أبدا. قليلون هم من أرادوا أن يخرج الغاز إلى السوق بالفعل. فقد اعتبرته مصر منافسا لاتفاق الغاز بينها وبين إسرائيل (إلا إذا تم نقل العملية برمتها تحت إدارتها)، ولم تسع أبدا بصدق لاتباع سياسات من شأنها أن تجعل قطاع غزة لاعبا اقتصاديا حيويا ومستقلا حقا عن إعانات القاهرة المستمرة. تخشى إسرائيل إلى حد كبير من أنه في غياب أي آلية مسيطرة، فإن إيرادات مبيعات الغاز التي تعود إلى الفلسطينيين ستتدفق إلى الكيانات الإرهابية في المناطق الفلسطينية.

أما إيران، والتي طورت قدرتها على التحكم العملياتي في أقوى وأخطر عناصر حماس، فقد عارضت الصفقة، مثلما فعلت مع تطوير الغاز اللبناني، لأنهما ينافسان الغاز الإيراني. وعلاوة على ذلك، واصلت طهران عموما سياسة إضعاف الفلسطينيين من أجل استغلال بؤسهم لأغراضها الاستراتيجية الخاصة. كذلك لم تبد روسيا حماسة لأي جهد لا يقع تحت سيطرتها، بل إنها بذلت جهودا لشراء مياه غزة، في البداية صراحة ثم من خلف الستار من خلال شركة نرويجية. وقفت بريطانيا العظمى في طريق صفقتي البيع هاتين، ربما بتشجيع من الولايات المتحدة. وحتى يومنا هذا، لا تزال بريتيش جاز تبحث عن مشتر لمشروع مياه غزة المحتضر.

وأخيرا، فإن الانقسامات الداخلية بين الفلسطينيين ومجتمعهم السياسي المتبعثر لم يبق إلا أن يضمنا أن مياه غزة ستظل حبيسة البحر المتوسط ​​لفترة طويلة، وربما يكون ذلك منذرا بالصعوبات التي تنتظر مجتمعات لبنان وهي تستوعب إمكانات اكتشاف الغاز الطبيعي. وعندما عززت حماس سيطرتها على غزة، أصرت على أن الاتفاقات المبرمة بين منظمة التحرير الفلسطينية وشركة الغاز البريطانية لاغية وباطلة. أعلنت حماس أن الاتفاقات كانت ترتيبات فاسدة بين الغرب والنخبة المحلية في محاولة لإثراء نفسها، وأن الشركة الوسيطة، شركة اتحاد المقاولين، كيان مسيحي لا يمكن أن يمثل مصالح المجتمع الإسلامي على موارده الموروثة. ولم يتمكن الفلسطينيون من التغلب على هذه الاختلافات العميقة، ولا يزال الغاز غير مطور.

بدأت العديد من هذه الحجج التي نشأت في غزة قبل 2008-2009 تظهر في النقاش العام في مصر بينما بدأت تجارة الغاز مع إسرائيل. وكان الخط الرئيسي للانتقاد العلني لنظام مبارك في هذه القضية أنه كان اتفاق فاسد تم تصميمه لإثراء النخب وأنه يمثل بيعا لمصالح الشعب المصري لمصلحة اليهود والغرب. كما نُسب نقص الغاز في مصر على الفور لتجارة الغاز مع إسرائيل.- رغم أن الغاز الناقص نوع مختلف من الغاز الطبيعي ينتج لأغراض الطهي وليس لإنتاج الطاقة، وكان نقصه نتيجة لفقر شبكات التوزيع. كانت هناك مزاعم أن حسين سالم، الشخصية الرئيسية وراء صفقة الغاز بين مصر وإسرائيل، يتلقى رشاوى هائلة من الصفقة، وكان مرتبطا بقوة بجمال مبارك، نجل الرئيس. وفي الواقع، بما أن الطبقة السياسية في مصر عارضت ليس فقط تصدير الغاز بشكل عام - وخاصة إلى إسرائيل - ولكن عارضت أيضا أي شكل من أشكال العلاقات الطبيعية بين البلدين، ولأن اتفاقية السلام المصرية-الإسرائيلية كانت خالية من أي تفاعل سوى على مستوى العلاقات الدبلوماسية الرسمية، فقد جعل كل ذلك تجارة الغاز جاذبة للانتباه. وبالضبط لأنها أصبحت عنصرا ذا معنى للتطبيع بين البلدين، رأى المعارضون لاتفاقية السلام المصرية-الإسرائيلية فسخها وسيلة لتفريغ أحشاء المعاهدة.

في أواخر عام 2009، كانت الحكومة المصرية تدافع عن تجارة الغاز مع إسرائيل. حاول وزير البترول المصري، سامح فهمي، تبرير التجارة على أنها متطلبة بموجب اتفاق عام 1979، ولكن سرعان ما أدرك أن اللجوء لمتطلبات معاهدة السلام يتسبب فقط في تصعيد المعارضة وفي تأكيد المخاوف غير الاقتصادية عن التجارة - وذلك بما أن محاولة تخريب التطبيع مع إسرائيل هي في حد ذاتها سبب وجود الكثير من المعارضة. في الأيام الأخيرة من نظام مبارك، حاول فهمي تبرير بيع الغاز المصري لإسرائيل بأسباب اقتصادية وقانونية واستراتيجية وطنية عديدة، ولكنه اقترح في نهاية المطاف أن الدافع النهائي هو أن تصادر مصر الثروة الإسرائيلية عن طريق تغريم الإسرائيليين أكثر من ما يدفعه المشترون الآخرون.6 وبعبارة أخرى، كان السبب الوحيد الذي استطاعت حكومة مبارك استخدامه لاستمرارها في تجارة الغاز مع إسرائيل هو أنها ساعدت في تجريد اليهود من ثرواتهم.

ولم يكن مستغربا، إذا، أنه في غضون أسابيع من سقوط مبارك، توقفت تجارة الغاز المصرية الإسرائيلية - والتي أصبحت تعتمد عليها إسرائيل - بشكل مستمر تقريبا طوال عام 2011، ثم جاءت نهايتها الرسمية بحلول نهاية العام، على الرغم من أن المسؤولين الإسرائيليين رفضوا إلى النهاية احتمالية حدوث ذلك مشيرين إلى أن الدولة المصرية لا تتحمل أن تخسر مثل هذا المصدر الهام من مصادر العملة الصعبة والعملة الأجنبية. في منتصف التسعينات، اخطأت إسرائيل في الحكم على درجة حرص منظمة التحرير الفلسطينية على التوصل إلى ترتيب مقبول لتطوير غاز غزة رغم أن مواردها المالية اعتمدت عليه. وبعد سنوات قليلة، اخطأت إسرائيل كذلك في تقدير أن درجة الكراهية تجاه إسرائيل من شأنها أن تتغلب على المصالح المالية للدولة المصرية.

وتشير السوابق غير المشجعة لتجارة الغا، أو ربما عدم تجارتها، بين إسرائيل وبين مصر وغزة، إلى أن تعليق الأمل على الاستفادة من تجارة الغاز بين إسرائيل وجيرانها الآخرين يمكن أن أن يتسبب في تغيير اتجاه العلاقاتات مع هؤلاء الجيران، سواء كان ذلك مع عمان أو أنقرة.

هذا يسلط الضوء أيضا على أهمية الاكتشافات في حقل تامار - والذي عثر عليه في نفس الوقت الذي دخلت فيه تجارة الغاز المصرية مرحلة الاضطراب قبل أن تتراجع إلى الصفر، وفي نفس الوقت الذي دخل فيه حقل ماري-ب المراحل الأخيرة من الإنتاج. جنب تامار إسرائيل ما كان يمكن أن يكون انهيارا كبيرا في قطاع الطاقة في إسرائيل. ويمثل تامار الآن، وكذلك الاكتشافات التي لحقته، استقلال غاز إسرائيل الطبيعي لعقدين قادمين، في نفس الوقت الذي وجدت فيه إسرائيل نفسها غير قادرة على الاستمرار في سياسة الاعتماد على الطاقة، والتي كانت قد بنتها وعوّلت عليها، من جيرانها في في صنع السلام، هذا السلام الذي كان منتظرا ولكنه الآن يتلاشى.

 

التأثيرات على الاقتصاد والموارد

أكبر تأثير فوري، ويحتمل أن يكون أعظم تأثير استراتيجي، على واقع الطاقة الإسرائيلي الجديد هو الأثر الذي ستتركه على الأساس الأهم لقوة الأمة على المدى الطويل: اقتصادها. فتح اكتشاف تامار وما تبعه فصلا جديدا سوف يغير جذريا في اقتصاد إسرائيل وفي أوضاع مواردها. وكانت اسرائيل قد جاهدت منذ إنشائها مع ظروف ندرة الموارد. والآن تضعها اكتشافات الغاز في موضع من يمكن أن يصبح مصدّرا كبيرا للطاقة بدلا من مشتر مهرول له. ومن ناحية أخرى، لن ينقذ ذلك إسرائيل فقط من صرف عشرات المليارات من الدولارات في مدفوعات خارجية سنويا لشراء الطاقة، ولكن سيمكنها أيضا من استغلال وفرة الطاقة الرخيصة والنظيفة نسبيا لبدء تحلية المياه على نطاق واسع، وبالتالي الاستفادة من ثروتها لإنهاء ندرة مورد آخر - وهو المياه. في الواقع، قد تصبح إسرائيل الآن مصدّرا صافيا للمياه، وليس فقط للطاقة، بينما تفتح احتمالية استخدام بحر الجليل في التصدير إلى الجارة الأردنية بدلا من الاستمرار في استخدام كميات كبيرة من الطاقة في محاولة مكلفة لضخ مياهها إلى المدن الإسرائيلية . إنهاء اعتمادية موارد إسرائيل في اثنين من قطاعاتها الأكثر أهمية يجيب على تحديات استراتيجية كانت قد وضعت إسرائيل منذ ولادتها في موقف ضعيف بدرجة خطيرة. وفي الوقت نفسه، فإن ذلك سيسهم في دعم ثقة إسرائيل الاستراتيجية المتنامية.

اقتصاديا، ستشهد الصناعات الإسرائيلية انخفاضا كبيرا في تكاليف الإنتاج، بينما تتحول من استخدام زيت الوقود الثقيل أو الكهرباء المكلفة المتولدة من زيت الوقود، إلى غاز. إن نظرة سريعة إلى الوراء إلى العقدين الأخيرين من النشاط الصناعي الغربي تعلمنا أن التغيير الطفيف في تكاليف الطاقة يمكن أن يسبب تغييرات حادة في الإنتاجية وفي القدرة التنافسية في الاقتصاديات المتطورة. لذلك يمكن للمرء أن يبدأ فقط في تخيل نتائج هذا التحول الجذري في تكاليف الطاقة على الاقتصاد الإسرائيلي، والذي يبرز بالفعل كواحد من أكثر الاقتصاديات سلامة ووعدا في العالم. وعلى الرغم من ذلك، قد لا يكون هذا هو أهم أثر على الاقتصاد الإسرائيلي. في حين ستظل إسرائيل معروفة بصناعة التكنولوجيا الفائقة، وبالشركات المبتدأة - بعض منها صناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة ويمكن أن تستفيد أكثر من غيرها من انخفاض تكاليف الطاقة - سوف تشهد إسرائيل زيادة كبيرة نتيجة لذلك - بصورة مباشرة أو غير مباشرة - في استثمارات أجنبية مباشرة بعشرات المليارات من الدولارات في قطاع الغاز الناشئ وفي مشاريع البنية التحتية خلال العقد القادم. عندما تتحرك إسرائيل من الترتيب العالي في الصناعات الصغيرة والبحث والتطوير والمشاريع المبتدأة، إلى إتقان البنية التحتية واسعة النطاق أيضا، فسوف تتبوأ موقعها في الدائرة الداخلية لنخبة الاقتصادات المعدودة على الأصابع والأكثر تقدما في العالم.

ومع ذلك، فإن مثل هذا التغير المفاجئ في الواقع الجديد والمهم في الاقتصاد الإسرائيلي سيعرض إسرائيل أيضا لتحديات اقتصادية كبيرة والتي ستتطلب بعض التبصر والتخطيط الاستراتيجي. والواقع أن بنك إسرائيل - الذي كان واحدا من أقدم المؤسسات الإسرائيلية التي استوعبت مخاطر هذه الاكتشافات بالنسبة لإسرائيل - يشارك بالفعل في مثل هذا التخطيط، وينبغي أن يُفهم تقريره السنوي الأخير (الصادر أبريل 2013) في هذا السياق. وأهم هذه المخاطر طويلة المدى هو التأثير الإرباكي المحتمل لهذا القطاع على كل من ميزة إسرائيل الاقتصادية الطبيعية في الابتكار والتصدير، فضلا عن الخطر في أن الصناعات التي سوف تتمتع بتكلفة تنافسية منخفضة للطاقة قد تنمو إلى أكبر من حجمها القادر على الاستدامة في إسرائيل، وبالتالي تهدد بانهيار اقتصادي عند نفاذ الغاز أو زيادة أسعاره.

الخطر الأول معروف عموما باسم "المرض الهولندي"، وهو يحدث عندما تطغى ثروة كبيرة ومصدّرة من الثروات المعدنية على غيرها من الصناعات، بل والأهم من ذلك، عندما تدفع بقيمة عملة البلاد إلى نقطة لا يقدر عندها قطاع التصدير في البلاد، في غير الموارد المعدنية أو الهيدروكربونية، على الاستمرار في المنافسة الدولية. وهذا هو السبب في أن بنك إسرائيل ينصح بعدم دخول المال المستقَى من الصادرات في نظام الشيكل الاسرائيلي أبدا - وبدلا من ذلك يفضل أن توضع الإيرادات المستثمرة في الخارج في صندوق ثروة سيادي. عندما لا تدخل هذه العائدات إلى إسرائيل أبدا، ولا يتم تحويلها إلى شيكل أبدا، ولا تصبح جزءا من الميزانية الوطنية، لن تتسبب عائدات هذه الموارد في إرباك العملة ولا الاقتصاد ولا وضع الميزانية في البلاد، وبالتالي تترك هذه السياسة إسرائيل مستقلة عن الانكماش الذي يحدث في نهاية المطاف عندما يجف المورد، وتحمي عملتها المنافسة، وتترك قطاع الصادرات صحيا وحيويا.

ومع ذلك، فلا مفر من خطورة أن الغاز الرخيص المباع محليا سيستنزف الخزانات بسرعة وسيخلق قطاعات اقتصادية كاملة يعتمد استمرار وجودها على تكاليف الطاقة الرخيصة. لتجنب مواجهة مثل هذا الموقف، وحتى لا يصبح الدعم الحكومي الهائل، مع انحسار الموارد في غضون بضعة عقود، هو السبيل الوحيد لدعم الصناعات التي تستهلك الكثير من الغاز وتجنيبها الإفلاس، أعلن بنك إسرائيل إمكانية فرض ضرائب استهلاك على الاستخدام الصناعي للغاز وذلك للحد من هذه الصناعات وللحد حتى من نشأتها.

وباختصار، ومن وجهة نظر اقتصادية، مع النية الصالحة تأتي بعض التحديات، وسوف تحتاج إسرائيل إلى النظرة المستقبلية وإلى التخطيط بعناية للاستفادة من الأصول بطريقة تترك اقتصادها قويا، دون السماح لنقاط الضعف في الظهور والتي قد تصبح في المدى الأطول نقاط ضعف استراتيجية مدمرة. وخلاصة القول أن أهم مورد لإسرائيل هو، ويجب أن يظل هو، رأس مالها البشري والصناعات التي تستفيد منه. قوة الأمة على المدى الطويل تعتمد على الاستفادة من الغاز لتشجيع ذلك الواقع، وليس لاستبداله أو خنقه.

 

كيف يؤثر الغاز على الأوضاع الجيوستراتيجية

أثر وفرة الطاقة الإسرائيلية الجديدة على اقتصادها وندرة مواردها يمثل في حد ذاته تغيرا استراتيجيا كبيرا وإيجابيا. لو كان حقل تامار هو كل ما تم اكتشافه، لكان قد ساعد إسرائيل خلال عقود من عدم اليقين إلى أن تظهر تقنيات ووسائل جديدة لإنتاج الطاقة. لقد كان جسرا إلى مستقبل الطاقة البديلة، ولكنه مستقبل يمثل أول مرة يكون لدى إسرائيل أمن في الطاقة في تاريخها.

ومع ذلك كان تامار مجرد البداية. فكمية الغاز المكتشفة في البحر لاحقا تقزّم أي طلب إسرائيلي ممكنا أو متوقعا لما لا يقل عن نصف قرن. تستهلك إسرائيل حاليا نحو 7 مليار متر مكعب من الغاز، ومن المتوقع أن تضاعف هذه الكمية إلى 15.5 مليار متر مكعب بحلول عام 2030. ولكن حتى مع هذه المعدلات المتزايدة للاستخدام، فإن ال275 مليار متر مكعب من الغاز التي يحتوي عليها حقل تامار وحده تمثل عقدين من الاستهلاك. على هذا النحو، فإن إسرائيل سوف تصبح مصدّرا صافيا للغاز، وربما النفط اذا تم اكتشافه في وقت لاحق من هذا العام.

في حين أن الكمية التي نعلم أنها قد اكتشفت بالفعل من الهيدروكربونات التي يمكن إنتاجها تجاريا لا تجعل، في حد ذاتها، إسرائيل قوة عظمى أو قوة استراتيجية في مجال الطاقة، فمن الصحيح كذلك أن إسرائيل قد يكون لديها فرص استراتيجية للاستفادة من توريد كميات حرجة نوعا ما من الغاز إلى أوروبا أو إلى آسيا. وعلاوة على ذلك، وعلى وجه التحديد لأنه حتى تلك الإضافات الهامشية يمكن أن يكون لها تأثير كبير في المناطق الرئيسية، مثل أوروبا، أو على الجدوى من عدة أنظمة لنقل الغاز، مثل تلك التي تمر عبر تركيا، فإن غاز إسرائيل المصدّر سوف يحمل معه تحركات جيو سياسية وتنافسية عاليتي المخاطر، وذلك على الرغم من حجمه المتواضع. على سبيل المثال، في حين أن تصدير الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا سيكون بكميات صغيرة، إلا أنها يمكن أن تمثل الفرق الهامشي بين قلة العرض وزيادة العرض، مما قد يتسبب في انخفاض أسعار الغاز، بل في انخفاضها بشكل حاد في بعض الأحيان. انخفاض أسعار الغاز قد يضغط على المصالح الحيوية لدول أخرى (ناهيك عن المصالح المالية الشخصية للنخب الحاكمة بها) بشكل قد يكون أعمق من فقدان بضعة نسب مئوية من حصة السوق. باختصار، لا تحتاج إسرائيل لتصدير كميات كبيرة لجذب الانتباه الغير المرغوب فيه من الدول الأخرى.

 

الوجهات التصديرية في المنطقة

إلى الأردن

الوجهة الأسهل والأرخص والأكثر احتمالا على المدى القصير للغاز الطبيعي الإسرائيلي هي عبر نهر الأردن إلى المملكة الأردنية الهاشمية. في كل مرة من المرات الاثني عشر التي تم فيها تخريب خط الأنابيب من مصر إلى إسرائيل عام 2012، انقطعت إمدادات الغاز من مصر إلى الأردن أيضا، لأنه يُنقل من خلال نفس نظام خطوط الأنابيب. في حين أن نظام خطوط الأنابيب هذا قد لا يكون مفيدا في نقل الغاز الإسرائيلي إلى الأردن نظرا لأنه يمر عبر مصر، فإن ربط شبكة الغاز الإسرائيلي الناشئة إلى الأردن - وخاصة إلى الجنوب - هو مسعى بسيط وغير مكلف نسبيا.

حتى تم قطع الغاز المصري، كانت الأردن تعتمد على 2.7 مليار متر مكعب من مصر في إنتاج الطاقة. وكانت اعتمادية الأردن على إمدادات الغاز الطبيعي المصري على نفس الدرجة، أو ربما بدرجة أكبر، من إسرائيل، فلا يوجد لدى الأردن عوضا عن ذلك إلا القليل من الإمدادات الأخرى المتاحة، وقد لا توجد. وعموما، تستورد الأردن 97% من احتياجاتها من الوقود بتكلفة قدرها 20% من الناتج المحلي الإجمالي، ويمثل الغاز الطبيعي 88% من أشكال الطاقة التي تستهلكها. وقد أثقل قطع الغاز المصري كاهل الأردن بتكاليف إضافية تصل إلى 5.6 مليار دولار لإنتاج الكهرباء، مما اضطر الحكومة إلى زيادة الدعم بمقدار 1.6 مليار دولار لتجنب مضاعفة سعر الكهرباء.

يتجه الأردن، من أجل استيراد الغاز، لبناء منشأة كبيرة في البحر الأحمر لإعادة تغويزه (تحويله إلى غاز من صورته السائلة)، ولكن هذا لا يزال بعيدا بسنوات وسيثبت أنه مكلف للغاية. وعلاوة على ذلك، فإن شح الطاقة في الأردن يمثل فرصة استراتيجية للآخرين في الجوار، وخاصة إيران. بينما يمثل الأردن موقعا خطيرا للتنافس الاستراتيجي الإقليمي الأوسع (سوريا والعراق وفلسطين وإسرائيل، وحتى المملكة العربية السعودية في الحجاز)، فإن تعزيز، ومن ثم معالجة، اعتمادية الأردن في هذا القطاع الحرج يصبح هدفا استراتيجية كبيرا في حد ذاته لأي لاعب إقليمي. إيران، على وجه الخصوص، تريد أن تصبح الأردن معتمدة على الطاقة القادمة من المناطق العراقية - والتي تتمتع إيران بهيمنة عليها - وبالتالي تصبح الأردن معرضة لنفوذ طهران الاستراتيجي. بالنظر إلى أن الأردن أصبح بيتا لكتلة من اللاجئين السوريين في 2012-2013 وبالنظر إلى أنه يتحول إلى بوابة لتدخل السعودية في سوريا، فقد أصبح تطوير شكل من أشكال الاعتماد الأردني على إيران أمر حيوي بالنسبة لإيران. والطريق إلى ذلك قد يكون عبر التحكم في تدفق الغاز العراقي إلى الأردن.

ولكن من شأن قدرة إسرائيل المتوقعة على تزويد الأردن بمعدل 2-3 مليار متر مكعب سنويا أن تعالج تماما نقطة ضعف عمان وتحبط التدخلات الإيرانية المحتملة. ويبدو أن محادثات تصدير الغاز الإسرائيلي إلى الأردن كانت جارية بالفعل. فقد أعلنت جريدتان إسرائيليتان، هآرتس وجلوبز،7 في فبراير 2013، أن الشركاء في حقل تامار أجروا محادثات سرية لنقل الغاز عبر خط الغاز الإسرائيلي التي يمد الغاز من يام تيثيس (ماري-ب) إلى مصنع أشغال البحر الميت للمواد الكيميائية الإسرائيلي في سدوم ، وتمديد خط الأنابيب للوصول إلى أعمال البوتاس في الأردن.8 وفي يوم 17 فبراير 2013، أصدرت وزارة الطاقة والثروة المعدنية الأردنية بيانا يؤكد أن اتصالات تجري حاليا بين شركة البوتاس العربية ونظيرتها في إسرائيل من خلال شركة أمريكية حول إمكانية استيراد الغاز الطبيعي من منطقة البحر الميت لكنها نفت إجراء محادثات مباشرة بين المملكة وبين إسرائيل حول استيراد الغاز الطبيعي.9

في حين أنه من المرجح أن يصبح الأردن وجهة التصدير الإسرائيلة الأولى، لن تمثل الكميات المصدرة للأردن سوى جزء من الكميات الإجمالية التي يتوقع أن تصدرها إسرائيل. من شبه المؤكد أنه سيكون لدى إسرائيل كميات أكبر من ذلك بكثير للتصدير، وذلك يعني وجهات تصدير أخرى بالإضافة إلى الأردن.

 

إلى أوروبا

يتجلى الربيع العربي في أعمال تخريبية ضد البنيات التحتية الوطنية الكبرى، وهي، في العالم العربي، أولا وقبل كل شي،، عبارة عن بنية أنابيب النفط والغاز. تبدو خطوط أنابيب الغاز العالمية معرضة للهجمات بشكل خاص، كما يبدو أن الجيوش العربية (وحتى الإيرانية والتركية) غير قادرة على توفير الحماية الكافية لها، أو ربما هي غير راغبة في القيام بذلك.

ويظهر أن هذا الاضطراب هو، قبل كل شيء، تهديد لأمن الطاقة في أوروبا. هناك خمسة خطوط أنابيب قائمة بالفعل أو مقترحة لتوريد الغاز من شمال أفريقيا إلى أوروبا: خط أنابيب ترانس-ميد (والذي يحمل 30.2 مليار متر مكعب سنويا عبر تونس وصقلية)، وخط أنابيب الغاز المغاربي-الأوروبي (الذي يحمل 12 مليار متر مكعب سنويا عبر جبل طارق)، وخط أنابيب ميدجاز (الذي يتدفق من الجزائر الى ألمرية في إسبانيا ويحمل 8 مليار متر مكعب، ولكنه الآن فقط سيبدأ في العمل)، وجرين ستريم (الذي يتدفق عبر غرب ليبيا إلى صقلية والذي كان يحمل 11 مليار متر مكعب، ولكنه مقطوع الآن) وخط أنابيب جالسي (والذي لا يزال يجري التخطيط له وسيتم تشغيله من شرق الجزائر إلى أوروبا).

جميع هياكل خطوط الأنابيب هذه تبدأ في حقل حاسي الرمل في الجزائر. وبالتالي، هناك ثلاثة خطوط أنابيب تحمل ما يقرب من 50 مليار متر مكعب إلى أوروبا كل عام، ولكن تبدأ كلها عند نقطة واحدة. وعلاوة على ذلك، في حين سعى الاتحاد الأوروبي لتنويع إمداداته من الغاز من خلال بناء خط أنابيب الغاز ترانس-صاحاران الذي سينقل الغاز النيجيري إلى الشمال، إلا أن هذا الخط يمر أيضا من خلال حاسي الرمل في الجزائر، حيث يلتقي مع الثلاثة أنابيب العاملة الأخرى. إمدادات الغاز في أوروبا - نحو 18% منها تأتي من خلال هذه النقطة الواحدة فقط (13% منشؤها في الجزائر و 4.5% من نيجيريا)10- هي، بالتالي، ثغرة خطيرة.

وهذه الثغرة الأمنية وصلت لقرابة الأزمة بعد "الربيع العربي". وكما أبرز التدخل الفرنسي في مالي، فإن المد المتصاعد من الشعور الإسلامي في شمال إفريقيا والمناطق الصحراوية يهدد استقرار دول شمال أفريقيا. نشأت هذه الميول النابذة من أنقاض انهيار السلطات المركزية في العديد من الدول العربية وعززت من أهمية القبيلة والطائفة والأسرة. وفي الوقت نفسه، فإن الدمار الذي تركه انهيار الإيديولوجيا القومية السائدة بين الدول العربية دفع العديد للسعي إلى الوصول إلى لإسلام الصحيح. حتى من دون المركب الإيديولوجي، فإن انهيار الدولة المركزية يترك للقبائل والقادة المحليين الآخرين مهمة إيجاد ترتيبات جديدة مع السلطة المركزية المتبقية أو مع القبائل أو الزعماء المجاورين. وجود خط أنابيب منشأة نفط أو غاز في متناول يد قبيلة - مع قدرتها على تخريبها أو حمايتها - يضفي قوة تفاوضية هائلة. على سبيل المثال، في الأسبوعين الأولين من شهر مارس سنة 2013:

أغلق المتظاهرون في حقل النفط جالو، التابع لشركة الواحة للنفط في ليبيا، الإنتاج لأكثر من أسبوع، حتى استأجرت الشركة سائقين وحراس محليين في الحقل - وهو المطلب الذي اضطرت ليبيا وشركة الواحة إلى الموافقة عليه.11

استمر إنتاج الغاز الطبيعي في مصر في الانخفاض بسبب الاضطرابات السياسية والتوترات.فقد توقفت العديد من عمليات الحفر في دلتا النيل بسبب قطع الطرق، وتم إغلاق عدة حقول للغاز والنفط تحت ضغط من السكان المحليين. بالإضافة إلى ذلك، قام مسلحون من البدو في شبه جزيرة سيناء المصرية بمصادرة واحتجاز رئيس فرع مصر في شركة النفط إكسون موبيل الأمريكية الكبرى مع زوجته لفترة وجيزة.12

في الجزائر، صعدت حركة تطلق على نفسها اسم "لجنة الدفاع عن حقوق العاطلين عن العمل" الاحتجاجات في معظم المحافظات الجنوبية ومنعت بالقوة اجتماعا لأعضاء البرلمان في ولاية غرداية.هذه المحافظات تتاخم مالي، ومن المرجح أن الفوضى هناك ستعطي موطئ قدم لمتمردي الطوارق الإسلاميين، الهاربين من الضربات الفرنسية، ليهددوا نظام خطوط الأنابيب الحيوي.

ولا ينبغي التعامل مع نقل الغاز كأمر مفروغ منه حتى في الدول التي لا تزال على قيد الحياة. فعلى سبيل المثال، في سبيل تهدئة المشاعر الشعبوية في المغرب، بدأ الملك في الحديث عن "الاحتلال" الإسباني لثلاث شظايا من الأرض على طول الساحل المغربي، بما في ذلك المنطقة المجاورة لجبل طارق والتي يمر عبرها خط أنابيب الغاز للمغرب العربي وأوروبا، والتي كانت تحت السيادة الإسبانية لمدة خمسة قرون. في أوائل شهر مارس عام 2013، رد المغرب بمرارة، بل وأعطى محاضرة للسفير الإسباني إلى المغرب، بخصوص فيلم في إسبانيا عن تصادم في أعالي البحار بين سفينة خفر سواحل إسبانية وسفينة لاجئين مغربية.13 قد تكمن المشاكل الداخلية وراء تركيزه المفاجئ على إسبانيا، فالمغرب يواجه موجة متصاعدة من الاحتجاجات المناهضة للحكومة.

وعلاوة على ذلك، نحن نرى بالفعل في كل من الجزائر وليبيا كيف أن قطاعات الطاقة هناك تصبح بسرعة ضحية الاضطرابات العمالية والاضرابات،14 وكيف يمكن أن تؤثر التوترات في موريتانيا على أنظمة الإرسال إلى المغرب، في الوقت الذي بدأت فيه مجموعات مختلفة في فهم كيفية الاستفادة من حساسية هذا القطاع لأغراضها الخاصة.في حين أن الاضطرابات العمالية والتخريب ليسا جديدين، إلا أن المناخ في شمال أفريقيا متفجر لدرجة أن الاضطرابات في أماكن مثل الجزائر أو المغرب أو ليبيا أصبحت معرضة للتصاعد خلال أيام قليلة من مجرد قضية محلية تبدو قابلة للاحتواء إلى انهيار قومي للنظام.

وهكذا، فإن البلدان على طول الساحل الجنوبي لأوروبا يعيدون النظر في استراتيجية الاعتمادية والتنويع، في الوقت أالذي تسعى فيه هذه البلدان أيضا إلى تقليل الاعتماد على روسيا، ووقف تطوير الغاز الصخري، وتقليص الطاقة النووية.

وباختصار، فإن إرساء أكثر من سدس من كل إمدادات أوروبا من الغاز في منطقة يمزقها انهيار الدول والافتنان بالفكر الإسلامي هو الواقع الجديد الذي يجب أن يواجهه مخططوا الطاقة الأوروبيون. الواقع المرير في أوروبا يمكن أن يمثل فرصة فريدة من نوعها لإسرائيل لتثبيت اتفاقات طويلة الأجل ولمواءمة سياسة التصدير مع الجهد الأوسع لإعادة تشكيل العلاقات الإسرائيلية -لأوروبية.

في نفس الوقت، كما لوحظ، لا تخلو أي تجارة للغاز بين إسرائيل وأوروبا من المضاعفات والمخاطر. وسوف تتقاطع بالطبيعة مع هيمنة روسيا على إمدادات الغاز في أوروبا. يوفر الغاز الإسرائيلي وقاية ضد التهديدات الروسية بقطع الإمدادات كنوع من الابتزاز - مثلما فعلت موسكو في الماضي مع خطوط أنابيب الغاز إلى أوكرانيا - ولكن لا يمثل ذلك التحدي الاستراتيجي الرئيسي لروسيا. فمن الممكن لإضافة هامشية لإمدادات الغاز الى أوروبا، مثل ما يمكن أن تمثله الواردات الإسرائيلية، أن تخلق فائضا معتدلا. ولكن حتى الفائض المعتدل يمكن أن يسبب انخفاضا حادا في الأسعار في المنطقة الأوروبية - وهو ما يقلل من الحد الأدنى لشركات الغاز الروسية المرتبطة عضويا بالنخبة الروسية الحاكمة.

ولأنها على يقين من التهديد اليذي تحمله إمدادات شرق المتوسط ​​لأوروبا في حالة كانت الأخيرة قادرة على تنويع اقتصادها بعيدا عن الاعتماد على الغاز الروسي، فإن موسكو تسعى باستمرار للاستثمار طويل المدى في منجم طاقة الغاز والنفط الإسرائيلي. في 26 فبراير 2013، أبرمت شركة جازبروم الروسية اتفاقا مهما لتسويق غاز إسرائيل الطبيعي المسال من الحقل البحري تامار لمدة 20 عاما. وتتطلع جازبروم أيضا لدور في تطوير حقل الغاز الإسرائيلي العملاق لوياثان.15 ولكن وزير الطاقة والموارد المائية تحرك بسرعة لتذكير شركاء تامار أن مثل هذه الصفقة تتطلب موافقة وزارته، وأن حقل تامار سيتم تخصيصه بشكل كبير للاستهلاك المحلي. عمليا، اعترض الوزير على الصفقة. وهكذا، فإن محاولة روسيا للانضمام تبقى غير مرضية، على الرغم من أنها أقرب من أي وقت مضى.

وقد لايوفر بيع الغاز إلى أوروبا النفوذ الذي تأمله إسرائيل. فأوروبا أصلا تعتمد بشكل متزايد على التكنولوجيا الإسرائيلية الفائقة في قطاعات اقتصادها الحيوية. لكن هذا الاعتماد لم بفعل شيئا يذكر لتغيير ما تعتبره إسرائيل انجراف أوروبا المستمر نحو المزيد من العداء تجاهها. ربما سيتغير هذا بشكل جوهري إذا ظهر أن كميات الموارد الهيدروكربونية في إسرائيل ضخمة بشكل كاف لاستبدال، وليس فقط منافسة، الغار الروسي والنفط العربي.ولكن هذه الإمكانية لم تتحقق بعد. وعليه، فكما تبدو الأمور الآن، هناك بعض الفرص الاقتصادية لبيع الغاز إلى أوروبا، ولكن ستعود فوائد كبيرة على إسرائيل إذا زرعت مزيدا من الأرض الخصبة واستخدمت تصدير الغاز الطبيعي لتعزيز علاقاتها مع القوى الآسيوية الودية، وربما حتى مع الصين .

 

إلى آسيا

آسيا قد تظهر كوجهة التصدير المفضلة لإسرائيل. ففي حين أن الأسعار التي يمكن أن يضعها شركاء لوياثان في التجارة مع آسيا ستكون أعلى، لكن السعر ما هو إلا جزء من السبب في أن آسيا ستكون، على الأرجح، وجهة التصدير. يفترض أن الشراكة التي تمتلك لوياثان حاليا تفتقر عموما إلى الوسائل اللازمة لتتحرك بهذا المشروع المعقد والصعب والمكلف جدا من الأرض إلى السوق. على هذا النحو، فإن الشركاء قد وقعوا بالفعل اتفاقا مبدئيا مع شركة وودسايد الاسترالية للحصول على حوالي ثلث الحقوق إلى الحقل من أجل الاستفادة من خبرتها في التسييل وهيكلة التسويق ورأس المال. ولكن وودسايد متوجهة نحو تسويق الغاز في آسيا، وقد هيكلت الاتفاق المبدئي لجدول زمني لبناء مصنع تسييل يُفترض عموما أنه سيخدم التجارة مع آسيا. وباختصار، فإن شكل الشراكة سيكون له تأثير كبير على ما إذا كان الغاز سيتدفق إلى الشرق أو إلى الغرب.

في حين أن وجهة تصدير غاز إسرائيل - شرقا إلى آسيا أو غربا إلى أوروبا - هي قضية مهمة استراتيجيا، إلا أنه يجب أولا فحص السياق والظروف الجيواستراتيجية لكيفية نقل الغاز ولما سيكون في طريقه نحو أوروبا أو آسيا، لأن هذه العوامل قد تقرر هذه الوجهة في النهاية.

 

هياكل نقل الصادرات

بيع الغاز الطبيعي سواء إلى أسواق أوروبا أو الشرق الأقصى يقدم فرصا وكذلك تحديات جيوستراتيجية. ولكن الحصول على الغاز من إسرائيل وقبرص لتلك الأسواق سوف يتطلب أيضا بُنى انتقال تحتية معقدة، والتي تؤثر هي ذاتها وتتأثر بالأوضاع الجيوستراتيجية.

 

تفرد البنية التحتية للغاز وجمودها

وخلافا للنفط، فالغاز لا يتدفق على الفور للأسواق ولا يباع للمستهلك في طريقه. وليس له سعر سوق عالمي، مثل برنت الخام الحلو بالنسبة للنفط. يتم تسعير الغاز بشكل فريد لكل صفقة ويتأثر سعره أكثر بالدولة أو المنطقة. ولا يتم تداول الغاز عالميا على أنه سلعة. فالبنية التحتية لنقل الغاز - سواء عن طريق خطوط الأنابيب أو التسييل - معقدة ومرهقة ومكلفة جدا لدرجة أن اتفاقات التسويق وأنماط العرض تعقد لفترة طويلة، بل لسنوات، قبل حتة أن يتدفق الغاز. حتى الغاز المسال الذي يشحن من ميناء إلى ميناء هو في جوهره هيكل "مغلق" يشبه إلى حد كبير خطوط القطار.

بالتالي، يربط البلَدان، المورد والمستورد للغاز، سياسات الطاقة الحيوية لديهما بتوقع استمرار سلسلة توريد معينة، وبالتالي يظل البلدان مرتبطان بعلاقات دبلوماسية معينة لسنوات. ليس من السهل استبدال مصدر معين من مصادر إمدادات الغاز بمصدر آخر بشكل ارتجالي. إنه قرار استراتيجي مهم للدولة حتى عندما لا يمثل سوى جزءا صغيرا نسبيا من إمداداتها الكلية. ولذلك، يمكن حتى لكميات متواضعة من صادرات الغاز الإسرائيلية أن تحمل نفوذا استراتيجيا كبيرا. ولكن العكس صحيح أيضا: فالمستهلك أيضا لا يمكن استبداله بسهولة. وهكذا، تحمل تجارة الغاز أهمية استراتيجية ونفوذا لكل من المورد والمستهلك، وخصوصا عندما لا يكون لدى المورد سوى عدد قليل من المستهلكين. وبالتالي، كلما زادت كمية الغاز المكتشفة في إسرائيل، كلما استطاعت الأخيرة وقاية نفسها من الاعتماد على المستهلك.

الجمود القصير المدى في تجارة الغاز، وصعوبة استبدال الإمداد المتعطل، يعنيان كذلك أن أسعار الطاقة للمستهلكين والإيرادات للموردين يمكن التلاعب بهما بسهولة عن طريق زيادة أو نقصان هامشيين في المعروض. وبالتالي فإن هذه الحساسية للأسعار، والتي يمكن أن تترجم إلى تذبذب كبير في التكاليف بالنسبة للمستهلكين أو في الإيرادات بالنسبة للموردين، تجعل مسألة إمدادات الغاز معرضة استراتيجيا للمصالح الجيوسياسية ولمكائد أطراف ثالثة. على هذا النحو، هناك اثنان من العوامل - السياق الاستراتيجي لهياكل نقل الغاز والطموحات الاستراتيجية للأطرف الثالثة - التي غالبا ما تكون ضرورية لفهم الأهمية الاستراتيجية العامة لعلاقة توريد غاز معينة، مثلها مثل السؤال ثنائي الأبعاد الخاص بالعرض والاستهلاك بالنسبة للدولتين أطراف العلاقة التجارية.

 

عبر الأردن

هناك أصوات في الحكومة الإسرائيلية، وأكثر منها عبر الطيف السياسي الإسرائيلي، ترى ترسيخ بنية تصدير في محطة تسييل الغاز الطبيعي في العقبة بالأردن على البحر الأحمر - كهدف استراتيجي هام. وعلاوة على ذلك، هناك قاعدة انتخابية قوية تعززها تفضيلات الدبلوماسية الدولية، تدفع للمضي قدما في خيار ربط إسرائيل والأردن معا وبإحكام من خلال هياكل الغاز الطبيعي باعتبار ذلك وسيلة لدفع عملية السلام.

ومع ذلك، فإنه من المستبعد جدا أن ينتصر هذا الخيار في نهاية المطاف. تجربة إسرائيل الاخيرة مع مصر، حيث انقطعت نصف إمدادات الغاز الطبيعي لإسرائيل بشكل دائم بسبب تدمير أنبوب الغاز المصري الإسرائيلي في أعقاب انهيار نظام مبارك، تشير إلى أن إسرائيل سوف تنظر بتوجس إلى أي مخطط لإرساء بنيتها التحتية الحرجة وجزء كبير من ناتجها المحلي الإجمالي الناشئ في النظام الأردني والذي يتوقع له أن يعاني من عدم الاستقرار.

وحتى لو افترضنا أن الحكومة الأردنية ستنجو، فالصراع السياسي في الشرق الأوسط في عصر الربيع العربي يعبر عن نفسه على نحو متزايد من خلال الهجمات على البنية التحتية للطاقة، وخاصة خطوط الأنابيب. ما دامت إيران وسوريا وحزب الله قد حددوا بالفعل صناعة الغاز في إسرائيل كهدف استراتيجي، فإن حكومة إسرائيل تتوقع منهم محاولة ضرب هيكل الصادرات الإسرائيلي في أي نقطة ضعف. وعلاوة على ذلك، كان لكل من إيران وتركيا دور في الهجمات على خطوط الأنابيب الخاصة ببعضهما البعض في العراق وسوريا وتركيا، وكلاهما ينظر لنجاح العقبة في الظهور كمركز رئيسي لنقل الطاقة بتوجس استراتيجي هائل. كجزء من تنافسهما من أجل السيطرة ورغبتهما في تقويض قابلية ظهور دولة كردية، تريد كل من إيران وتركيا أن يظل الغاز والنفط العراقيين في الشمال - مثل ذلك الموجود في المنطقة حول تكتوك قرب جمجمال في منطقة بوفانوز - غير مطور أو أن يتدفق من خلال أراضيهما، وبالتالي سوف يسعيا لتخريب أي بديل لذلك، مثل العقبة.

إيران تريد السيطرة على تجارة الغاز العراقي. وبداية، هي تحتاج الغاز لمحافظات أذربيجان. ففي الوقت الحالي، لا توجد شبكة غاز وطنية لنقل احتياطيات الغاز الإيرانية الهائلة في جنوب فارس في الخليج إلى السكان على طول بحر قزوين الذين يعانون من نقص شبه مزمن في الغاز الطبيعي. ونظرا لأن الغاز يتدفق إلى أوروبا من العراق، فإن إيران تريده أن يتدفق عبر نظام خطوط الأنابيب الذي تخطط له عبر شمال العراق إلى سوريا، متجاوزا تركيا التي لا يمكنها الوثوق بها. وبالنسبة لآسيا، فإن إيران تريد للغاز أن يصل إلى البحر عبر نظام خطوط الأنابيب الذي تخطط له إلى الخليج الفارسي والمحيط الهندي.

تركيا لديها نظرة موازية تقريبا لنظرة إيران. أولا، هي تريد الغاز العراقي من أجل معالجة نقص الغاز لديها، والذي يقترب من مستويات حرجة. ثانيا، تتجه تركيا لتصبح الموصل الحصري لكل النفط والغاز من المناطق الكردية إلى أوروبا. إنها تريد الغاز العراقي المتدفق إلى أوروبا ليكون معتمدا على نظام خطوط أنابيبها الناشئ، مثل خط أنابيب كركوك-يورمورتاليك، الذي يضم ثلاثة أنابيب موازية تنقل الغاز والنفط، وتتصل في نهاية المطاف بمحطة الغاز الطبيعي المسال الخاصة بشركة إي جي إي جاز في إليجا (حوالي 35 ميلا إلى الشمال من مدينة إزمير على طول ساحل بحر إيجه). خط الأنابيب هذا متصل بالفعل بالنظام التركي ويجلس على رأس خط الأنابيب التركي العابر لبحر إيجه (ترانس ألجريان بايبلاين (تي إيه بي)). وتعتبر تركيا هيكل تي إيه بي عنق الزجاجة: فكل من أنبوبي الغاز نابوكو وإي جي إل المزمع إنشاؤهما سيعملان من خلال تي إي بي، وبالتالي تريد تركيا أن يكون تدفق الغاز العراقي من خلالها بدلا من أن يلتف حولها. أخيرا، تريد تركيا للغاز المتدفق إلى آسيا من العراق أن يمر من خلال خطوط أنابيبها، ويتم تسييله في محطة إي جي إي جاز في إليجا، ثم يتم تحميله على السفن الذاهبة إلى آسيا عبر قناة السويس.

على هذا النحو، فمشاركة الأردن في أي هيكل نقل غاز محدود آخر لاستيراد الغاز الإسرائيلي سيتسبب في صداع استراتيجي كبير لعمان بالإضافة للصداع الي تعاني منه بالفعل والذي يصل لأبعاد لا يمكن السيطرة عليها.

 

عبر قبرص

ركزت المناقشات المبكرة بعد اكتشاف حقل لوياثان على بناء خط أنابيب من الحقول الإسرائيلية، عبر قبرص، إلى اليونان. والجدير بالذكر أنه من وقت الإعلان عن لوياثان وحتى أوائل عام 2011، لم يكن هناك تقريبا أي نقاش حول وضع محطة للغاز الطبيعي المسال في إسرائيل. فقد ركزت الغالبية داخل الحكومة الإسرائيلية على وضعه إما في قبرص أو الأردن، غالبا في ظل افتراض أن أي مشروع للغاز الطبيعي المسال خارج إسرائيل سوف يواجه مشاكل جيوسياسية أقل وسوف يتمتع بعملية تقسيم مناطق وبعملية ترخيص أبسط بكثير.

أصوات مهمة داخل مؤسسة السياسة الخارجية الإسرائيلية، وعلى الأخص في وزارة الخارجية (والتي تضمنت بعض الدبلوماسيين الذين يقومون بمهام في مناصب رئيسية في وزارات أخرى مثل وزارة البنية التحتية الوطنية)، أشارت أيضا إلى أنها تريد محاذاة هيكل الصادرات الإسرائيلي مع علاقاتها الناشئة مع قبرص واليونان.

ولكن هذا المد تحولت وجهته في وقت لاحق. ففي حين أن وزارة الخارجية الإسرائيلية، وكذلك بعض الشركات المعنية على ما يبدو،16 لا تزال تداعب فكرة وضع البنية التحتية للغاز الطبيعي المسال في قبرص، إلا أن التوترات بشأن قبرص، والدور المتزايد الذي تقوم به شركة جازبروم وروسيا هناك، وعدم الاستقرار والفساد بصفة عامة واللذان تبوء بهما سياسة قبرص واقتصادها، ذكّروا كثيرين في حكومة إسرائيل بأنه، من وجهة النظر الجيواستراتيجية الإسرائيلية، فإن وضع البنية التحتية الحيوية في قبرص سيمثل إشكالية.

وعلاوة على ذلك، تتقلص جاذبية قبرص في سياق التغيير في مصر ودخول الشركة الاسترالية، وودسايد، كشريك على قدم المساواة في حقل لوياثان. ومن شأن أي بنية تحتية للتصدير مرتكزة في قبرص ومتوجهة شرقا أن تميل إلى الاعتماد بشدة على المرور الحر والآمن لشحنات الغاز الإسرائيلية عبر قناة السويس. وعليه، فإن ما سيصبح أكثر الصناعات حيوية في إسرائيل سوف يكون حبيسا للطريق التجاري الذي يمر من خلال مصر التي تهيمن عليها سياسيا جماعة الإخوان المسلمين، وهي الجماعة التي لا تزال تعارض إيديولوجيا الأحكام الواردة في معاهدة السلام عام 1979 والتي تسمح بالمرور الإسرائيلي في القناة.

وأخيرا، على الرغم من أن قبرص تتمتع بسجل من الاستقرار منذ منتصف السبعينات، إلا أن العديد من الاتجاهات الرئيسية تشير إلى أنها ستشهد ارتفاعا في مستويات عدم الاستقرار خلال العقد المقبل.

قناعات أردوغان رئيس الوزراء التركي ورغبته في إعادة تأسيس الإمبراطورية العثمانية الإمبريالية الجديدة تحت "خلافة" معاد تأهيلها دفعت تركيا إلى اعتبار الجزر اليونانية والبلقان وقبرص، وكذلك سوريا والعراق ولبنان وإسرائيل وفلسطين، "أراض ضائعة". في مايو 2012 وبعد عام من زيادة التوتر بين تركيا واليونان وقبرص، أصدرت وزارة الخارجية التركية بيانا صحفيا - ردا على إصدار قبرص لعطاءات دولية للحصول على تراخيص هيدروكربونية قبالة سواحلها - يقول إن تركيا ستقدم كل الدعم للجزء التركي من شمال قبرص (جمهورية شمال قبرص التركية) "بناء على مسؤولياتها باعتبارها وطنا أمّا وسلطة ضامنة".17 مصطلح "السلطة الضامنة" يشير إلى "معاهدة الضمان" التي وقعتها كل من جمهورية قبرص واليونان وتركيا والمملكة المتحدة في عام 1960، وبعدها أصبحت قبرص مستقلة.جعلت تلك المعاهدة اليونان وتركيا والمملكة المتحدة ضامنين لاستقلال قبرص وأمنها وسلامة أراضيها. المادة 4 من المعاهدة تسمح للضامنين باتخاذ إجراءات، حتى من جانب واحد، من أجل إعادة تأسيس الأوضاع التي خلقتها المعاهدة، وقد استخدمتها تركيا عندما غزت قبرص في يوليو عام 1974 كرد فعل على الانقلاب الذي قام به المجلس العسكري اليوناني في قبرص بهدف توحيدها مع اليونان. ومن هنا، فإن تركيا تشير إلى أنها قد تتخذ إجراءات، وهي ما قد تتضمن استخدام القوة، كرد فعل على ما يمكن أن يفسر على أنه تغيير في الوضع الراهن.

رمزية الأسماء التي تستخدمها تركيا لسفن التنقيب عن الغاز والنفط تقوي ناقوس الخطر الذي تسببه هذه التصريحات.فقد تم تغيير اسم السفينة التركية "بولاركوس سومار" للدراسات الزلزالية ثلاثية الأبعاد إلى "باباروسا خير الدين باشا".بارباروسا خير الدين باشا هو اسم الأدميرال العثماني الذي ضمنت انتصاراته البحرية الهيمنة العثمانية على البحر الأبيض المتوسط ​​في منتصف القرن السادس عشر. وفي عام 2011، سمت تركيا أول سفنها الاستكشافية "بيري ريس" على اسم الجغرافي ورسام الخرائط العثماني الشهير الذي كان أيضا قائد الأساطيل العثمانية في المحيط الهندي وفي مصر.كانت أحد إنجازاة بيري ريس الاستيلاء على عدن ومسقط (في 1548 و 1552، على التوالي) من البرتغاليين والاستيلاء لاحقا على جزيرة هرمز القطرية والبحرينية الاستراتيجية.تسمية هاتين السفينتين يربط رمزيا بين جهد تركيا الحالي في شرق البحر المتوسط ​​بالنشاطات الإمبريالية العثمانية في الشرق الأوسط.

وينبغي النظر إلى التحول في الخطاب والرمزية التركية مع قبرص في سياق تحرك استراتيجي أعمق مما يجعل من غير المرجح أن تستمر قبرص في التمتع بنفس الاستقرار الاستراتيجي الذي تمتعت به على مدى العقود الأربعة الماضية.

بينما لم تسقط تركيا أبدا ادعاءاتها في جزيرة قبرص، إلا أنه قد تم ربط الاستقرار الواضح في الجزيرة منذ منتصف السبعينات بمحاولة تركيا الانضمام الى الاتحاد الأوروبي.وكلما زاد طموح تركيا وتأكيدها على توجهاتها الشرق أوسطية والإسلامية، كلما ازدادت ادعاءاتها في قبرص قوة وأهمية.

وتعتقد حكومة حزب العدالة والتنمية الإسلامية في تركيا أن الجيش يرسخ توجه الدولة التركية نحو الغرب. وبالتالي فإن تمزيق العلاقة بين تركيا والغرب يضعف مكانة الجيش داخليا. على هذا النحو، يبحث حزب العدالة والتنمية عن قضايا يمكن استخدامها كأسافين لإجبار الجيش على الاختيار بين علاقته مع الغرب وبين حاجته لتجسيد المشاعر القومية. وقضية قبرص هي أحد هذه القضايا. وبالتالي، فإن استمرار وجود تركيا في حلف شمال الأطلسي لم يعد يردع أنقرة عن التحرك، لأنه قد تكون تلك العلاقة على وجه التحديد هي التي يريد أردوغان أن يقطعها عن طريق إثارة مواجهة.

وهناك أيضا دلائل على أن تحديات قبرص الاستراتيجية قد تنمو في المستقبل، بينما تتقارب مصر وتركيا على أساس اتجاههما الإسلامي المشترك. وبالفعل، وافقت اللجنة التشريعية لمجلس الشورى المصري في مارس 2013 على مشروع قانون بإلغاء اتفاق حول الحدود البحرية بين مصر وقبرص وعلى الدعوة لإنشاء حدود جديدة تحيط بالمنطقة الاقتصادية في وجود تركيا كطرف ثالث.18 وكان القانون قد تقدم به النائب خالد عبد القادر عودة، الذي قال إن الاتفاق الذي وقعته قبرص وإسرائيل العام الماضي أبطل الصفقة المصرية القبرصية التي أبرمت عام 2003، حيث كان لمصر الحق في أن تحضر التوقيع. وقد قللت قبرص من هذه التقارير حيث لم تشكك السلطة التنفيذية في مصر هذا الاتفاق بين اثنين من الموقعين على اتفاقية قانون البحار، والذي تم تقديمه إلى الأمم المتحدة، وقالت: "التعاون في مجال تطوير النفط والغاز في المناطق المتاخمة للخط المتوسط بين المناطق الاقتصادية الخالصة بين البلدين، فضلا عن التعاون في الميادين الأخرى ذات الصلة، يحتل مرتبة عالية في العلاقات وفي الحوار بين الحكومات."19

ومع ذلك، فإن هذا التحرك يعد طلقة تحذيرية - فمن المرجح أن أسلمة مصر ستزعزع علاقات قبرص مع الجنوب على المدى الطويل، وستشجع عدوها الشمالي ليكون أكثر عدوانية في العلاقة مع القاهرة. وفي الواقع، أفادت الصحف القبرصية أن تركيا ضغطت على كل من لبنان ومصر لرفض اتفاقات المناطق الاقتصادية الخالصة التي وقعاها مع قبرص.20

حتى إذا وضعنا المسائل التركية والمصرية جانبا، هناك جوانب أمنية مقلقة في قبرص. لا يريد حزب الله وسوريا وإيران أن يروا ثروات حوض الشام مطورة بأي شكل. ولكن قدرتهم على منع إسرائيل من تطوير اكتشافاتها للغاز للطبيعي محدودة جدا. والواقع أن إسرائيل ظلت ناجحة في حماية بنيتها التحتية الحيوية حتى في فترات اندلاع الحروب. لكن قبرص ليست آمنة من الإرهاب الدولي، وحزب الله وإيران وسوريا، والجماعات الفلسطينية العلمانية تحت السيطرة السورية، لها كلها وجود عملياتي قوي في قبرص، وقد يجدوا طرقا لضرب المنشأة القبرصية-الإسرائيلية المشتركة للغاز الطبيعي المسال. قبرص، ببساطة، لا تستطيع تطوير وسائل لحماية هذه المنشأة، مثلما تستطيع إسرائيل.

وأخيرا، هناك الدور الروسي المعقد في قبرص. فمراجعة العروض الروسية ل"مساعدة" قبرص على مدى العامين الماضيين توحي بالقليل من الإيثار والكثير من المصالح الاستراتيجية.

قبرص، التي هي بالفعل مركز بحري رائد لرأس المال والتمويل الروسي، أعلنت يوم 5 أكتوبر 2011 أنها ستحصل على قرض 2.5 مليار يورو من روسيا بمعدل فائدة 4.5%.21

وكانت روسيا أول وأقوى مؤيد لموقف قبرص في التصعيد مع تركيا والتنقيب عن الغاز في صيف 2012. 22 وقامت بتحريك أسطولها في شرق البحر الأبيض المتوسط23 (على وجه التحديد، حاملة الطائرات الروسية الأميرال كوزنيتسوف وغواصة "لأغراض دورية") لردع تركيا عن التصرف.24

في يناير 2013، عرضت شركة الغاز الروسية جازبروم، والتي تديرها الدولة، فقط أقل من 2 مليار يورو لشركة دي إي بي إيه، وهي شركة الغاز المملوكة لدولة اليونان. تزود دي إي بي إيه مستهلكين رئيسيين في البلاد بالغاز، و65% من أسهمها تملكها الحكومة اليونانية. على الرغم من أن هذا المبلغ هو أعلى بكثير من قيمة دي إي بي إيه الحقيقية، تساعد هذه الصفقة جازبروم على تعزيز احتكارها لسوق الطاقة اليوناني ومن ثم مكانتها في أوروبا. في الواقع، لاحظ المحللون الروس أنه بعد شراء دي إي بي إيه وبعد تدشين خط أنابيب الغاز ساوث ستريم في المستقبل، فإن اليونان وبلغاريا صربيا وكرواتيا سيكونون جميعا تحت سيطرة جازبروم كموردّ للغاز.25

في 17 مارس 2013، وفي رد فعل على خطة قبرص لفرض ضرائب على الودائع المصرفية لمعالجة أزمتها المالية، قدمت شركة جازبروم اقتراحا إلى مكتب الرئيس القبرصي نيكوس أناستاسيادس تتولى بموجبه إعادة هيكلة البنوك في البلاد مقابل حقوق التنقيب عن الغاز الطبيعي في المنطقة الاقتصادية القبرصية الخالصة ومقابل سيطرة كبيرة على موارد الغاز في البلاد.26

وكان الرئيس القبرصي أناستاسيادس غير مستعد لمناقشة العرض الروسي، ولكن مسؤولين روسيين قالوا (في استجابة لجمعية البنوك الإقليمية في روسيا): "الآن سيتقوض إيماننا بقبرص كمكان مناسب للحفاظ على الأموال"، وأشاروا إلى أن النظام المصرفي القبرصي "ليس جديرا بالثقة"، ونصحوا المواطنين الروس"بسحب ودائعهم من قبرص."27

ونظرا لمركزية الغاز الاستراتيجية بالنسبة لموقع إسرائيل الاستراتيجي الناشئ، ونظرا للمصالح القوية التركية والإيرانية وغيرهما في تحدّيه، فمن المهم أن تقع بنية إسرائيل التحتية الرئيسية تحت مظلة السلطة الإسرائيلية. وبما أنه لا يمكن أن تصل قدرات إسرائيل العسكرية إلى "امتلاك" الدفاع الاستراتيجي القبرصي - أو حتى إلى ضمان أمن المصالح الإسرائيلية الرئيسية على الأرض - فمن المنطقي أن تحافظ إسرائيل على بنية الغاز الطبيعي التحتية الحيوية في إسرائيل نفسها وأن لا تتركه مرتكزا على هيكل الغاز الطبيعي القبرصي المسال.

بل قد يكون من المنطقي ترسيخ صناعة الغاز القبرصية الناشئة في هيكل التوزيع الإسرائيلي، بدلا من العكس، لأنه سيكون ترسيخا للمصالح الاستراتيجية لكل من اليونان وقبرص، وحتى الاتحاد الأوروبي، في الدفاع عن إسرائيل لضمان حماية إنتاجية حوض الشام. وقد يكون من البعيد إقناع أوروبا بأن مصالحها الحيوية وسلامة الغاز الطبيعي القادم من شرق البحر المتوسط ​​مضونين بشكل أفضل حال بناء قطعة رئيسية من البنية التحتية للغاز في إسرائيل، ولكن ذلك يصبح أقل بعدا بكثير إذا أخذنا في الاعتبار الاتجاه العام للمنطقة، والإمكانية الحقيقية جدا لانحلال التوازن في قبرص.

 

عن طريق تركيا

وفي الآونة الأخيرة، ظهرت فكرة أن إسرائيل يمكن أن تبني خط أنابيب للتصدير من حقل لوياثان إلى تركيا.28 ففي نهاية يناير عام 2013، أشار مدير عام وزارة إسرائيل للطاقة والموارد المائية، شاؤول تسيمح، أن تركيا يمكن أن تكون زبونا لمَرسى الغاز الإسرائيلي، وأن خيار تصدير الغاز إلى تركيا خيار عملي، على الرغم من التوترات السياسية .ومتحدثا عن اتعاون مع تركيا، قال: "هذا وارد. هناك عدد غير قليل من الحواجز الجيوسياسية بين إسرائيل وتركيا، ولكن إذا علمنا كيف نهيئ الظروف المناسبة، سيكون ذلك ممكنا. وينبغي أن يستخدم الغاز كعامل استقرار، الأمر الذي يتطلب التعاون بين الدول ويتضمن الشركات متعددة الجنسيات والأطراف الدولية ذات المصلحة في الاستقرار الإقليمي.".29

وأضاف تسيمح أن هناك مجالا لتضمين السلطات الأجنبية والشركات متعددة الجنسيات في مشروع من شأنه أن يصدر الغاز الإسرائيلي إلى تركيا. ووفقا لورقة مالية إسرائيلية أخرى، فإن التكتل التركي زورلو إنداستريال في أن إنيرجي تيسيسليري إنسات تاي آت سيكون الشريك التركي في خط أنابيب الغاز بين إسرائيل وتركيا.

في حين يبدو أن المسؤولين الأتراك أقل حرصا، فإن تحركاتهم وتحذيراتهم لا تزال تشير إلى أن الخيار التركي في أحسن الأحوال مشكوك فيه. ففي نفس اليوم تقريبا الذي نُشرت فيه تصريحات تسيمح، كان نائب وزير الطاقة التركي، مراد مرجان، يوجه اللوم لدبلوماسي إسرائيلي على الملأ ويطرح موقفا صارما للغاية، قائلا أنه حتى لو قامت إسرائيل بالوفاء بالمطالب التركية 1) واعتذرت اعتذارا مفتوحا عن حادثة مافي مرمرة، 2) وعوضت عائلات الضحايا، 3) وأنهت الحصار على غزة، فإن تعاون إسرائيل في الموارد مع قبرص اليونانية يمنع أي تعاون في مجال الطاقة مع تركيا.30 وفي حين أن أول هذه الشروط يبدو أنه قد تم الوفاء به، فإنه ليس واضحا بعد وحتى كتابة هذه السطور ما إذا كانت الشروط الأخرى سيتم معالجتها لإرضاء أنقرة.

تركيا قد لا تكون مستعدة للتنازل عن التعاون في مجال الطاقة مع قبرص، فهي تعتبره خطا أحمر. أعلنت تركيا يوم 27 مارس أن الحكومة تريد وقف بعض المشاريع التركية مع إني، شركة النفط والغاز الطبيعي الإيطالية العملاقة. وقال وزير الطاقة التركي تانر يلدز: "قررنا عدم العمل مع إني في تركيا، بما سيتضمن وضع مشاريعهم على الأرفف،" بسبب خطط إني للاستكشاف في مياه قبرص، والذي تدعي تركيا أنه يشكل انتهاكا للقانون الدولي. وقال يلدز أن الحكومة التركية تفضل أن لا تعمل شركة كليك هولدنج، ومقرها اسطنبول، مع شركة إني على مشروع لبناء خط أنابيب النفط الخام والذي يبلغ طوله 550 كيلومتر ويربط بين ميناء صامسون على البحر الأسود مع منفذ جيحان على البحر المتوسط ​​. ينقل تحرك تركيا أيضا إشارات استراتيجية بمجازفات كبيرة. وكانت إني تعمل مع شركة جازبروم الروسية لبناء خط ساوث ستريم لنقل الغاز الروسي عبر تركيا. وكانت تركيا ترسل إشارة إلى روسيا، وليس فقط إلى ايطاليا وإلى إني، مفادها أنها اذا طورت علاقاتها مع قبرص، فسوف تفقد دورها في مشروع ساوث ستريم ذي الأهمية الاستراتيجية، والذي قد ينافس حينئذ شركات الغاز الروسية بدلا من أن يخدمها.

وعلاوة على ذلك، فعلى الرغم من الاعتذارات ومن جو الانفراج، فالاتجاهات طويلة المدى تشير إلى أن التوترات الأوسع بين إسرائيل وتركيا سوف تستمر في النمو بدلا من الانحسار بسبب النظرة الإيديولوجية التي تحكم أنقرة في إطار سعيها لإعادة تأهيل مجدها العثماني البائد.

من وجهة نظر العلاقات التركية-الإسرائيلية، حتى لو تم بناء مثل هذا الخط، فإنه سيكون عرضة لما يلي:

الابتزاز الجيوسياسي من ناحية أنقرة: في عصر ما قبل اكتشافات غاز إسرائيل، أوقفت الحكومة التركية فكرة بناء خط أنابيب مياه إلى إسرائيل إلى حين أن تتنازل إسرائيل في جميع قضاياها مع الفلسطينيين.

التعرض للتخريب: يتم قصف خطوط الأنابيب إلى تركيا بشكل منتظم. فالمخربون الموالون لتركيا يقومون بانتظام - بشكل شهري تقريبا - بتفجير خطوط الأنابيب التي تنقل النفط من شمال العراق إلى سوريا في محاولة لزعزعة استقرار الحكومة السورية. وردا على ذلك، يتم أيضا بانتظام قصف خطوط أنابيب توريد الغاز إلى تركيا من شمال العراق وحتى إيران. وفي الواقع، فإن هشاشة إمدادات خط الأنابيب إلى تركيا هي التي تؤدي إلى اهتمام الحكومة التركية بخط الأنابيب الإسرائيلي، ولكنها لن تكون أكثر قدرة على تأمينه من خطوط الأنابيب الأخرى.

المعارضة الجيوستراتيجية من موسكو: الغاز الإسرائيلي يشكل ضغطا على روسيا فهو ينافس إمداداتها لأسواق الغاز التركية والأوروبية.وقد يكون من الممكن معالجة هذا القلق من خلال جلب شركة جازبروم إلى اتفاق ووضعها في موقف مسيطر، ولكن جلب جازبروم لا يؤدي إلا إلى ضعف جيوسياسي في مواجهة الابتزاز ويعرض نظام خطوط الأنابيب لتعقيدات القضايا التركية-الروسية والروسية-الإسرائيلية بالإضافة إلى التركية-الإسرائيلية.

لكن الأهم هو أن روسيا ترى نفسها الآن مهددة بصعود إمبراطورية عثمانية سنية إلى جنوبها، ولذلك فهي تسعى بكل وسيلة ممكنة لتقليض حجم طموحات أنقرة. ومن الخطر الوقوف على الجانب الخطأ من وجهة نظر روسيا وإيران بشأن مسألة بناء منشأة في تركيا لا يمكن أن تكون محمية بشكل فعال من الإرهاب.

 

التصدير المباشر من إسرائيل إلى الأسواق

وبالتالي، فمن المرجح أنه في نهاية المطاف سيتم إسالة الغاز على الأراضي الإسرائيلية وتصديره مباشرة عبر البحر إلى السوق المستهلكة. وفي الواقع، فإن لجنة تسيمح - اللجنة الحكومية الإسرائيلية المكلفة بوضع سياسات الغاز الطبيعي لإسرائيل بشكل عام - أعربت عن "تفضيل قوي" أن تكون أي منشأة تصدير موجودة على الأراضي الإسرائيلية.وبالإضافة إلى ذلك، فقد قال مسؤولون في وزارة الطاقة والموارد الإسرائيلية المائية للصحافة الإسرائيلية أن المحطة سيتم بناؤها في إسرائيل، على الرغم من الصعوبات البيروقراطية، لأنه "لا توجد حكومة عاقلة مستعدة لأن تكون منشآت تصدير غازها في دولة آخرى، مهما بلغت درجة صداقتها".31

يمكن لحكومة إسرائيل أن تسعى أيضا للاستفادة من تصدير الغاز عن طريق مواءمة سياساته مع أهداف السياسة الخارجية الأوسع من خلال تفضيل استراتيجية تصدير مرنة تستغل موقع البلد الجغرافي لخدمة كل من آسيا وأوروبا. لدى إسرائيل ومصر الميزة الجغرافية التي تتمثل في سهولة الوصول النسبية إلى كل من آسيا وأوروبا، ما يسمح لهما على حد سواء بالتفكير في طريقة تصدير ثنائية إلى القارتين. ينطوي اعتماد هذه الخطة على احتمالية بناء محطات الغاز الطبيعي المسال الراسية في إحدى طرفي خط شركة أنابيب إيلات-عسقلان (إي إيه بي سي) - مع محطات في عسقلان التي تواجه أوروبا على البحر المتوسط ​​وفي رامات يوتام قرب إيلات التي تواجه آسيا - وذلك اعتمادا على حجم الموارد المكتشفة في حوض الشام.

في الواقع، ينظر العديد من المسؤولين الإسرائيليين لأهمية تصدير الغاز في سياق التدهور في مصر - وليس فقط من حيث العداء لإسرائيل، ولكن أيضا من حيث الفوضى والميول المعادية للغرب - وكلها تطورات تثير تساؤلات حول جدوى قناة السويس كطريق عبور أوروبي-آسيوي رئيسي. هؤلاء المسؤولون يرون خط أنابيب غاز طبيعي يمر عبر إسرائيل كمرتكز إضافي لتحويل إسرائيل إلى طريق مرور رئيسي عبر المحيطات، يربط بين البحر الأبيض المتوسط ​​والبحر الأحمر، ويعيد التأكيد على أن أرض إسرائيل، باعتبارها طريقا رئيسيا للتجارة والنقل، بديل لقناة السويس. وهؤلاء ينظرون إلى تطوير منطقة إيلات، وامتدادها الإسرائيلي، كبوابة أوروبا إلى آسيا، وبالتالي كتعزيز للقيمة الاستراتيجية لإسرائيل لدى الغرب.

 

التهديدات البحرية الإيرانية المتزايدة على البحر الأحمر

ولكن حتى هياكل التصدير التي تعمل مباشرة من إيلات (رامات يوتام) وتستهدف الأسواق الآسيوية ستواجه مشكلة استراتيجية متصاعدة قد تدفع إلى تحول جذري في موقف إسرائيل وفي اهتمامها الأساسي في البحر، وهو الوجود الإيراني المتصاعد في البحر الأحمر.

في 28 يناير 2013، أشار وزير الخارجية الإيراني إلى أن إيران تولي "أهمية قصوى" لأمن البحر الأحمر، وأن وجودها البحري في البحر الأحمر هو خطوة هامة نحو بناء علاقات جيدة مع دول المنطقة.

في 16 يناير 2013، قال قائد البحرية الإيرانية الأميرال حبيب الله سياري أنه سيتم نشر أسطول السفن الحربية الرابع والعشرين التابع للجمهورية الإسلامية في البحر الأبيض المتوسط. "سيجوب أسطول السفن الحربية الرابع والعشرون شمال المحيط الهندي وخليج عدن وباب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس والبحر الأبيض المتوسط ​​لمدة ثلاثة أشهر وسيبحر حتى إلى دول جنوب شرق آسيا" كجزء من التدريبات ولاية 91. 32

في 28 ديسمبر 2012، أعلنت إيران أن أسطولها الثالث والعشرين قد أرسى في بور سودان سفينتين حربيتين في 8 ديسمبر بعد أن جاب مضيق باب المندب الاستراتيجي والبحر الأحمر. وقالت البحرية أن الأسطول الثالث والعشرين يتكون من مدمرة جمران ومركبة بوشهر اللوجستية. ودعا القائد الأعلى للبحرية السودانية في ذلك الوقت، عبد الله المطري، إلى توسيع العلاقات العسكرية الإيرانية السودانية.33

بعد الزيارتين البحريتين الإيرانيتين، نقل موقع إخباري سوداني معارض في 9 ديسمبر أن الحرس الثوري الإيراني والسودان اتفقا على إنشاء قاعدة عسكرية إيرانية على شاطئ البحر الأحمر بالسودان، كما قال أن الزيارات المتكررة من الوحدات البحرية الإيرانية للسودان تهدف إلى تهيئة الرأي العام الدولي والسوداني وقياس ردود الفعل على إنشاء قاعدة عسكرية.34

أفادت شبكة إعلامية إيرانية مملوكة للدولة بأن الأسطول الثاني والعشرين، والذي يضم حاملة طائرات هليكوبتر وسفينة حربية، والذي تم نشره على سواحل جيبوتي ومضيق باب المندب في أواخر سبتمبر، قد زار السودان في 29 أكتوبر كجزء من مهمة استمرت ل75 يوما.35

البحرية الإسرائيلية تنضج

من المرجح أن ترسل إسرائيل الجزء الأكبر من أي غاز تصدره إلى الشرق. ومع ذلك، فإن تجارة الغاز الجديدة ستكون صدى للتحول الجاري بالفعل في أنماط التصدير الإسرائيلية على نطاق أوسع، وذلك مع تزايد حجم التبادل الاقتصادي الإسرائيلي-الآسيوي، والذي يتزامن مع تناقص حجم نظيره الإسرائيلي-الأوروبي. هذا التبادل الجديد للطاقة والتوسع في صادرات القطاعات غير النفطية إلى آسيا سيتزامن مع، وسيعزز من، خطة إسرائيل الأوسع نطاقا لتقديم بديل استراتيجي لعبور قناة السويس.

سينطوي تعظيم دور إسرائيل كبوابة أوروبا إبى آسيا على تحديات استراتيجية ستشجع إسرائيل ليس فقط على تعزيز تعاونها العسكري البحري مع الولايات المتحدة بل ربما مع بعض القوات البحرية الأوروبية أيضا. كذلك، سيتطلب هذا الدور من إسرائيل إقامة وتوسيع أسطول في البحر الأحمر يتمتع بقدرة على العمل في المياه العميقة وبقدرة كبيرة على العمل ضمن مجموعات. سيكتسب هذا غاية الأهمية مع انحسار قوة البحرية الأمريكية على مستوى العالم خلال العقد المقبل.

وفي الوقت نفسه، فإن الجهود النشطة الرامية إلى زعزعة الاستقرار في شرق البحر المتوسط ​​- حيث تقع حقول الإنتاج بالفعل - بالإضافة إلى تضاؤل دور القوات البحرية الأمريكية في تأمين المنطقة، سيخلقان فراغا وسيشكلان خطرا على الأصول البحرية الإسرائيلية هناك. سيتطلب هذا أيضا توسعا كبيرا في حجم وقدرة الأسطول الإسرائيلي في البحر الأبيض المتوسط.

باختصار، سيصبح جيش الدفاع الإسرائيلي واحدا من أهم أسلحة تأمين الغاز الطبيعي، وربما أيضا تجارة النفط التي ستغير إسرائيل في العقود المقبلة.

 

اعتبارات للمستقبل

مع أن الاكتفاء الذاتي في مجال الطاقة - وبالتبعية، في الموارد المائية والنشاط الاقتصادي - الذي تفسح له الاكتشافات الإسرائيلية المجال سوف يمثل تحسنا كبيرا في قوتها الاستراتيجية، فإن تصديرها لاحقا لمواردها النفطية سينطوي على اعتبارات أكثر أهمية وتعقيدا بكثير. ومع ذلك، وحتى في هذه المرحلة المبكرة، تظهر عدة مواضيع رئيسية.

ستشكل محاولات توظيف هذه الموارد من أجل دفع عملية السلام بين إسرائيل وجاراتها من الدول المسلمة أعظم إغراء على مستوى السياسات. ومع ذلك، فإن التاريخ يشير إلى أن رفع مستوى التبعية المتبادلة بين إسرائيل وجيرانها واستخدام جهود التنمية لترسيخ التقارب بين الشعوب هما وهم يؤدي إلى طريق مسدود. لم تؤد هذه الجهود في الماضي إلا إلى تنامي الاستياء الإسلامي من إسرائيل وإلى المساهمة في تقوية الصورة العقدية المعادية للسامية عن سيطرة اليهود على اقتصادات المسلمين. وعلاوة على ذلك، فقد تركت إسرائيل أضعف كثيرا من الناحية الاستراتيجية. وفي حين أن البعض في إسرائيل يأمل أن يساعد ترسيخ نظام التصدير الإسرائيلي في تركيا وحل مشكلة فجوة الطاقة التركية على إيقاف التدهور الاستراتيجي في العلاقات الثنائية وإعادة بنائها، فإن تجربة إسرائيل مع مصر والفلسطينيين تشير إلى أن هذه الآمال، رغم النوايا الحسنة، ستواجه خيبة أمل كبيرة.

إن إدخال أي طرف آخر إلى نظام التصدير الإسرائيلي سيزيد - وهذا مرجح هندسيا - من التعقيد الاستراتيجي ومن صعوبة تحقيق هذا الهيكل والحفاظ عليه. ورغم أن قبرص والأردن قد تبدوان للوهلة الأولى حلين أنيقين لصعوبات ومخاطر زرع منشآت كبرى في إسرائيل، فإن عدم الاستقرار الذي بدأ حديثا في هذين البلدين، إلى جانب ضعفهما العسكري الطبيعي وموقعيهما الاستراتيجيين متزايدي القتامة، سيكونوا أكثر تهديدا من الوضع في إسرائيل في العقود المقبلة. إن كليهما أضعف بكثير وأقل قدرة بكثير من إسرائيل على إدارة التغير في الحقائق الاستراتيجية في الشرق الأوسط وشرق البحر الأبيض المتوسط ​. باختصار، ينبغي أن يكون هيكل الصادرات الإسرائيلي مباشرا وثنائيا ومستقلا قدر الإمكان. يجب مقاومة إغراء إرهاقه بالآمال الإقليمية والبعثات الدبلوماسية مهما كانت تبدو واعدة.

إن التحديات الاستراتيجية التي يطرحها انحدار نفوذ الولايات المتحدة على المديين القريب والمتوسط، وتغير النظام الإقليمي، وارتفاع أهمية الموارد الإسرائيلية، ستجتمع معا لتتطلب من إسرائيل تغيير وضعها العسكري بشكل كبير وعقائدي وزيادة إنفاقها العسكري بشكل حقيقي.

 

1. ذا   ماركر، هآرتس، 9 يناير 2011.

2. شارون كيدمي: "بريتش جاس: يستحيل أن نعود للعمل في إسرائيل"، ذا ماركر، 21 مايو 2006.

3. عميرام بركات: "أين هي شركات النفط الكبرى؟ لقد فشلت إسرائيل، على عكس جارتها قبرص، في اجتذاب الشركات الهامة في المجال إلى صناعة الطاقة المزدهرة بها. لماذا؟" جلوبز، 4 يونيو 2012.

4. وفقا لهيئة الغاز الطبيعي الإسرائيلية بوزارة الطاقة والموارد المائية.

5. http://www.globes.co.il/serveen/globes/docview.asp?did=1000829662&fid=1725 13 13مارس 2013، http://www.themarker.com/dynamo/1.1963777 ،13 مارس عام 2013.

6. تصريحات (ألتمان) في مقابلة أجريت 17 مايو 2010، في واشنطن، دي سي.

7. http://www.globes.co.il/news/article.aspx?did=1000823101#fromelement=hp_firstarticle ،18 فبراير 2013.

8. http://www.haaretz.com/business/jordan-in-secret-talks-to-import-natural-gas-from-israel-s-tamar-field.premium-1.503672، 15 فبراير 2013.

9. http://jordantimes.com/arab-potash-company-looks-to-import-natural-gas-from-israel، 17 فبراير 2013.

10. المفوضية الأوروبية، مكتب الإحصاء، http://epp.eurostat.ec.europa.eu/statistics_explained/index.php/Natural_...

11. قناة الجزيرة، 17 مارس 2013.

12. فيما يتعلق بتراجع معدلات الإنتاج، راجع: http://www1.youm7.com/News.asp?NewsID=975119&SecID=24&IssueID=0، 11 مارس 2013. عن خطف البدو لمسؤول بشركة إكسون، راجع: http://www.reuters.com/article/2013/03/07/us-egypt-kidnapping-idUSBRE9260YW20130307، 7 مارس عام 2013.

13. "تصاعد التوتر بين المغرب وإسبانيا على خلفية تصادم قوارب"، وكالة أنباء ماب المغربية، 13 مارس 2013.

14.  موقع تو سير لالجيري، 30 مارس 2013.

15. بيتر سي. غلوفر ومايكل جاي. إيكونوميدس، "لعبة الطاقة الروسية الجديدة في الشرق الأوسط"، المعلق، مارس 2013، http://www.thecommentator.com/article/3048/russia_s_new_middle_east_energy_game

16. http://www.cyprusnewsreport.com/?q=node/4842 ،2 نوفمبر 2011 و http://famagusta-gazette.com/noble-energy-manager-expresses-hopes-for-giant-gas-fields-in-cyprus-p13390-69.htm ، 2 نوفمبر 2011.

17. http://www.mfa.gov.tr/no_-140_-18-may-2012_-press-release-regarding-the-international-tender-for-off_shore-hydrocarbon-exploration-and-exploitation-opened-by-the-greek-cypriot-administration.en.mfa، 18 مايو 2012.

18. نقلا عن: http://www.egyptindependent.com/news/shura-council-approves-draft-law-cancelling-egypt-cyprus-economic-zone، 6 مارس 2013.

19. http://famagusta-gazette.com/egypt-has-never-questioned-the-eez-agreement-with-cyprus-fm-stresses-p18446-69.htm، 7 مارس 2013، http://www.cyprus-mail.com، 8 مارس 2013.

20. http://www.cyprus-mail.com/، 8 مارس 2013.

21. http://www.financialmirror.com/news-details.php؟nid=24628 6 أكتوبر، 2011.

22. http://www.defencegreece.com/index.php/2011/10/greece-and-russia-rally-behind-cyprus/، 2 أكتوبر 2011.

23. http://famagusta-gazette.com/minister-violations-of-cyprus-air-space-by-the-turks-is-an-everyday-pheno-p13115-69.htm، 4 أكتوبر 2011.

24. http://www.asianews.it/news-en/Turkey,-Israel,-Greece-and-Russia-mobilising-over-Cyprus-gas-22820.html، 5 أكتوبر 2011.

25. http://english.ruvr.ru/2013_01_21/Gazprom-offers-2-billion-euros-to-Greek-market/، 21 يناير 2013.

26. http://greece.greekreporter.com/2013/03/18/gazprom-offers-cyprus-restructuring-deal-to-avoid-eu-bailout/، 18 مارس 2013.

27. http://news.yahoo.com/cyprus-parliament-delays-vote-bank-deposits-tax-085504140-finance.html، 17 مارس 2013.

28.  تقرير الطاقة في حوض بلاد الشام ، المجلد 4، العدد 5 (29 يناير 2013).

29. http://www.globes.co.il/serveen/globes/docview.asp?did=1000818049&fid=1725، 29 يناير 2013.

30. http://www.hurriyetdailynews.com/apology-cyprus-hinder-israels-turkey-gas-bid.aspx?pageID=238&nID=39802&NewsCatID=348{0،, 25 يناير 2013.

31. http://www.globes.co.il/serveen/globes/docview.asp?did=1000697565&fid=1724، 13 نوفمبر 2011.

 

 

 

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب