رؤية أمريكية: كيف نوقف سباق التسلح النووي في الشرق الأوسط؟

مقال رأي

تخيل فرض عقوبات مالية على البنك المركزي السعودي، العضو العربي الوحيد في مجموعة جي 20 للاقتصاديات الكبرى. إلى ذلك، أضف عقوبات تجارية لاذعة ومتعددة الجنسيات لوقف بيع غالبية إنتاج النفط السعودي في الأسواق الدولية. إذا كانت هذه التدابير تبدو سخيفة، ذلك لأنها سخيفة بالفعل. لكن سياسة مكافحة الانتشار النووي الأمريكية في الشرق الأوسط قد تتطلب تنفيذ مثل هذا السيناريو الغريب والكابوسي.

خلال شهادته الأخيرة أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، اقترح نائب وزير الخارجية أنتوني بلينكن أن "أفضل طريقة" لمنع حدوث سباق تسلح نووي في الشرق الأوسط هي "نموذج" المفاوضات النووية التي تجريها مجموعة الخمسة زائد واحد مع إيران. وأوضح بلينكن قائلا: "أشك أن أي بلد سيرغب في تكرار" نموذج ايران "والتعرض للعزلة والعقوبات لعقد أو أكثر من الزمان." وباختصار، فإن "الإجابة" على السؤال عن كيفية منع شلال نووي في الشرق الأوسط "هو بالضبط ما نفعله."

لكن تقريبا كل القوى السنية في المنطقة تتجه لتطوير بنية تحتية للطاقة النووية، ويرجع ذلك جزئيا إلى زيادة الطلب المحلي على الكهرباء، ولكنه يأتي أيضا كرد على برنامج إيران النووي. رئيس المخابرات السابق في المملكة العربية السعودية، الأمير تركي الفيصل، أوضح هذا الشهر للبي بي سي أن "أيا ما كان الذي سيخرج من هذه المحادثات، سوف نريده نحن أيضا." وأشار إلى أنه على وجه الخصوص، "إذا كان لدى إيران القدرة على تخصيب اليورانيوم إلى أي مستوى، فليست السعودية فقط التي ستطلب ذلك لنفسها أيضا."

بالإضافة إلى السعودية، تبدأ كل من مصر والأردن وتركيا والإمارات برامج طاقة نووية سريعة ومكثفة. يعتقد الخبراء أن العديد من هذه الدول فهمت أن الطاقة النووية توفر فرصا ليس فقط لإنتاج الطاقة المحلية ولكن أيضا لأغراض عسكرية تمكنهم من "التقاط بعض القدرات على الطريق." أبرمت عمّان للتو لصفقة بقيمة 10 مليار دولار مع روسيا لبناء أول محطة للطاقة النووية في الأردن، ووقع الروس اتفاقا مماثلا لبناء أول محطة للمصريين عندما زار بوتين القاهرة في فبراير. مما لا شك فيه أن الإماراتيين نادمون على التوقيع على اتفاق أمريكي عام 2009 يعرضون فيه التخلي عن حقهم في تخصيب اليورانيوم مقابل التعاون النووي الأمريكي بينما مُنحت إيران حق التخصيب المحلي بحكم الأمر الواقع.

لكن البلد الذي يشعر أنه في مرمى الإيرانيين أكثر من غيره هي السعودية. كان الملك الراحل عبد الله قد حث أمريكا على شن ضربات عسكرية على برنامج إيران النووي لـ"قطع رأس الأفعى" وحذر الولايات المتحدة بشكل صريح أنه "إذا حصل الإيرانيون على الأسلحة النووية، فسوف نحصل على الأسلحة النووية." يقوم الملك سلمان حاليا بالتراجع عن حملة سلفه الإقليمية ضد الإخوان المسلمين من أجل الضغط على مؤيدي الإخوان الإقليميين - تركيا وقطر والسودان وحماس - لمساعدته في أولويته الأكثر إلحاحا وهي مواجهة النهب الإيراني للمنطقة. الحملة العسكرية الجديدة التي تقودها السعودية في اليمن ضد المتمردين الحوثيين المدعومين من إيران، والتي أطلق عليها اسم عملية عاصفة الحزم، هي أحدث تعبير عن عزيمة الملك.

كما أخبرت أعضاء الكونغرس في شهادتي العام الماضي، يرى السعوديون نوايا طهران النووية من خلال منظور دعمها للإرهاب والأعمال المؤذية الأخرى التي تقوم بها في جميع أنحاء المنطقة. وريث الملك سلمان المعين وولي العهد الأمير مقرن، أوضح في أحد المرات التي لا تنسى لمسؤولين أمريكيين أن مصطلح "الهلال الشيعي" الذي يمتد عبر العراق وسوريا ولبنان هو توصيف غير كافي. وبدلا من الهلال، وصف ولي العهد الأنشطة الإيرانية بأنها "بدر" يطوق المملكة، مما يؤثر على السكان الشيعة في المنطقة الشرقية، وكذلك جيران السعودية في البحرين واليمن والكويت. تكرست هذه الشكوك العميقة في الدوافع الإيرانية عندما بدأ مسؤولون إيرانيون يعبرون عن فرحتهم بالنجاح الذي حققه وكلاءهم الحوثيين في هدم الدولة اليمنية مؤخرا.

في حين أن جميع الأعضاء الستة في مجلس التعاون الخليجي (GCC) يرحبون رسميا بخطة العمل المشتركة (JPOA) التي وُقعت مع إيران في نوفمبر من عام 2013، إلا أن معظمهم يعارضها في السر. ترأس الحاكم الحالي للمملكة العربية السعودية اجتماعا لمجلس الوزراء صدر عنه إعلان إيجابي لكنه متشكك بشكل غامض ردا على خطة العمل المشتركة، ولكن افتتاحية الصحيفة التي يسيطر عليها ابنه عبرت عن وجهة نظر الرياض الحقيقية بخصوص الاتفاق، وتعاملت معه على أنه علامة على أن واشنطن تتخلى عن الخليج.

يقلق السعوديون من أنه إذا تم رفع العقوبات بموجب اتفاق نووي، ستتدفق الأموال على الحرس الثوري الإسلامي الإيراني (IRGC) وسيقوم بتكثيف جدول أعماله لتخريب الإقليم. التركيز الحصري على الطاقة النووية في محادثات مجموعة الخمسة زائد واحد مع إيران، تضمن معارضة الخليج العربي لمثل هذه الصفقة.

في أوائل شهر مارس، أثناء زيارة وزير الخارجية كيري إلى السعودية بهدف إطلاعها على المحادثات النووية مع إيران، كان لدى الرياض بعض التعليقات القاسية لكبار دبلوماسيي أميركا بخصوص شواغلها الأمنية. "لن يختلف شيء في اليوم التالي لهذا الاتفاق ... بخصوص كل القضايا الأخرى التي تشكل تحديا لنا في المنطقة" بما في ذلك "تصرفات إيران الأخرى التي تسبب زعزعة الاستقرار." كانت تلك كلمات كيري.

من المفترض أن وزير الخارجية كان يقصد بتصريحاته طمأنة السعوديين أن أمريكا ستفي بالتزامها بأمن دول مجلس التعاون الخليجي في مواجهة التعديات شبه العسكرية الإيرانية. لكن تخلي الرئيس أوباما في عام 2013 عن تفعيل الخط الأحمر الذي أعلنه ضد استخدام الأسلحة الكيميائية من قبل الوكيل الإيراني في سوريا، بشار الأسد، كان سببا إضافيا لتشكك ملوك الخليج. ووبالفعل، خلال مؤتمرهم الصحفي، أخذ وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل تصريحات كيري إلى نهايتها المنطقية، مؤكدا أن قلق دول مجلس التعاون الخليجي الأول ليس البرنامج النووي الإيراني في حد ذاته وإنما "كل شيء آخر تفعله إيران"، لأنه من خلال هذه الإجراءات تتنبأ بقية دول الخليج بالنوايا الإيرانية. ومنذ ذلك الحين حذر السعوديون من أن إيران لا يجب أن تحصل على اتفاق نووي لا "تستحقه" طالما استمرت طهران في "سياساتها العدوانية ... وتدخلاتهاالحالية" في المنطقة.

في هذا السياق، ينبغي أن لا نندهش أن تقرير خريجي إدارة أوباما يقول: "لقد ضغطنا عليهم [أي السعوديين] ليوافقوا على عدم اتباع دورة وقود نووي مدنية، ولكن السعوديين رفضوا." ولعل أفضل ما يمكن تحقيقه في هذا الصدد هو ما يسميه سيجورد نويباور، من معهد دول الخليج العربي، "المعيار الفضي"، وهو استخدام خبرات الولايات المتحدة النووية مقابل التزام الرياض بشراء وقود المفاعلات من السوق الدولية بدلا من إنتاج المواد بنفسها. كما أن متطلبات التفتيش الخاصة بالوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تساعد أيضا بعض الشيء.

لكن المراقبين يشعرون بالقلق من أن المملكة العربية السعودية قد تتجاوز هذه العقبة تماما إذا استمرت إيران في تحقيق تقدم نحو سلاح نووي عن طريق شراء قنبلة سعودية من الأرفف الباكستانية. العواقب الدولية الوخيمة لمثل هذا السيناريو تعني ببساطة أن هذا الاحتمال لابد أن يؤخذ على محمل الجد.

وبالتالي، فإنه من مصلحة أميركا القومية أن تضمن أن إيران تواجه ضغوطا جديدة لتقليص الإجراءات الإقليمية المدمرة للحرس الثوري الإيراني، بما في ذلك ضغوط على المسار الدبلوماسي. وعلاوة على ذلك، لا يوجد وقت كافي لاستخدام مزيد من النفوذ الأميركي في هذا الصدد قبل إبرام الاتفاق حول المسار النووي - فبعد الاتفاق لن يكون لدى الإيرانيين حافز كاف للتعاون.

في حين أنه لا شك أن إدخال مثل هذا الشرط الآن في عملية التفاوض سيعقد مهمة التوصل إلى اتفاق نووي، لكن من شأنه أيضا أن يجعل مثل هذا الاتفاق أكثر استدامة على الصعيد الثنائي، ويسهّل بيعه للمعارضة في الكونغرس، بل قد يؤدي أيضا إلى دعم الرئيس الايراني حسن روحاني داخليا. وسيكون ذلك كافيا لإقناع الحلفاء في الخليج بأن أمريكا ليست في طريقها لهَجرهم.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب