حصري: ما الذي تريده داعش حقًا؟

تقرير صحفي

ما هي الدولة الإسلامية؟

من أين أتت وما هي نواياها؟ إنّ بساطة هذه الأسئلة قد تكون خادعة ويبدو أن القليل فقط من القادة الغربيين يعرفون الإجابة. نشرت نيويورك تايمز، في ديسمبر، تعليقات سرّية للجنرال مايكل ك. ناغاتا، قائد العمليات الخاصة للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، يعترف فيها أنه بالكاد بدأ يفهم جاذبية الدولة الإسلامية. وقال "لم نهزم الفكرة... فنحن إلى الآن لم نستوعبها". أشار الرئيس أوباما، في السنة الماضية، إلى الدولة الإسلامية بطرق متعددة، على أنها "غير إسلامية" وأنها "فريق أشبال" تابع للقاعدة، وهي عبارات تعكس حيرةً حول المجموعة ولعلها أسهمت في أخطاء استراتيجية مهمّة.

استولت المجموعة على الموصل في العراق، في يوليو الماضي، وتحكُم فعليًا مساحةً أكبرَ من حجم المملكة المتحدة. يقودها أبو بكر البغدادي، منذ مايو 2010، لكن حتى الصيف الماضي كان أحدث ظهور مصوّر له في صورة غير واضحة من ملف جنائي أثناء إقامته في الحبس الأمريكي، في كامب بوكا، خلال احتلال العراق. ثم يوم 5 يوليو من العام الماضي حين صعد إلى منبر الجامع النوري، في الموصل، ليلقي خطبة شهر رمضان كأول خليفة يأتي بعد مرور أجيال - مرتفعًا بصورته إلى الجودة العالية ومرتفعًا بمركزه من فدائي مطارد إلى قائد لجميع المسلمين. كان تدفّق الجهاديين الذي تلى ذلك، من كافة أنحاء العالم، غير مسبوق في مداه وكمّه واستمراريته.

إنّ جهلنا بالدولة الإسلامية مفهوم بشكل ما: إنّها مملكة النُسّاك، فقلائل هم من ذهبوا إلى هناك وعادوا. وقد تحدّث البغدادي أمام الكاميرا مرةً واحدةً فقط. لكن خطابه وفيديوهات الدعاية العديدة للدولة الإسلامية ومنشوراتها موجودة على شبكة المعلومات وقد كَدَّ مؤيديو الخلافة بقوة ليجعلوا مشروعهم معروفًا. نستطيع أن نستجمع أن دولتهم ترفض السلام كمبدأ؛ وأنها جائعة للقتل الجماعي؛ وأن وجهات نظرها الدينية تجعلها غير قادرة دستوريًا على بعض أنواع التغيير، حتى وإن كان هذا التغيير لصالح بقائها؛ وأنها ترى نفسها مبشرًا ونذيرًا  - وصانع مانشيتات - النهاية الوشيكة للعالم.

تتبع الدولة الإسلامية، المعروفة أيضًا بالدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، نوعًا خاصًا من الإسلام ترتبط رؤيته للطريق إلى القيامة باستراتيجيته، الأمر الذي يمكن أن يساعد الغرب في معرفة عدوه وتوقع سلوكه. ولا يشبه صعودها إلى السلطة انتصار الإخوان المسلمين في مصر (وهي مجموعة ترى أن قيادات الدولة الإسلامية من المرتدين)، إنما يشبه على نحو أكبر تحقق واقع بديل ديسيوتوبي [dystopian] ينجو فيها ديفيد كورش أو جيم جونز ليحصل على سلطة مطلقة ليس على عدة مئات من الأفراد فقط، بل على 8 ملايين تقريبًا.

أسأنا فهم طبيعة الدولة الإسلامية من ناحيتين على الأقل. أولًا، إننا نميل إلى رؤية الجهاديين على أنهم صورة متجانسة ونقوم بإسقاط منطق القاعدة على منظّمة تجاوزتها بشكل حاسم. ما يزال أنصار الدولة الإسلامية الذين تحدثت معهم يشيرون إلى أسامة بن لادن بلقب "الشيخ أسامة" وهو لقب يوحي بالتبجيل. لكن الجهادية قد تطورت منذ أن كانت القاعدة في ذروتها، من 1998 إلى 2003، بما جعل الكثير من الجهاديين يزدرون أولويات المجموعة وقيادتها الحاليّة.

رأى بن لادن إرهابه كمقدمة لخلافة لم يتوقع أن يراها في حياته. كانت منظمته مرنة وعملت كشبكة من الخلايا المستقلة المنتشرة جغرافيًا. إن الدولة الإسلامية، على النقيض من ذلك، تقتضي نمطًا من تقنين الأراضي والحكم من قِبل هيكل تصاعدي (بيروقراطيتها تتوزع على أذرع مدنية وعسكرية ومناطقها موزعة في محافظات).

إننا نقاد إلى طريق خاطيء بشكل آخر، عن طريق حملة غير أمينة، وإن كانت حسنة النية، لنفي طبيعة الدولة الإسلامية المرتبطة بدين العصور الوسطى. عرّف بيتر برجن الذي أعدّ الحوار الأول مع بن لادن، في 1997، بعنوان كتابه الأول الحرب المقدسة،  بن لادن كصنيعة للعالم العلماني الحديث. لقد مأسس بن لادن الإرهاب ثم شرع في الموافقة على فروع له. كان يطلب تنازلات سياسية محددة مثل انسحاب القوات الأمريكية من السعودية. يطوف جنوده العالم الحديث بثقة. توقف محمد عطا، في آخر يوم من حياته، بمتجر والمارت وتناول العشاء في بيتزا هت.

هناك إغراء في تكرار هذه الملاحظة - إن الجهاديين أشخاص حديثون علمانيون بهموم سياسية حديثة يتنكرون في زي ديني من العصور الوسطى. في واقع الأمر، الكثير مما تفعله المجموعة يبدو غير منطقي إلا في ضوء التزام مخلص وممنطق بحرص، بالعودة بالحضارة إلى البيئة التشريعية للقرن السابع وجلب نهاية للعالم.

أغلب المتحدثين باسم هذا الموقف طلاقة هم مسؤولو ومؤيدو الدولة الإسلامية أنفسهم. يشيرون بسخرية لـ "الحداثيين". ويصرّون في محداثاتهم أنهم لا - ولن - يزيغوا عن التعاليم الحاكمة التي وضعها في الإسلام الرسول محمّد وأوائل تابعيه. وكثيرًا ما يتحدثون بشيفرات وإحالات تبدو غريبة أو قديمة الطراز بالنسبة لغير المسلمين ولكنها تشير إلى تقاليد ونصوص الإسلام المبكرة.

لأخذ مثال واحد: دعى الشيخ أبو محمد العدناني المتحدث الرسمي الرئيسي للدولة الإسلامية، في سبتمبر، المسلمين في العالم الغربي مثل فرنسا وكندا للبحث عن كافر "وتحطيم رأسه بحجر"  أو تسميمه أو دهسه بسيارة أو "تدمير محاصيله". إن العقوبات التي تبدو لاهوتية، بالنسبة إلى الآذان الغربية، - كالرجم وتدمير المحاصيل - تبدو غريبة كذلك حين تتجاور مع دعوته للدهس بالسيارات التي تبدو أكثر حداثة. (أشار العدناني أيضًا إلى وزير الخارجية، كيري، على أنه - في دلالة للإرهاب عن طريق المجاز - "عجوز غريب الأطوار غير مختّن").

لم يكن ما يقوله العدناني محض هراء. كان خطابه مزيّنًا بنقاشات عقائدية وفقهية، وكانت دعوته لمهاجمة المزروعات بشكل مباشر تجد جذورها في تعاليم محمّد بعدم مهاجمة مياه الأبار والمزروعات - إلا إذا كانت جيوش الإسلام في موقف دفاعي، ففي هذه الحال يجب على المسلمين، في بلاد الكفار، أن يقوموا بتسميم المياه وألا تأخذهم بالكفار رأفة.

الحقيقة أن الدولة الإسلامية، إسلامية. إسلامية جدًا. نعم لقد جذبت سيكوباتيين وباحثين عن المغامرة من السكان الساخطين في الشرق الأوسط وأوروبا. لكن الدين الذي يدعو له أكثر أتباعها حماسة مستخرج من التفسيرات المتماسكة والعالِمة للإسلام.

إنّ كل قرار كبير تقريبًا وكل قانون يتم إعلانه من قِبل الدولة الإسلامية يلتزم بما تمسيه في صحافتها وإعلاناتها وعلى لوحات الإعلانات ولوحات أرقام السيارات والأدوات المكتبية والعملات بـ "النهج النبوي" والذي يعني اتباع نبوة ومثال محمّد في أدق التفاصيل. يمكن للمسلمين أن يرفضوا الدولة الإسلامية، أغلبهم تقريبًا يرفضها. لكن ادعاء أنها ليست مجموعة دينية ألفيّة [نسبة إلى الألفيّة الثالثة] مع لاهوت يجب أن يخضع للفهم حتى يمكن محاربته، قد أدّى بالولايات المتحدة إلى التقليل من تقدير شأنها بالفعل وإلى دعم خطط حمقاء لمواجهتها. سنحتاج إلى التعرف على السلالة الفكرية للدولة الإسلامية في حال أردنا الاستجابة بطريقة لا تعمل على تقويتها، لكن - على العكس - تساعدها في تدمير تطرّفها الزائد ذاتيًا.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الصورة: إن السيطرة على الأراضي بمثابة شرط مسبق ضروري لسلطة الدولة الإسلامية في عيون مؤيديها. هذه الخريطة، من مؤسسة دراسات الحرب، تُظهر الأراضي الواقعة تحت سيطرة الخلافة، في 15 يناير، مع المناطق التي هاجمتها. تجمع الدولة الإسلامية، في الأماكن التي تمتلك فيها السلطة، الضرائب وتنظّم الأسعار وتدير المحاكم والخدمات من الرعاية الصحية والتعليم وحتى الاتصالات.

 

١. الإخلاص

 أطلقت الدولة الإسلامية، في نوفمبر، فيديو شبيه بالإعلانات المعلوماتية يمتد بأصولها إلى أسامة بن لادن واعتراف بأبو مصعب الزرقاوي، القائد الوحشي للقاعدة في العراق منذ حوالي 2003 وحتى مقتله في 2006، كسلف أكثر مباشرة يأتي بعده قادان فدائيان قبل الخليفة البغدادي. من الملاحظ أنه لم يتم ذكر خليفة بن لادن، أيمن الظواهري، جراح العيون المصري وقور الهيئة والذي يرأس القاعدة في الوقت الحالي. لم يبايع الظواهريُ البغداديَ وتتزايد كراهيته بين زملاءه من الجهاديين. ولا يساعده فقدانه للكاريزما في تقليل من عزلته، يبدو في الفيديوهات كشخص منزعج يعمل على تضييق عينيه. لكن الشقاق بين القاعدة والدولة الإسلامية يختمر منذ مدة طويلة ويفسر الشغف بالدماء المبالغ فيه عند الأخيرة ولو جزئيًا.

رفيق الظواهري في عزلته هو رجل دين أردني اسمه أبو محمد المقدسي، 55 عامًا، لديه ما يؤهله لأن يكون المهندس الفكري للقاعدة وأهم جهادي لا يعرفه قاريء الصحف الأمريكي العادي. يتفق المقدسي مع الدولة الإسلامية في أغلب المسائل العقائدية. كلاهما مرتبط بشكل وثيق بالجناح الجهادي من الإسلام السنّي الذي يسمى السلفية (من العبارة العربية السلف الصالح). هؤلاء السلف هم الرسول نفسه وأقدم أصحابه الذين يحترمهم ويحاكيهم السلفيون كنماذج سلوكية بما في ذلك في الحرب والزيّ والحياة العائلية وحتى طب الأسنان.

تنتظر الدولة الإسلامية جيش "الروم" الذي ستطلق هزيمته في دابق العدَّ التنازلي نحو نهاية العالم.

علّم المقدسيُ الزرقاويَ الذي حارب في العراق وفي باله نصائح الرجل الكبير. لكن مع الوقت تجاوزَ الزرقاوي معلّمه في التطرف ووصل أخيرًا إلى نقده بحدّة. كان ميل الزرقاوي للمشاهد الدموية موضوعًا للمناقشة - وعلى أساس عقائدي كراهيته للمسلمين الآخرين إلى حدّ تكفيرهم وقتلهم. ممارسة التكفير في الإسلام محفوفة بالمخاطر. قال الرسول "من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما". إذا كان الذي يَتهم خاطئًا فقد ارتكب هو نفسه كفرًا باتهامه لأخيه بالباطل. وعقوبة الكفر هي القتل. لكن الزرقاوي وسّع من مدى السلوك الذي يمكن أن يجعل الملسمين كفارًا بلا مبالاة.

كتب المقدسي لتلميذه السابق أنه يحتاج للممارسة الحرص و ألا "يصدر أحكامًا كاسحةً بالكفر" أو "يعلن أن الناس مرتدون بسبب خطاياهم". إنّ الفرق بين المرتد والمخطيء قد يبدو طفيفًا لكنه نقطة خلاف أساسية بين القاعدة والدولة الإسلامية.

إنّ إنكار قدسية القرآن أو نبوّة محمد ارتداد صريح، لكن الزرقاوي والدولة التي أنتجها يأخذان موقفهم أن أفعال أخرى عديدة يمكن أن تنزع عن المسلم إسلامه. وتتضمن تلك الأفعال في أحيان معينة، بيع المشروبات الكحولية أو المخدرات وارتداء الملابس الغربية وحلاقة الشخص للحيته والتصويت في الانتخابات - حتى لو كان ذلك لصالح مرشح مسلم - والتراخي في إطلاق لقب مرتدّ على الآخرين. ممّا ينضوي تحت هذه الفئة أيضًا أن يكون الشخص شيعيًا كما هو حال أغلب العراقيين العرب؛ لأن الدولة الإسلامية ترى الشيعية بدعةً وأن التحديث على القرآن ينفي عنه كماله الأول. (تدّعي الدولة الإسلامية أن الممارسات الشيعية الشائعة مثل التعبُّد في أضرحة الأئمة وجلد الذّات علنًا ليس لها من أصل في القرآن أو السنة). هذا يعني أن 200 مليون شيعي مستهدفين بالقتل كما هو الحال مع رؤساء كل بلد مسلم رفعوا القوانين الوضعية فوق الشريعة بالترشّح للمناصب أو بفرض قوانين لم يشرّعها الله.

تلتزم الدولة الإسلامية، بعد عقيدة التكفير، بتطهير العالم عن طريق قتل عدد ضخم من الناس. إنّ انعدام الأخبار الموضوعية من أراضيها يجعل القدر الحقيقي من الذبح غير معروف، لكن تدوينات مواقع التواصل الاجتماعي من المنطقة تشير إلى أن الإعدامات الفردية تحدث بشكل مستمر نوعًا ما والإعدامات الجماعية كل بضعة أسابيع. "المرتدون" المسلمون هم غالبية الضحايا. يبدو أن المسيحيين الذين لا يقاومون الحكومة الجديدة معفيون من الإعدام الفوري. يسمح لهم البغدادي بأن يعيشوا طالما يدفعون ضريبة خاصة تسمى الجزية وطالما يعترفون بخضوعهم. ليست السلطة القرآنية لهذه الممارسة محل خلاف.

لقد مرّت قرون منذ توقفت الحروب الدينية في أوروبا ومنذ توقف الناس عن الموت بأعداد كبيرة بسبب نزاعات عقائدية لا يفهمها الكثيرون. ربما هذا هو سبب الإنكار وعدم التصديق اللذين استقبل بها الغربيون أخبار عقيدة وممارسات الدولة الإسلامية. يرفض الكثيرون تصديق أن هذه المجموعة متدينة بالقدر الذي تدعيه أو لها نظرة رجعية أو مرتبطة بالقيامة كما توحي أفعالها وبياناتها.

إن تشككهم مفهوم. في الماضي، استحق الغربيون الذين يتهمون المسلمين باتباع النصوص القديمة بأعين مغمضة التوبيخ من الأكاديميين – وبشكل خاص الراحل إدوارد سعيد - الذين أشاروا إلى أن وصف المسلمين بـ "القدامى" هو عادة مجرد طريقة أخرى لتشويههم. دعا هؤلاء الباحثين، على عكس ذلك، إلى النظر في الظروف التي صعدت فيها تلك الأيديولوجيات - الحوكمة السيئة والأعراف الاجتماعية المتغيرة وإهانة الحياة في أراضي لا تقدر إلا لنفطها.

بدون الاعتراف بهذه العوامل لا يمكن أن يكتمل أي تفسير لصعود الدولة الإسلامية. لكن التركيز عليهم لدرجة التغاضي عن الأيديولوجيا يعكس نوعًا آخر من التحيّز الغربي: إن كانت الأيديولوجيا الدينية لا تعني الكثير في واشنطن أو برلين فهي بالطبع مساوية في عدم أهميتها في الرقة أو الموصل. عندما يقول منفذ الإعدام المقنّع الله أكبر بينما يقطع رأس مرتد فإنه يفعل ذلك لأسباب دينية.

 

 موسى سرانتونيو داعية استرالي يقال إنه أحد أكثر المُجنِدين لصالح الدولة الإسلامية تأثيرًا ويعتقد بوجود نبوءة أن الخلافة ستستولي على استانبول قبل هزيمتها من قِبل جيش يقوده المسيح الدجّال الذي سيجلب موته - حين لا يبقى سوى بضعة آلاف من الجهاديين - القيامة.

ذهبت العديد من المنظمات الإسلامية إلى القول بأن الدولة الإسلامية هي في الحقيقة غير إسلامية. بالطبع من المطمئن أن نعرف أن الأغلبية العظمى من المسلمين لا يملكون أي رغبة في استبدال أفلام هوليوود بإعدامات علنية كترفيه مسائي. لكن المسلمين الذين يطلقون على الدولة الإسلامية أنها غير إسلامية هم عادة كما قال لي الباحث في جامعة برنستون، برنارد هيكل، الخبير الرائد في أيديولوجيا المجموعة، "محرجون ويطرحون الانضباط السياسي مع رؤية حالمة عن دينهم" تهمل "ما يطلبه الدين تاريخيًا وقانونيًا". يقول إن إنكار الطبيعة الدينية للدولة الإسلامية له جذور في "هراء التراث العابر للأديان - المسيحي".

أرسلني كل أكاديمي سألته عن أيدولوجيا الدولة الإسلامية إلى هيكل. هيكل من أصل لبناني جزئيًا وقد نشأ بين لبنان والولايات المتحدة وعندما يتحدث عبر لحيته الشبيهة بلحية مفستوفيليس فهناك لكنة أجنبية غير محددة.

وحسبما قال هيكل فإن صفوف الدولة الإسلامية مغرقة بالحماس الديني. الاقتباسات القرآنية في كل مكان. يقول هيكل "حتى جنود مشاتهم ينشدون تلك الأشياء باستمرار... يواجهون كاميراتهم يكررون عقيدتهم الأساسية وفق معادلة ويفعلون ذلك على الدوام". يرى ادعاء أن الدولة الإسلامية شوّهت نصوص الإسلام على أنه سخافة باقية فقط بسبب الجهل المتعمّد. قال "يريد الناس أن يبرئوا الإسلام... إنها تعويذة "الإسلام دين سلام"، وكأن هناك شيء يسمّى الإسلام! إنه ما يفعله المسلمون وكيف يفسرون نصوصهم". إنّ هذه النصوص يتقاسمها جميع المسلمين السنّة وليس الدولة الإٍسلامية فقط. "هؤلاء الناس لديهم شرعية مساوية لأي شخص".

يعترف جميع المسلمين بأن الغزوات المبكرة لمحمد لم تكن شؤونًا منظّمة وأن قوانين الحرب التي أُقرت في القرآن والسنّة النبوية جاءت لتناسب أوقاتًا عاصفةً وعنيفة. إن مقاتلي الدولة الإسلامية، في تقدير هيكل، عائدون إلى الإسلام المبكر ومخلصون في إعادة إنتاج أنماطه الحربية. يتضمن هذا السلوك عددًا من الممارسات التي يميل المسلمون الحديثون إلى تفضيل عدم الاعتراف بها كجزء أصيل من نصوصهم المقدسة. يقولك هيكل "العبودية والصلب وقطع الرؤوس ليست أشياء ينتقيها (الجهاديون) غريبو الأطوار من تقاليد العصور الوسطى". إن مقاتلي الدولة الإسلامية "غارقون في تراث العصور الوسطى ويأتون به جملة إلى الوقت الحالي."

يحدد القرآن الصلب كأحد العقوبات القليلة المسموح بها تجاه أعداء الإسلام. تجد الضريبة المفروضة على المسيحين دعمًا واضحًا في سورة التوبة، الفصل التاسع من القرآن، والتي تشير على المسلمين بقتال المسيحين واليهود "حتى يعطوا الجزية عند يدٍ وهم صاغرون". فرض الرسول الذي يعتبره جميع المسلمين مثلًا هذه القواعد وامتلك عبيدًالقد أخذ قادة الدولة الإسلامية محاكاة الرسول كواجب صارم وقاموا بإحياء تقاليد كانت كامنة لمئات السنين.  يقول هيكل "ما هو ملاحظ ليس فقط الحرفيّة، لكن أيضًا الجديّة التي يقرأون بها هذه النصوص... هناك مواظبة على الجديّة بشكل عصابيّ لا يملكه المسلمون عادة".

لم تحاول أي مجموعة، قبل صعود الدولة الإسلامية، في القرون الماضية أن ترتبط بإخلاص أكثر راديكالية لنموذج الرسول من الدولة الإسلامية إلا الوهابيين في الجزيرة العربية في القرن الثامن عشر. لقد قاموا بغزو أغلب ما يشكل السعودية الحالية وبقيت ممارساتهم الصارمة في شكل مخفف من الشريعة هنا. ويرى هيكل أن هناك تفرقة مهمّة بين المجموعات مع ذلك: "لم يكن الوهابيون وحشيين في عنفهم". كانوا محاطين بالمسلمين، وغزوا دولًا كانت إسلامية بالفعل وقد غلّ ذلك أيديهم". إن داعش، على النقيض من ذلك، تسعيد تلك المرحلة بشكل حقيقي "كان المسلمون الأوائل محاطون بغير المسلمين والدولة الإسلامية بسبب نزعتها التكفيرية تعتبر أنها في نفس الموقف. إذا كانت القاعدة تريد إعادة إحياء العبودية فهي لم تقل ذلك. ما الذي سيجعلها تريد ذلك؟ إنّ الصمت بخصوص موضوع العبودية يعكس تفكيرًا استراتيجيًا في الغالب مع إبقاء التعاطفات العامّة في البال: عندما بدأت الدولة الإسلامية في استعباد الناس وجل حتى بعض مؤيديها. مع ذلك استمرت الخلافة في تبني الاستبعاد والصلب دون اعتذار. توعّد العدناني، المتحدث الرسمي، في واحدة من رسائله الغرامية إلى الغرب "سنغزو روما التي تخصكم ونحطم صلبانكم ونستعبد نسائكم... إن لم نصل إلى ذلك الوقت فأبنائنا وأحفادنا سيصلوا إليه وسنبيع أبنائكم كعبيد في أسواق العبيد".

نشرت دابق، مجلة الدولة الإسلامية، في أكتوبر، مقالًا بعنوان "إحياء العبودية قبل قيام الساعة" يتناول اليزيديين (أتباع طائفة كردية قديمة تستعير عناصر من الإسلام وقد هوجمت من قِبل الدولة الإسلامية في شمال العراق) وهل هم من المسلمين الخاطئين وبالتالي يستحقون القتل أم وثنيين وبالتالي يحل استعبادهم. اجتمعت مجموعة بحث من علماء الدولة الإسلامية بقرار حكومي لحل هذه المسألة. قال كاتب المقال المجهول إنهم إن كانوا وثنيين: 

 سيقسم النساء والأطفال اليزيديين حسب الشرع بين مقاتلي الدولة الإسلامية الذين شاركوا في عمليات سنجار (في شمال العراق)... استعباد عائلات الكفار وسبي نسائهم هو عنصر أساسي بشدة في الشريعة إن أنكره شخص أو استهزأ بها يكون قد أنكر أو استهزأ بآيات القرآن وأحاديث الرسول... وبالتالي يكون مرتدًّا عن الإسلام.

٢. الإقليم

يعتقد أن عشرات الآلاف من المسلمين الأجانب قد هاجروا إلى الدولة الإسلامية. ويأتي المجندون من فرنسا والمملكة المتحدة وبلجيكا وألمانيا وهولندا وأستراليا وإندونيسيا والولايات المتحدة وأماكن أخرى كثيرة. جاء الكثيريون للقتال، والكثيرون أيضًا بنية الموت.

قال لي البروفيسور بيتر أر. نيومان، من كينجز كوليدج في لندن، إن أصواتًا في الفضاء الإلكتروني أساسية في نشر الدعاية والتأكُّد من أن القادمين الجدد يعرفون ما الذي يؤمنون به. كما وسع التجنيد في الفضاء الإلتكروني من البعد الديموغرافي لمجتمع الجهاديين بالسماح للنساء المسلمات المحافظات - المعزولات فعليًا داخل بيوتهن - بالوصول إلى المجنِدين وبأن يصبحوا أكثر راديكالية ويرتبوا مسارهم حتى سوريا. وتأمل الدولة الإسلامية في بناء مجتمع كامل عبر جاذبيتها للجنسين.

سافرتُ، في نوفمبر، إلى أستراليا لمقابلة موسى سرانتونيو، وهو رجل يبلغ 30 عامًا. يرى نومان وباحثون آخرون أنه قد تم تحديده كأحد اثنين من أهم "المسؤولين الروحيين الجدد" الذين يرشدوا الأجانب المنضمين إلى الدولة الإسلامية. لمدة ثلاث سنوات، كان داعية تلفزيوني على قناة أقرأ القاهريّة، لكنه تركها بعدما اعترضت القناة على دعواته المستمرة لإنشاء الخلافة. إنه يدعو الآن على فيس بوك وتويتر.

 

 

 

يعتقد  برنارد هيكل، الباحث الرائد في شؤون أيديولوجيا الدولة الإسلامية، أن هذه المجموعة تحاول إعادة خلق الأيام الأولى للإسلام وهم مخلصون في إعادة إنتاج عاداتها في الحرب ويقول إن "هناك مواظبة على الجديّة بشكل عصابي" في ولاء المجموعة للنصّ القرآني.

قال لي سرانتونيو - رجل ضخم وودود بهيئة مثقف - إنه يبهت من فيديوهات قطع الرؤوس. وهو يكره مشاهدة العنف رغم دعم مؤيدي الدولة الإسلامية له. (يتحدث علنًا ضد التفجيرات بشكل يثير الجدل في أوساط الجهاديين على أساس أن الله حرّم الانتحار، ويختلف مع الدولة الإسلامية على عدّة نقاط أخرى أيضًا). لديه شعر وجه كثّ نوعًا ما، ويبدو هوسه بالقيامة ممثالًا. بدا أنه يحيى في دراما تبدو لمن يشاهدها من الخارج مثل رواية خيالية عن العصور الوسطى ولكن بدماء حقيقية.

حاول سرانتونيو وزوجته، في يونيو الماضي، الهجرة - لم يوافق على قول إلى أين (قال بمواربة "من غير القانوني السفر إلى سوريا") - ولكن تم القبض عليهما في الطريق في الفيليبين وتم ترحيله مرّة أخرى إلى أستراليا لتجاوز مدّة الفيزا الممنوحة له. جرمت أستراليا محاولات الانضمام أو السفر إلى الدولة الإسلامية وقد صادرت جواز سفر سرانتونيو. لقد عاد إلى ميلبورن حيث يعرفه جيدًا رجال الشرطة المحليين. إذا تم إلقاء القبض على سرانتونيو وهو يسهل حركة الأشخاص إلى الدولة الإسلامية فسيسجن. لكنه حرٌ حتى الآن - هو منظّر غير مرتبط تقنيًا ومع ذلك يتحدث بما يراه الجهاديون الآخرون صوتًا موثوقًا به في أمور عقيدة الدولة الإسلامية.

ألتقينا على الغداء في فوتسكاري وهي ضاحية مزدحمة ومتعددة الأعراق في ملبورن وهي موطن ناشر أدلة السفر لونلي بلانيت. نشأ سرانتونيو هناك في عائلة نصف أيرلندية ونصف كاريبية. في أي شارع عادي يمكن للمرء أن يرى مطاعم أفريقية ومحلات فيتنامية وشباب عرب يتجولون في الزي السلفي المكون من لحية كثّة وقميص طويل وسراويل تنتهي عند منتصف الساقشرح سرانتونيو فرحه عند إعلان البغدادي خليفة يوم 29 يونيو - والانجذاب المفاجيء المغناطيسي إلى بلاد ما بين النهرين الذي بدأ التأثير عليه وعلى أصدقائه. وقال لي "كنت في فندق (في الفليبين) ورأيت الإعلان في التلفزيون... وكنت مندهشًا، لما أنا عالق في هذه الغرفة اللعينة؟".

كانت الخلافة الأخيرة هي الإمبراطورية العثمانية والتي وصلت إلى قمتها في القرن السادس عشر ثم شهدت انحدارًا، حتى أنهى مؤسس جمهورية تركيا، مصطفى كمال أتاتورك، حياتها في 1924. لكن سرانتونيو مثل الكثير من مؤيدي الدولة الإسلامية لا يعترف بأن الخلافة شرعية إذا لم تطبق القانون الإسلامي الذي يتطلب الرجم والعبودية والبتر، وإذا لم ينحدر الخلفاء من قبيلة الرسول، قريش.  
وتحدث البغدادي طويلًا عن الخلافة في خطبة الموصل. وقال إن إعادة إحياء الخلافة - والتي لم تعمل إلا اسميًا لما يقارب الألف عام - كان التزامًا جماعيًا. وقد قام هو والموالين له "بالإسراع بإعلان الخلافة وتنصيب إمام" على رأسها. "هذا واجب على المسلمين - واجب ضاع لقرون ... ويأثم المسلم بتضيعه ويجب عليه دائمًا أن يسعى لتأسيسه". يتحدث البغدادي بشكل مزخرف كما بن لادن من قبله، بإحالات عديدة للنصوص المقدسة وتمكنٍ من الخطابة الكلاسيكية. وعلى على عكس بن لادن، وعلى عكس الخلفاء المزيفين للإمبراطورية العثمانية، فإنّه قريشي.

قال لي سرانتونيو إن الخلافة ليست فقط كيان سياسي ولكنها أيضًا وسيلة للخلاص. إن دعاية الدولة الإسلامية تبلغ بشكل دوري عن البيعات التي تنهمر من المجموعات الجهادية عبر العالم الإسلامي. ويسرد سرانتونيو حديثًا نبويًا يقول إن الشخص الذي يموت بدون إعلان البيعة يموت ميتة جاهلية وبالتالي يموت "ميتة غير المؤمن". تصوّر كيف يتخيل المسلمون (أو المسيحيون حتى) تعامل الله مع أرواح الذين يموتون بدون معرفة الدين الحق. لم يناولوا الخلاص بشكل أكيد ولا هم ملعونون إلى الأبد. يقول سرانتونيو إن المسلم الذي يعترف بإله واحد قادر ويصلي ولكنه يموت بدون إعلان البيعة لخليفة حق ويتكبد التزامات هذه البيعة فقد فشل في أن يعيش حياة إسلامية كاملة. أشرت إلى أن ذلك يعني أن الأغلبية العظمى من المسلمين في التاريخ وجميع من ماتوا بين أعوام 1924 و2014 ماتوا ميتة غير المؤمنين. هزّ سرانتونيو رأسه بجدية "سأذهب في القول إلى حد أن أقول إن الإسلام تم إعادة تأسيسه بالخلافة".

سألته عن بيعته هو فصححني سريعًا "لم أقل أني قمت بالبيعة". وذكرني أنه بموجب القانون الإسترالي فإن مبايعة الدولة الإسلامية أمر غير قانوني. "ولكني أوافق أن (البغدادي) يفي بالمتطلبات" وأضاف "سأغمز لك وعليك أن تحمل ذلك المعنى الذي تريده".

أن تكون الخليفة فعليك أن تفي بشرط واحد محدد في القانون السني – أن تكون رجلًا مسلمًا بالغًا من نسل قريش، تبدي استقامة أخلاقية وكمالًا جسديًا وذهنيًا وتمتلك الامر. يقول سرانتونيو إن الأخيرة هي الأصعب في التوصل إليها وتتطلب أن يكون للخليفة أراض يستطيع فرض حكم الشريعة عليها. حققت الدولة الإسلامية للبغدادي ذلك قبل 29 يونيو بكثير، كما قال سرانتونيو، وفور حدوث ذلك بدأ غربي ما، كان قد تحول إلى الإسلام، داخل صفوف المجموعة - وصفه سرانتونيو بأنه "قائد نوعا ما"- بالهمس حول الضرورة الدينية لإعلان الخلافة. تحدث هو وآخرون إلى من هم في السلطة وقالوا لهم إن أي تأجيل سيكون خطيئة.

قال سرانتونيو إن هناك فصيل كان مستعدًا لإعلان الحرب على مجموعة البغدادي إن تأخّر عن ذلك. أعدوا خطابًا لعدد من أعضاء داعش الأقوياء معلنين عن سخطهم على الفشل في تعيين خليفة ولكن المتحدث الرسمي، العدناني، طمأنهم بأن أطلعهم على سر – أن الخيلفة قد أُعلن بالفعل في وقت طويل سابق على إعلانه للجمهور. كان لديهم خليفتهم الشرعي وفي ذلك الوقت لديهم اختيار واحد فقط. قال سرانتونيو "إن كان شرعيًا... يجب أن تمنحوه البيعة".

بعد خطبة البغدادي، في يوليو، بدأت أسراب من الجهاديين في التدفق اليومي إلى سوريا بدافع متجدد. يقول يورجن تودنهوفر، الكاتب الألماني والسياسي السابق، الذي زار الدولة الإسلامية في ديسمبر، إن مئة مقاتل وصلوا إلى أحد محطات التجنيد على الحدود الروسية في يومين فقط. يشير تقرير ضمن تقارير أخرى إلى أنه لا يزال هناك تدفق منتظم من الأجانب المستعدين للتخلي عن كل شيء في أوطانهم من أجل فرصة في الجنة في أسوء مكان على وجه الأرض.

في لندن، قبل وجبتي مع سرانتونيو بأسبوع، التقيت مع ثلاثة أعضاء سابقين في مجموعة إسلامية ممنوعة اسمها "المهاجرون": أنجم شوداري وأبو براء وعبدول موحد. أبدوا جميعًا رغبتهم في الهجرة إلى الدولة الإسلامية كما فعل العديد من زملائهم بالفعل ولكن السلطات صادرت جوازات سفرهم. كانوا يعتبرون الخلافة هي الحكومة المستقيمة الوحيدة على وجه الأرض مثل سرانتونيو مع أن أيًا منهم لم يعترف بالقيام بالبيعة. كان هدفهم الرئيسي من مقابلتي هو شرح ما تمثله الدولة الإسلامية وكيف تعكس سياستها قانون الله.

شوداري البالغ من العمر 48 عامًا هو القائد السابق للمجموعة. يظهر كثيرًا في محطات الأخبار الخاصّة كأحد قليلين يمكن للمعدين استضافتهم ليدافعوا بشراسة عن الدولة الإسلامية حتى يقطع عنه الميكروفون. سمعت في المملكة المتحدة أنه متبجح كريه ولكنه هو وتلاميذه يؤمنون بالدولة الإسلامية بإخلاص ويتحدثون بصوتها في أمور العقيدة. سوداري والآخرون ظاهرون بشدّة في تدوينات تويتر الخاصّة بالمقيمين داخل الدولة الإسلامية ولأبو براء قناة على موقع يوتيوب يجيب فيها على أسئلة حول الشريعة.

تحقق السلطات، منذ سبتمبر، في شكوك بأن الرجال الثلاثة يساندون الإرهاب. وبسبب هذا التحقيق وجب عليهم مقابلتي متفرقين: التواصل بينهم كان سيخرق شروط إطلاق سراحهم. لكن الحديث معهم يشعرك أنك تتحدث مع نفس الشخص وهو يرتدي أقنعة مختلفة. قابلني شوداري في محل حلوى في ضاحية إيلفورد بشرق لندن. كان يرتدي ثيابًا أنيقة مكونة من قميص طويل أزرق يصل إلى كاحليه ويشرب رد بول ونحن نتحدث.

يقول شوداري إنه قبل الخلافة "كان 85 بالمئة من الشريعة غائبة عن حياتنا... هذه القوانين كانت مجنّبة حتى يكون لدينا خلافة والآن لدينا واحدة". بدون الخلافة، على سبيل المثال، فإن الأفراد الباحثين عن العدالة ليسوا مرغمين على قطع يد السارق الذي يمسكوا به متلبسًا. لكن مع خلق الخلافة فإن هذا القانون وصرح ضخم من التشريعات الأخرى سيصحوا فجأة. نظريًا يجب على جميع المسلمين الهجرة إلى الأراضي التي يطبق عليها الخليفة هذه القوانين. أحد تلاميذ شوداري المفضلين هو متحول عن الهندوسية اسمه أبو رميسة وقد تفادى الشرطة كي يأتي بعائلته المكونة من خمسة أفراد من لندن إلى سوريا في نوفمبر. في اليوم الذي التقيت فيه بشوداري نشر أبو رمسية صورة على تويتر لنفسه مع كلاشينكوف في يد ووليده الجديد في اليد الأخرى مستخدمًا وسم جيل الخليفة.

يتوجب على الخليفة تطبيق الشريعة، لأن أي انحارف سيجبر الذين بايعوه بأن يخبروا الخليفة سرًا عن خطئه وفي الأحوال القصوى عزله واستبداله إن أصرّ. (قال البغدادي في خطبته "لقد ابتليت بهذا الشأن العظيم، ابتليت بهذه المسؤولية وهي مسؤولية ثقيلة"). في المقابل يستحق الخليفة الطاعة - هؤلاء الذين يصرون على مساندة الحكومات غير المسلمة بعد إنذارهم وتعريفهم بخطيئتهم يعتبرون مرتدين.

قال شوداري إن الشريعة قد أسيء فهمها بسبب تطبيقها بشكل ناقص من قِبَل أنظمة مثل السعودية والتي تقطع رأس القاتل ويد السارق. وشرح أن "المشكلة هي أنه عندما تطبق أماكن مثل السعودية العقوبات فقط ولا توفر العدالة الاجتماعية والاقتصادية للشريعة - الأمر برمته - فإنهم ببساطة يجلبون السخط على الشريعة". قال إن الأمر برمته سيتضمن سكنًا مجانيًا وطعامًا وثيابًا للجميع وبالطبع من يرغب في الإثراء عن طريق العمل سيستطيع فعل ذلك.

استمر عبد المجيد، البالغ من العمر 32 عامًا، على نفس المنهاج. كان يرتدي زي مجاهدين أنيق عندما التقيت به في مطعم محلي: لحية كثّة وقبعة أفغانية ومحفظة داخل ملابسه مرتبطة بما يبدو أنه حزام كتف. عندما جلس كان متحمسًا لمناقشة الرفاه الاجتماعي. قد يكون لدى الدولة الإسلامية عقوبات تنتمي للعصور الوسطى على الجرائم الأخلاقية (الجلد للسكر أو الزنى والرجم للخيانة الزوجية) ولكن برنامجها للرفاه الإجتماعي تقدمي لدرجة سترضي خبيرًا على قناة أم إس إن بي سي على الأقل في بعض جوانبه. قال إن الرعاية الصحية مجانية وإن توفير الرفاه الاجتماعي ليس اختيارًا سياسيًا للدولة الإسلامية بل سياسة إجبارية أصيلة في شريعة الله.

 

 

 

 

قال أنجام شوداري، أشهر مدافع عن الدولة الإسلامية في لندن، إن الصلب وقطع الرؤوس متطلبات مقدسة.

٣. القيامة

يعترف جميع المسلمين بأن الله فقط يعلم المستقبل ولكنهم يتفقون أيضًا أنه منحنا لمحة منه في القرآن وفي أحاديث الرسول. الدولة الإسلامية تختلف عن أي تيار آخر تقريبًا في الحركة الجهادية في الاعتقاد أنه قد تم كتابتها داخل سيناريو الله كشخصية محورية. وهذا الدور هو ما يفرّق الدولة الإسلامية بجرأة عن سابقيها ويجعلها أوضح في الطبيعة الدينية لمهمتها.

في خطوط عريضة، تتصرف القاعدة مثل حركة سياسية سريعة بأهداف عالمية أمامها طوال الوقت - طرد غير المسلمين من الجزيرة العربية ومحو دولة إسرائيل وإنهاء الدعم الذي تتلقاه الديكتاتوريات في بلاد المسلمين. ولدى الدولة الإسلامية نصيبها من المسائل الدنيوية (بما في ذلك في الأماكن التي تسيطر عليها، جمع القمامة وإبقاء المياه سارية) ولكن نهاية الزمان هي الفكرة المهيمنة على دعايتها. نادرًا ما كان بن لادن يذكر القيامة وعندما كان يفعل كان يبدو أنه يتصور أنه سيكون قد مات منذ زمن عندما تأتي أخيرًا اللحظة المجيدة للقصاص. يقول ويل ماكانتس، من مؤسسة بروكلين، الذي يكتب كتابًا عن فكر نهاية الزمان، إن "بن لادن والظواهري من عائلات سُنيّة رفيعة المستوى تحتقر هذا النوع من التكهن وتعتقد أنه شيء يشترك فيه العوام".

على العكس، وخلال السنوات الأخيرة من احتلال الولايات المتحدة للعراق، رأى الآباء المؤسسون المباشرون للدولة الإسلامية علامات نهاية الزمان في كل مكان. كانوا يتوقعون ظهور المهدي في خلال عام – شخصية يقدر لها أن تقودالمسلمين إلى النصر قبل نهاية العالم. يقول ماكانتس إن شخصية إسلامية رائدة في العراق قد اتصلت ببن لادن عام 2008 لتحذره أن المجموعة يقودها مليونيرات "يتحدثون عن المهدي طوال الوقت ويصنعون قرارات استراتيجة" على أساس الوقت الذي يعتقدون أن المهدي سيأتي فيه. "كان على القاعدة أن تكتب (إلى هؤلاء القادة) لتقول لهم "كفوا".

بالنسبة إلى بعض المؤمنين بحق – الذين يتوقون معارك ملحمية بين الخير والشر - فإن مشاهد حمامات الدم المرتبطة بنهاية العالم تفي باحتياج نفسي عميق. من بين من قابلتهم من أنصار الدولة الإسلامية فإن موسى سرانتونيو، الأسترالي هو من عبّر عن أعمق اهتمام بنهاية العالم وكيف ستبدو الأيام الأخيرة للدولة الإسلامية - والعالم. أجزاء من هذه النبوءات من تأليفه هو وليس لهم صفة العقيدة. ولكن أجزاء أخرى مبنية على مصادر سنية أساسية وتظهر في كل دعاية الدولة الإسلامية. من ضمن ذلك الاعتقاد بأنه سيكون هناك 12 خليفة شرعي فقط والبغدادي هو الثامن، وأن جيوش الروم ستجتمع لمقابلة جيوش الإسلام في شمال سوريا، وأن المواجهة الأخيرة في الإسلام مع المسيح الدجال ستحدث في القدس بعد فترة من الغزوة الإسلامية الجديدة.

وأعطت الدولة الإسلامية أهمية كبرى لمدينة دابق السورية بالقرب من حلب وأسمت مجلتها الدعائية باسم المدينة واحتفلت بجنون عندما غزت سهول دابق (بتكلفة باهظة) التي لا تحمل أي أهمية استراتيجية. يقال إن الرسول قال إن جيوش الروم ستقيم معسكرها في هذا المكان. وستقابلهم جيوش الإسلام وستكون دابق بمثابة ووترلو أو أنتيتم بالنسبة إليهم.

قال أحد مؤيدي الدولة الإسلامية مؤخرًا على تويتر "إن دابق عبارة عن حقول بالكامل... يمكنك أن تتصور معركة ضخمة تحدث هناك". وتقطر دعاية الدولة الإسلامية بترقب هذا الحدث وتلمح بشكل دائم أنه سيحدث قريبًا. وتنقل مجلة الدولة مقولة الزرقاوي "لقد أنارة شعلة العراق وستستمر حرارتها في أن تتكثف... حتى تحرق جيوش الصليبين في دابق"، ويُظهر فيديو دعائي حديث مشاهد من أفلام حرب هوليودية تدور أحداثها في القرون الوسطى - ربما لأن العديد من النبوءات تحدد أن الجيوش ستكون على أظهر الخيل أو تحمل أسلحة قديمة.

بما أنها استولت على دابق الآن، فإن الدولة الإسلامية تنتظر وصول جيوش العدو هناك والتي ستطلق هزيمتها العدَّ التنازلي لنهاية الزمان. وكثيرًا ما يفوت على الإعلام الغربي الإحالات إلى دابق في فيديوهات الدولة الإسلامية ويركز بدلًا من ذلك على المشاهد الرهيبة لقطع الرؤوس. يقول القاتل الملثّم في فيديو صدر في نوفمبر يظهر رأسًا مقطوعة لبول (عبد الرحمن) كاسيج، عامل الإغاثة الذي أسر لأكثر من عام "ها نحن ذا ندفن أول صليبي أمريكي في دابق وننتظر بحماسة وصول بقية جيوشكم". خلال القتال في العراق، في ديسمبر، ولما قال المجاهدين (ربما بشكل غير دقيق) إنهم رأوا جنودًا أمريكيين في المعركة انطلقت حسابات تويتر الخاصّة بالدولة الإسلامية في موجات من السعادة مثل مضيف أو مضيفة شديدي الحماس لوصول أول الضيوف في حفلتهم.

إن السرد النبوي الذي تنبأ بمعركة دابق يشير للعدو بروما أيضًا. من هي"روما" الآن بما أن البابا لا يملك جيشًا تبقى مسألة مطروحة للنقاش. لكن سرانتونيو يدافع عن طرح أن روما تعني الإمبراطورية الرومانية الشرقية والتي كانت عاصمتها فيما يعرف الآن بإسطنبول. يجب علينا أن نرى روما على أنها الجمهورية التركية - نفس الجمهورية التي أنهت آخر من اعتبر نفسه خليفة منذ 90 عام. وتقترح المصادر الأخرى للدولة الإسلامية أن روما قد تعني أي جيش كافر ويفي الأمريكيون بالغرض بشكل جميل.

قال سرانتونيو إن الخلافة ستمتد وستصل إلى إسطنبول بعد معركتها في دابق. ويعتقد البعض أنها ستغطي الكرة الأرضية كاملة بعد ذلك ولكن سرانتونيو يشير إلى أن موجتها قد لا تصل إلى أبعد من البسفور. سيأتي مسيح مضادّ معروف في أدبيات نهاية العالم الإسلامية بالدجال، سيأتي من منطقة خورسان في شرق إيران ويقتل عددًا ضخمًا من مقاتلي الخلافة حتى لا يبقى إلا 5000 محاصر في القدس. وبينما يحضّر الدجال لإبادتهم يعود المسيح - ثاني أكثر الأنبياء تبجيلًا في الإسلام - إلى الأرض ويقود المسلمين إلى النصر.

يقول سرانتونيو "الله وحده يعلم" ما إن كانت جيوش الدولة الإسلامية هي التي تم التنبؤ بها. ولكنه يأمل. قال "قال الرسول إن أحد علامات اقتراب نهاية الزمان هي أن الناس سيتوقفون لوقت طويل عن الكلام عن نهاية الزمان. إذا ذهبت إلى الجوامع الآن فستجد الدعاة صامتين عن هذا الموضوع". وفقًا لهذه النظرية فإن الهزائم التي تلقاها الدولة الإسلامية لا تعني شيئًا بما أن الله قد قدّر أن شعبه سيدمر تقريبًا في جميع الأحوال. أمام الدولة الإسلامية أفضل أيامها وأسوأها.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أعلن أبو بكر البغدادي خليفة من قِبَل أتباعه في الصيف الماضي. إنشاء خلافة أفاق جزءًا كبيرًا من القانون القرآني الذي كان في حالة سبات ما تطلب من المسلمين الذين يعترفون بالخليفة الهجرة إليه

٤. المعركة
إن النقاء الأيديولوجي للدولة الإسلامية له فضيلة تعويضية واحدة: إنه يسمح لنا بأن نتنبأ ببعض أفعال المجموعة. نادرًا ما كان التنبؤ بأفعال أسامة بن لادن ممكنًا. لقد أنهى مقابلته التلفزيونية الأولى بشكل ملغز. سأله بيتر أرنت من سي إن إن "ما هي خططك للمستقبل؟" فرد بن لادن "ستراها وتسمع عنها في الإعلام إن شاء الله". على النقيض فإن الدولة الإسلامية تتباهى علنًا بخططها – ليس جميعهاـ ولكن ما يكفي كي نستطيع أن نخمن كيف تنوي أن تحكم وتتوسع إذا استمعنا بحرص.

في لندن، يقدم شوداري وتلاميذه وصفًا مفصلًا لكيف يجب على الدولة الإسلامية أن تقوم بسياستها الخارجية بما أنها أصبحت خلافة الآن. لقد أخذت على عاتقها ما يشير له القانون الإسلامي بـ "الجهاد الهجومي" أي التوسع القسري إلى بلاد يحكمها غير المسلمين. يقول شوداري "بالتالي نحن لا ندافع عن أنفسنا فقط": بدون خلافة فإن الجهاد الهجومي مفهوم غير قابل للتنفيذ. ولكن إعلان الحرب لتوسعة الخلافة هو أحد الواجبات الأساسية للخليفة.

وقد بذل شوداري جهدًا ليقدم قوانين الحرب التي تعمل بناءً عليها الدولة الإسلامية في صورة قوانين رحيمة وليس وحشية. قال لي إن الدولة عليها واجب أن ترهب أعدائها - أمرًا مقدسًا يتسبب بإرعابهم بقطع الرؤوس والصلب واستعباد النساء والأطفال لأن فعل ذلك سيسرع من النصر ويتفادى تطويل الصراع.

يشرح أبو براء، زميل شوداري، أن القانون الإسلامي لا يسمح سوى باتفقات السلام المؤقتة التي لا تستسمر أكثر من عقد من الزمن. وبالمثل، فإن القبول بأي حدود [جغرافية] أمر ملعون كما قال الرسول ورددت فيديوهات الدعاية الخاصة بالدولة الإسلامية. إذا وافق الخليفة على اتفاقية سلام طويلة الأمد أو على حدود دائمة فسيكون على خطأ. إن اتفاقات السلام المؤقتة قابلة للتجديد ولكن يجب ألا تطبَّق على جميع الأعداء في نفس الوقت: يجب على الخليفة أن يقوم بالجهاد على الأقل مرّة في السنة. يجب ألا يهدأ وإلا كان في حالة الخطيئة.

الخمير الحمر هم أحد مقارانات الدولة الإسلامية، وهم الذين قتلوا حوالي ثلث سكان كمبوديا. لكن الخمير الحمر احتلوا مقعد كامبوديا في الأمم المتحدة. قال أبو براء: "هذا غير مقبول... أن نرسل سفيرًا للأمم المتحدة يعني أننا نعترف بسلطة غير السلطة الله". إن هذا النوع من الدبلوماسية شرك، كما يقول، وسيكون سببًا مباشرًا لإعلان هرطقة البغدادي واستبداله. وحتى التعجيل بالخلافة بوسائل ديمقراطية  - على سبيل المثال - بالتصويت لمرشح سياسي يسعى إلى الخلافة – شرك.

من الصعب التأكيد بشكل كاف على كم عجز الدولة الإسلامية بسبب رديكاليتها. إن النظام العالمي الحديث الآتي من اتفاقية السلام في ويستفاليا عام 1648 والتي تعتمد على استعداد كل دولة للاعتراف بالحدود حتى ولو على مضض. بالنسبة إلى الدولة الإسلامية فإن هذا الاعتراف هو انتحار أيديولوجي. المجموعات الإسلامية الأخرى مثل الأخوان المسلمين وحماس خضعوا لمداهنة الديمقراطية وإمكانية أن تتم دعوتهم إلى المجتمع الدولي بما في ذلك الحصول على مقعد في الأمم المتحدة. المفاوضات والتنازل نجحا مع طالبان أيضَا. (تحت حكم طالبان تبادلت أفغانستان السفراء مع السعودية وباكستان والإمارات العربية المتحدة في تصرف حطّ سلطة طالبان في أعين الدولة الإسلامية). بالنسبة إلى الدولة الإسلامية هذه ليست اختيارات وإنما أعمال كفر.

كان رد الولايات المتحدة وحلفائها متأخرًا فيما يخص الدولة الإسلامية  ويبدو أن به حيرة. إن طموح المجموعة وخططها الاستراتيجة القاسية كانت واضحة في ما قالته وفي ثرثرة مواقع التواصل الاجتماعي، منذ 2011، عندما لم تكن أكثر من واحدة بين عدد من المجموعات الإرهابية في سوريا والعراق ولم تكن قد اقترفت بشاعات جماعية. قال المتحدث الرسمي، العدناني، للمؤيدين إن طموح المجموعة هو "استعادة الخلافة الإسلامية" واستدعى نهاية الزمان قائلًا "بقيت أيام قليلة فقط". قام البغدادي بالفعل بوصف نفسه بـ "أمير المؤمنين"، عام 2011، وهو لقب عادة ما يقتصر على الخليفة. في إبريل 2013، أعلن العدناني أن الحركة "مستعدة لإعادة رسم العالم على منهاج الخلافة النبوي". في أغسطس 2013، قال "إن هدفنا هو إنشاء دولة إسلامية لا تعترف بالحدود على منهاج النبوة". في هذا الوقت كانت المجموعة قد استولت على الرقة وهي عاصمة إحدى محافظات سوريا يبلغ عدد سكانها 500000 وكانت تجذب عددًا كبيرًا من المقاتلين الأجانب الذين كانوا قد سمعوا رسالته.

إذا كنا حددنا نوايا الدولة الإسلامية بشكل مسبق وأدركنا أن الفراغ في سوريا والعراق سيعطينا مساحة كافية لإخراجهم كنا على الأقل سندفع العراق لتقوية حدودها مع سوريا ونصنع صفقات استباقية مع سنتها. كان ذلك سيجنبنا على الأقل التأثير الحماسي الدعائي الذي خلقه إعلان الخلافة في أعقاب غزو ثالث أكبر المدن العراقية. ومع ذلك، ومنذ ما يزيد عن عام بقليل، قال أوباما للنيو يوركر إنه يعتبر داعش الشريك الأضعف للقاعدة. قال الرئيس "لو ارتدى لاعب في فريق للأشبال زي فريق الليكرز فذلك لن يجعله كوبي بريانت."

إن فشلنا في تقدير الشقاق بين الدولة الإسلامية والقاعدة والإختلافات الأساسية بين الأثنين قد أدى إلى قرارات خطيرة. في الخريف الماضي على سبيل المثال وافقت الحكومة الأمريكية على خطة يائسة لإنقاذ حياة بيتير كاسيج. سهلت الخطة –بل إنها تطلبت – التفاعل مع بعد الشخصيات المؤسسة للدولة الإسلامية والقاعجة ولم يكن بالإمكان أن تبدوا أكثر إستعجالا وإرتجالا.

وقد إستدعى ذلك دعوة أبو محمد المقدسي، معلم الزرقاوي وأحد كبار القاعدة على الإقتراب من تركي البينالي كبير مفكري الدولة الإسلامية وتلميذ المقدسي السابق حتى مع أن الأثنان كانا قد إختلفا بسبب إنتقاد المقدسي للدولة الإسلامية. كان المقدسي قد دعا الدولة الإسلامية بالفعل كي ترحم ألان هنينج سائق التاكسي البريطاني الذي دخل إلى سوريا لينقل مساعدات للأطفال. في ديسمبر نشرت الجاردين أن حكومة الولايات المتحدة طلبت من المقدسي عبر وسيط أن يتدخل لصالح الدولة الإسلامية في جانب كاسيج.

كان المقدسي يعيش حرا في الأردن ولكنه كان ممنوعا من التواصل مع إرهابيين في الخارج وكانت تتم مراقبته بشكل لصيق. بعدما أعطت الأردن للولايات المتحدة الإذن لإعادة تقديم المقدسي لبينالي إشترى المقدسي هاتفا بأموال أمريكية وتم السماح له بالتواصل بحرية مع تلميذه السابق لعدة أيام قبل أن توقف الحكومة الأردنية المحادثات وتستخدهم كحجة لسجن المقدسي. ظهرت رأس كاسيج المقطوعة في فيديو دابق بعد بضعة أيام.

تم الإستهزاء بالمقدسي على تويتر من قبل المعجبين بالدولة الإسلامية والقاعدة ويتم إزدراء القاعدة لرفضها الإعتراف بالخلافة. قرأ كول بونزل الباحث الذي يدرس أيديلوجيا الدولة الإسلامية رأي المقدسي في حالة هنينج وإستنتج أنها ستعجل بموته هو والأسرى الأخرون. قال لي "لو كنت أنا محتجز لدى الدولة الإسلامية وقال المقدسي أنه لا يجب قتلي فسأودع نفسي".

كانت وفاة كاسيج مأساة ولكن نجاح الخطة كان سيكون مأساة أكبر. إن المصالحة بين المقدسي وبينالي كانت ستمثل بداية لرأب الصدع بين أكبر منظمتان جهاديتان في العالم. من الممكن أن تكن الحكومة قد رغبت فقط في جزب بينالي فقط لأغراض إستخباراتية أو لإغتياله. (فشلت عدة محاولات للحصول على رد من الإف بي أي). وبغض النظر فإن قرار لعب دور الموفق بين أكبر منظمتان إرهابيتان تعديان أمريكا يكشف عن سوء تقدير بشكل مذهل.  

وبعد أن هذبتنا لا مبالاتنا السابقة فإننا الأن نقابل الدولة الإسلامية عبر الوكلاء الأكراد والعراقيين في أرض المعركة وبهجمات جوية دورية. هذه الإستراتيجيات لم تخلخل الدولة الإسلامية عن أي من مكتسباتها الكبرى من الأراضي مع أنها منعتهم من الهجوم المباشر على بغداد وإربل وقتل الشيعة والأكراد هناك.

وقد دعا بعض المراقبين إلى تصعيد بما في ذلك عددا من الأصوات المتوقعة من اليمين المؤيد للتدخل (ماكس بوت وفريدريك كاجان) الذين حثوا على نشر عشرات الألاف من الجنود الأمريكين. لا يجب تجاهل هذه الدعوات سريعا: إن منظمة تلعن أنها قاتلة هي ضمنيا في فناء ضحايها المتصورون وهي تستمر يوميا في إرتكاب الفظائع بشكل يومي في الأراضي التي تسيطر عليها بالفعل.

إحد الطرق لإزالة سحر الذي تلقيه الدولة الإسلامية على أتباعها هو التغلب عليها عسكريا وإحتلال أجزاء من سوريا والعراق الواقعة تحت حكم الخلافة الأن. لا يمكن محو القاعدة لأنها قادرة على الصمود مثل الصراصير بأن تنتقل إلى العمل السري. الدولة الإسلامية لا تقدر على ذلك. إذا فقدت سيطرتها على الأراضي في سوريا والعراق فستتوقف عن كونها خلافة. الخلافة لا يمكنها أن تتواجد كحركة سرية لأن السلطة على الأراضية من متطلباتها: إنزع عنها سيطرتها على الأراضي فتصبح كل تلك البيعات غير ملزمة. بالطبع من الممكن أن تستمر البيعات السابقة لمهاجمة الغرب وقطع رؤوس الأعداء بشكل حر. ولكن قيمة الخلافة الدعائية ستختفي ومعها الواجب الديني المزعوم بالهجرة لخدمتها. إن كانت الولايات المتحدة ستقوم بغزوة يشير علينا هوس الدولة الإسلامية بدابق أنها قد ترسل موارد ضخمة هناك كما لو كانت في معركة تقليدية.  إذا حشدت الدولة في دابق قوتها بشكل كامل ثم هزمت وتم تشتيتها فلم تتعافى أبدا.

أبو براء الذي يدير قناة حول القانون الإسلامي على موقع يوتيوب يقول أن الخليفة البغدادي لا يستطيع أن يتفاوض أو يعترف بحدود ويجب أن يصنع الحرب بشكل مستمر وإلا فسينزع نفسه من الإسلام.
ومع ذلك فإن مخاطر التصعيد ضخمة. إن أكبر مؤيدي الغزو الأمريكي هي الدولة الإسلامية نفسها. الفيديوهات التحريضية التي يخاطب فيها قاتل مقنع بالأسود الرئيس أوباما بالإسم صنعت بشكل واضح لجر أميركا إلى الحرب. إن الغزو سيكون نصرا دعائيا ضخما للجهاديين حول العالم: بغض النظر عن ما إن كانوا سيبايعوا الخليفة أم لا فإنهم جميعا يأمنون بأن الولايات المتحدة تريد أن تشن حملة صليبية عصرية وتقتل المسلمين. إلا أن غزوا أخر وإحتلال سيأكد شكوكهم ويدعم التجنيد. أضف إلى ذلك عدم كفائتنا في جهودنا السابقة كمحتلين وسيكون لدينا أسباب للممانعة. في نهاية الأمر فإن صعود داعش قد حدث فقط لأن إحتلالنا السابق خلق مساحة للزرقاوي وأتباعه. من يعرف ما ذا ستكون تبعات مهمة فاشلة أخرى.

أخذا في الإعتبار كل ما نعرف عن الدولة الإسلامية فالإستمرار في إستنزافها عبر الهجمات الجوية والحروب بالوكالة يبدوا وكأنه أفضل الإختيارات العسكرية السيئة. الأكراد والشيعة لن يخضعوا ويتحكموا في كامل القلب السني لسوريا والعراق- إنهم مكروهون هناك وليس لديهم الشهية لمثل هذه المغامرة على كل حال. ولكنهم قادرون على إبعاد الدولة الإسلامية عن تحقيق واجبها في التوسع. ومع مرور كل شهر تفشل فيه في التوسع يقل شبهها بالدولة الغازية للرسول محمد ويزيد بأي حكومة شرق أوسطية فاشلة في جلب الرخاء لأهلها.

الثمن الإنساني لوجود الدولة الإسلامية باهظ. ولكن تهديدها للولايات المتحدة أصغر من كل ما يقترحه الخلط مع القاعدة. إن قلب القاعدة نادر ضمن المجموعات الجهادية لتركيزه على "العدو البعيد" (الغرب). أغلب الهموم الأساسية للمجموعات الجهادية تبقى أقرب لها. وهذا صحيح بالذات فيما يخص الدولة الإسلامية تحديدا بسبب أيديولجيتها. إنها ترى الأعداء حولها في كل مكان وبينما تتمنى قيادتها الشر للولايات المتحدة إلا أن تطبيق الشريعة في الخلافة والتوسع إلى الأراضي المجاورة هي الأهم. وقد قال البغدادي ذلك بشكل مباشر: في نوفمبر قال لعملائه السعوديين "التعامل مع الرافضة أولا... ثم السلول (المؤيدين السنة للملكية السعودية)... قبل الصليبين وقواعدهم"

المقاتلين الأجانب (وزوجاتهم وأبنائهم) يسافرون إلى الخلافة بتذاكر ذهاب بلا عودة. إنهم يريدون أن يعيشوا في الشريعة الحقيقية والكثير منهم يريدون الشهادة فالعقيدة إذا تتذكرون تتطلب أن يقيم المؤمن في الخلافة إن كان ممكن أن يفعلوا ذلك. أحد فيديوهات الدولة الإسلامية الأقل دموية تتضمن مجموعة من الجهاديين يحرقون جوازات سفرهم الفرنسية والبريطانية والأسترالية. قد يكون ذلك عملا غريبا بالنسبة لشخص ينوي أن يعود ليفجر نفسه في طابور في اللوفر أو يحتجز رهائن أخرين في محل شوكلاتة في سيدني.

هاجم بعض "الذئاب المتوحدة" من مؤيدي الدولة الإسلامية أهدافا غريبة وستأتي هجمات أكثر. ولكن أغلب المهاجمين كانوا هواة مكبوتين غير قادرين على الهجرة للخلافة بسبب مصادرة جوازات سفرهم أو مشاكل أخرى. حتى لو هللت الدولة الأسلامية لهذه الهجمات – هي تفعل ذلك في دعايتها – فهي لم تخطط وتمول أحدهم حتى الأن. (هجمت شارلي إبدو في باريس في يناير الماضي كانت بشكل أساسي عملية للقاعدة). قام يورجن تودنهوفر خلال زيارته إلى الموصل في ديسمبر بإجراء مقابلة مع جهادي ألماني ضخم الجثة وسأله إن كان أي من رفاقه قد عاد إلى أوروبا للقيام بهجمات. بدا أن الجهادي لا يرى العائدين على أنهم جنود بل متخلين وقال "حقيقة أن العائدين من الدولة الإسلامية يجب عليهم أن يتوبوا عن عودتهم... أتمنى أن يراجعوا دينهم".

مع إحتوائها بشكل جيد فإن الدولة الإسلامية ستأتي على نفسها بنفسها. ليس لها حلفاء بين الدول وأيديلوجيتها تضمن أن ذلك سيبقى الحال. الأراضي التي تسيطر عليها غير مأهولة في أغلبيتها وفقيرة بالرغم من كونها شاسعة. وبينما تصاب بالركود أو تنكمش ببطئ فهي تتدعي أنها محرك يعمل برغبة الله وأن عامل نهاية التاريخ سيضعف وسيأتي عدد أقل من المؤمنين. وكلما تسربت تقرير أكثر عن البؤس داخلها ستفقد حركات إسلامية راديكالية في أماكن أخرى مصداقيتها: لم يحاول أي شخص أن يطبق الشريعة الصارمة بالعنف أكثر من ذلك. هذا هو ما تبدو عليه.

ومع ذلك فليس من المتوقع أن يكون موت الدولة الإسلامية سريعا ولا يزال واردا أن تسوء الأمور: إذا حصلت الدولة الإسلامية على تحالف مع القاعدة- موسعا وحدة قاعدتها في ضربة واحدة- ستتحول إلى عدو أسوء مما شاهدناه حتى الأن. إن كان شيئ قد حدث فهو أن الشقاق بين الدولة الإسلامية والقاعدة قد تزايد في الشهور الأخيرة. في عدد ديسمبر من دابق هناك تقرير طويل عن منشق عن القاعدة يصف مجموعته القديمة بأنها فاسدة وغير فعالة وأنه الظواهري زعيم متباعد وغير صالح. ولكن علينا أن نترقب بحرص أي مصالحة. بدون كارثة مثل هذه أو ربما التهديد بهجوم الدولة الإسلامية على إربل فإن غزو أرضي واسع سيجعل الوضع أسوأ بالتأكيد.

 

٥. الإثناء

سيكون تسطيحا أو حتى تبرئة أن تسمى مشكلة الدولة الإسلامية "مشكلة مع الإسلام". يسمح الدين بتفسيرات كثيرة ومؤيدي الدولة الإسلامية عالقين بسبب التفسير الذي إختاروه. ولكن مع ذلك فوصم الدولة الإسلامية بأنها غير إسلامية سيأتي بنتيجة عكسية. خاصة إذا كان من يسمعون الرسالة قد قرأوا النصوص المقدسة ورأوا ما يدعم العديد من ممارسات الخلافة مكتوبة بشكل واضح داخلها.
يستطيع المسلمون أن يقولوا أن العبودية ليست شرعية الأن وأن الصلب خطأ في هذا المنعطف التاريخي ويقول الكثيرون هذا بالظبط. ولكنهم لا يسطيعون أن يشجبوا العبودية ولا الصلب صراحة بدون مخالفة القرآن ومثال الرسول. يقول برنارد هيكل "الموقف المبدأي الوحيد الذي يستطيع معارضوا الدولة الإسلامية أن يأخذوه هو أن يقولوا أن بعض النصوص المركزية والتعاليم التقليدية للإسلام غير صالحة الأن". وهذا في الحقيقة سيكون فعل كفر.  

إيديولوجيا الدولة الإسلامية تملك سيطرة على مجموعة فرعية معينة من السكان. النفاق والتنقاضات في الحياة تختفي في مواجهته. موسى سرانتونيو والسلفيين الذين إلتقيت بهم في لندن لا يمكن إحراجهم: لم يتلجلجوا أمام أي سؤال سألته. لقد حاضروا أمامي بإستفاضة وبإقناع أذا قبل الشخص مقدماتهم. إذا قلت أنهم ليسوا مسلمين فبيدوا ذلك بالنسبة ليه وكأنك تدعوهم إلى مجادلة سيربحونها. إن كانوا مجانين يزبدون فقد أستطيع إستنتاج أن خطواتهم ستحترق بينما المجانين بفجرون أنفسهم أو يصبحون شظايا درون واحدا تلو الأخر. ولكن هؤلاء الرجال تحدثوا بدقة أكاديمية وضعتني في الحالة الذهنية لسمينار دراسات عليا جيد. أنا حتى قد إستمتعت بصحبتهم وذلك أخافني بقدر ما أخافني أي شيء أخر.

لا يستطيع غير المسلمين أن يقولوا للمسلمين كيف يمارسون دينهم بشكل صحيح. ولكن المسلمون بدأوا منذ وقت طويل في هذه المناظرة بين صفوفهم. قال لي أنجم شوداري "يمكن للشخص أن يدعي أنه مسلم ولكن إن كان يعتقد في المثلية الجنسية أو شرب الخمر إذا فهو ليس مسلم. لا يجود شيء يسمى نباتي لا يمارس النباتية".

ولكن هناك بالفعل فرع أخر من الإسلام يعطي بديلا متشددا للدولة الإسلامية – وغير متهاون مثلها ولكن بنتائج معاكسة. هذا الفرع أثبت أنه جذاب للعديد من المسلمين الملعونين أو المنعمين بطوق نفسي أن يروا كل نقطة وكل عنوان في الكتب المقدسة مطبق كما كان في الأيام الأولى للإسلام. مؤيدوا الدولة الإسلامية الذين يعرفون كيف يستجيبون للمسلمين الذين يتجاهلون أجزاء من القرآن: بالتكفير أو الإستهزاء. ولكنهم أيضا يعرفون أن بعض المسلمين الأخرين يقرأون القرآن بدأب شبيه ويشكلون تهديدا أيديولوجيا حقيقيا.

البغدادي سلفي. تم صبغة لفظ سلفي بصبغة شريرة جزئيا لأنه الأشرار الحقيقين قد دخلوا بأحصنتهم إلى المعركة حاملين راية السلفية. ولكن أغلب السلفين ليسوا جهاديين وأغلبهم يلتزم بطوائف ترفض الدولة الإسلامية. يقول هيكل أنهم ملتزمين بتوسيع دار الإسلام، أي الأراضي الإسلامية، وربما عن تطبيق ممارسات وحشية مثل العبودية والبتر- ولكن في وقت ما في المستقبل. أولويتهم الأولى هي التطهير الذاتي والإلتزام الديني ويعتقدون أن أي شيء يبعدهم عن هذه الأهداف – مثل التسبب في حرب أو قلاقل قد تعطل الحياة والصلاة والدراسة – محرمة.

إنهم يعيشون بيننا. في الخريف الماضي زرت برتون بوسيوس البالغ من العرب 28 عاما وهو إمام سلفي يسمي نفسه عبد الله. مسجده على الحدود بين حي نورزن ليبرتيز الذي تمزقه الجريمة والمنطقة التي تم تحسينها والتي يمكن أن نطلق عليها دار الهيبسترز. تسمح له لحيته بالمرور داخل الحي الأخير بدون أن يلاحظه أحد تقريبا.

بوسيوس تحول إلى الإسلام منذ 15 عام بعد تربية بولندية كاثوليكية في شيكاجو. ومثل سرانتونيو فهو يتحدث مثل روح قديمة مبديا ألفة عميقة مع النصوص القديمة وإلتزام بهم يحركه الفضول والدراسة وبالإقتناع أنهم المهرب الوحيد من نار جهنم. عندما إلتقيته في مقهى إجتماعي كان يحمل عملا من أعمال البحث في القرآن بالعربية وكتبا لتعليم نفسه اليابانية. وكان يحضر خطبة عن إلتزامات الأبوة لحوالي 150 متعبد من مصلين يوم الجمعة.

قال بوسيوس أن هدفه الرئيسي هو التشجيع على الحياة الحلال للمتعبدين في جامعه. ولكن ظهور الدولة الإسلامية أجبره على التفكير في مسائل سياسية عادة ما تكون بعيدة جدا عن أذهان السلفيين. "أغلب ما يقولوه حول كيف تصلي وما تلبس هو ما سأقوله أنا بالظبط في مسجدي ولكن عندما تصل إلى مسألة التمرد الإجتماعي فإنهم يبدون مثل شي جيفارا"

عندما ظهر البغدادي تبنى بوسيوس شعار "ليس خليفتي". وقال لي "أيام الرسول كانت أيام إراقة دماء كثيرة... وكان يعرف أن أسواء أشكال الظروف بنسبة لكل الناس هي الفوضى خاصة داخل الأمة (المجتمع الإسلامي)". وعلى هذا الأساس قال لي بوسيوس أن الموقف الصحيح للسلفيين هو أن لا يزرع الشقاق بالتقسيم الناس إلى فصائل وإعلان أن بعض المسلمين الأخرين كفار.

على العكس يرى بوسيوس – مثل أغلب السلفيين- أن المسلمين يجب أن ينزعوا أنفسهم من السياسية. هؤلاء السلفيين العلميين كما يقال عليهم يتفقون مع الدولة الإسلامية في أن قانون الله هو القانون الوحيد ويتجنبون ممارسات مثل التصويت وإنشاء الأحزاب السياسية. ولكنهم يفسرون كراهية القرآن للشقاق والفوضى لأنها تتطلب منهم أن يتفقوا مع أي قائد بما في ذلك بعض الفاسقين بشك واضح". قال لي بوسيوس "قال الرسول أنه طالما لم يدخل الحاكم في الكفر الصريح فيجب أن تطيعهم عامة". و "كتب المذاهب" الكلاسيكية تحذر جميعا من التسبب في فوضى إجتماعية. السلفيين العلميين ممنوعون من تقليب المسلمين على بعضهم البعض – على سبيل المثال بالتكفير الجماعي. يقول بوسيوس أن الحياة بلا بيعة تجعل الشخص جاهلا فعلا وفي ظلام. ولكن البيعة لا تعني بالضرورة الولاء لخليفة وقطعا ليس بالضرورة لأبو بكر البغدادي. يمكن أن تعني بشكل أكثر عموما، الولاء لعقد إجتماعي ديني وإلتزام بمجتمع مسلم سواء حكمه خليفة أم لا.

السلفية العلمية تعني أن المسلمين يجب أن يوجهوا طاقتهم إلى الوصول إلى الكمال في حياتهم الشخصية بما في ذلك الصلاة والطقوس والنظافة مثلما هو يتناظر اليهود الأورثودوكس المتطرفين حلو ما إن كان من الحلال أن يقطعوا قطعا من مناديل الحمال يوم السبت (هل يعتبر ذلك "قطع الأقمشة"؟) أنهم يضيعون وقتا غير طبيعي للتأكد من أن سراويلهم ليست طويلة بشكل زائد وأن لحاهم مشذبة في بعض المناطق وكثة في مناطق أخرى. أنهم يعتقدون أنه من خلال هذا الإلتزام المتزمت سيفضلهم الله بالقوة والعدد وربما سيتصعد خلافة. في هذه اللحظة سينتقم المسلمين ونعم يحصلون على نصر كبير في دابق. ولكن بوسيوس ينقل عن مجموعة من المفكرين السلفين المعاصرين الذين يقولون بإن الخلافة لا يمكن أن تأتي بشكل صحيح إلا عبر إرادة الله التي لا تخطئ.

الدولة الإسلامية بالطبع ستوافق وستقول أنه الله حدد البغدادي. رد بوسيوس يقدر بأنه دعوة للتواضع. فهو ينقل عن عبد الله إبن العباس أحد صحابة الرسول الذي جلس مع الخوارج وسألهم كيف يجرؤون كأقلية أن يقولوا للأغلبية أنهم مخطؤون. الإنشقاق في حد ذاته لدرجة إراقة الدماء أو تقسيم الأمة كان ممنوعا. حتى طريقة إنشاء البغدادي للخلافة يتعارض مع المتوقع وقال " إن الخلافة شيء سيؤسسه الله... وسيتضمن إجماعا من العلماء من مكة والمدينة. ليس هذا ماحدث. لقد ظهرت داعش من العدم".

تكره الدولة الإسلامية هذا الخطاب ومعجبيها يغردون بسخرية عن السلفية العلمية. يستهزؤون بهم مطلقين عليهم أسم "سلفيو الحيض" بسبب حكمهم المبهم حول متى وأين تكون نساء نظيفات أو غير نظيفات جوانب أخرى من الحياة بلا أهمية كبيرة.  قال أحدهم بإستهزاء "ما نحتاجه الأن هو إن كان ركوب الدراجة على المشترى حرام... هذا ما يجب أن يركز عليه العلماء. انه أهم من حالة الأمة". يقول أنجم شوداري بدوره أنه ليس هناك خطيئة تستدعي معارضة أشرس من الإستيلاء على قانون الله وأن التطرف في الدفاع عن التوحيد ليس عيبا.

لم يحاول بوسيوس جذب أي نوع من الدعم من الولايات المتحدة لموازنة الجهاد. بلا إن المساندة الرسمية ستفقده المصداقية وفي كل الأحوال فهو يحمل مرارة إتجاه الولايات المتحدة لمعاملته حسبما قال "أقل من المواطن". (هو يدعي أن الحكومة دفعت أموالا لجواسيس كي يخترقوا مسجده ويضايقوا والدته في عملها بأسألة حول كونه إرهابي محتمل).

ومع ذلك فإن سلفيته العلمية تمنحه ترياقا إسلاميا ضد الطريقة البغدادي في الجهاد. الأشخاص الذين يتوصلون للإيمان وهم يبحثون عن معركة لا يمكن إيقافهم كلهم عن الجهاد ولكن من يستهدفون بشكل أساسي أن يجدوا نسخة من الإسلام شديدة المحافظة وغير متساهلة لديهم بديل هنا. إنه ليس إسلاما معتدلا، أغلب المسلمين سيعتبرونه تطرفا. ولكنه مع  ذلك نوعا من الإسلام يجده من يفكرون بشكل حرفي منافقا أو مطهرا من ما لا يريح بشكل مهرطق. النفاق ليس خطيئة يتقبلها الشباب أصحاب العقليات الأيديولوجية بشكل جيد.

من الأفضل للمسؤولين الغربيين أن يمتنعوا عن الإدلاء بدلوهم في شؤون المناظرات العقائدية الإسلامية في المطلق. لقد إنجرف باراك أوباما نفسه المياه التكفيرية عندما إدعى أن الدولة الإسلامية "ليست إسلامية"- والسخرية تكمن في أنه وهو الأبن غير المسلم لرجل مسلم من الممكن أن يصنف كمرتد ولكنه مع ذلك يمارس الكفير ضد المسلمين. إن غير المسلمين الذين يمارسون التكفير يثيرون ضحك الجهاديين (قال أحدهم في تغريدة "مثل خنزير مغطى بالبراز يعطي نصائح عن النظافة للأخرين").

أشك أن أغلب المسلمين يقدرون مشاعر أوباما: إنّ الرئيس يقف معهم ضدّ البغدادي والشوفينيين من غير المسلمين الذين يرغبون في إدانتهم. لكن أغلب المسلمين ليسوا معرّضين للانضمام إلى الجهاد. سيتم تأكيد شكوك أنهم معرضون لذلك: الولايات المتحدة تكذب بخصوص الدين كي تخدم مصالحها.

خلال النطاق الضيق لعقيدتها، فإنّ الدولة الإسلامية تطن بالطاقة وحتى بالإبداع. خارج هذه الحدود هي بالكاد مقفرة وصامتة: صورة للحياة في صورة طاعة ونظام وقدر. يمكن أن ينتقل موسى سرانتونيو وأجم شوداري من التأمل في الموت الجماعي والعذاب الأبدي إلى مناقشة فضائل القهوة الفيتنامية أو المعجنات بالعسل بمتعة بادية. مع ذلك، يبدو لي أنه باعتناق أفكارهم تصبح جميع نكهات العالم مائعة بالمقارنة بالبشاعات الواضحة للعالم الآخر.

يمكنني أن أستمتع بصحبتهم كتدريب فكريّ يجبل الشعور بالذنب إلى حد ما. في نقد "كفاحي"، في مارس 1940، اعترف جورج أورويل أنه "لم يقدر أبدًا على كراهية هتلر". شيئًا ما في الرجل كان يشع بصفات البطل الضدّ حتى عندما كانت أهدافه جبانة أو كريهة "إذا قتل فأرًا كان يعرف كيف يجعله يبدو على هيئة تنين". يمتلك مؤيدو الدولة الإسلامية نفس الجاذبية. يعتقدون أنهم شخصيًا مشتركين في صراعات تتجاوز حياتهم وأن انجرافهم في الدراما إلى جانب الحق، هو فضل ومتعة - خاصةً عندما تكون عبئًا أيضًا.

يقول أورويل إن الفاشية نفسيًا أكثر تعقلًا من أي مفهوم عن الحياة له علاقة باللذة... بينما الاشتراكية وحتّى الرأسمالية بشكل أكثر تمنعًا، "أنا أمنحكم وقتًا ممتعًا". قال لهم هتلر "أنا أمنحكم المقاومة والخطر والموت"، وكنتيجة لذلك ترمي أمّة كاملة بأنفسها عند قدميه... يجب علينا ألا نقلل من قيمة هذه الجاذبية العاطفية. وفي حالة الدولة الإسلامية من جاذبيتها الدينية أو الفكرية. حمل الدولة الإسلامية لحِمل تحقيق نبوءة كمسألة عقائدية تحكي لنا على الأقل عن عزيمة منافسنا. إنه مستعد للتهليل لفنائه شبه الكامل ويبقى واثقًا أنه سينال عونًا إلاهيًا إذا بقى مخلصًا لنهج النبوّة حتى وإن كان محاصرًا. من الممكن للآليات  الأيديولوجية إقناعنا بزيف رسالة المجموعة ويمكن للآليات العسكرية أن تحدّ من رعبها. لكن في ما يخص منظّمة غير قابلة للاستمالة، مثل الدولة الإسلامية، فلن تجدي أية إجراءات غير تلك ويمكن للحرب أن تكون طويلة حتى ولو لم تستمر حتى نهاية الزمان.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب