ستراتفور: ماذا حدث في اليمن منذ عام ٢٠١١؟

مقال رأي

 

ملحوظة من المحرر: على الرغم من الاتفاق على وقف إطلاق النار في 19 يناير، اقتحم المتمردون الحوثيون في اليمن القصر الرئاسي في صنعاء وحاصروا مقر اقامة رئيس الوزراء خالد بحاح في 20 يناير، كما قيل إن المقاتلين استولوا على أسلحة الفرقتين الأولى والثالثة من الحرس الرئاسي اليمني، بما في ذلك الدبابات والأسلحة الثقيلة الأخرى.

على الرغم من أن أفعال الحوثيين في ظاهر الأمر تبدو كانقلاب، يتبع المقاتلون في الواقع استراتيجية مختلفة. تهدف تحركاتهم الأخيرة إلى إظهار قوتهم - فهم ليسوا مهتمين بحكم اليمن مباشرة. بل يسعون إلى زيادة نفوذهم داخل النظام الفيدرالي في اليمن. إن الحوثيين مهتمين فقط بالسيطرة على المنطقة التي تقع داخل حدود مملكة اليمن القديمة أو الجمهورية العربية اليمنية – أي المناطق التي تتابع على حكمها الزيديون لعدة قرون حتى عام 1962. والاستيلاء الأخير على القصر الرئاسي لا يشير إلى حدوث تغيير في هذا الهدف. إن المؤشرات على وجود تغيير في استراتيجية الحوثيين تشمل اعتقال أو قتل الرئيس عبد ربه منصور هادي، وقتل غيره من قادة الحكومة المهمين، أو إعلان المجموعة رسميا أنها الآن تسيطر على البلاد.

رغم أن اليمن طالما عانت من عدم الاستقرار، فقد كان تاريخها الحديث عنيفا بشكلٍ خاص. جلب الربيع العربي الاحتجاجات إلى صنعاء، مما أثار تصاعد الخلاف بين الرئيس السابق علي عبد الله صالح والجنرال محسن الاحمر. أصبح الصراع في نهاية المطاف حربا مفتوحة داخل صنعاء، وأصيب صالح بجروح خطيرة في محاولة اغتيال في يونيو 2011. وفي محاولة لتخفيف حدة التوتر داخل البلاد، توسط مجلس التعاون الخليجي في عقد اتفاق أدى إلى تنحي الرئيس السابق علي عبد الله صالح لصالح الرئيس الحالي عبد ربه منصور هادي في عام 2012. وبعد إطلاق حملة لمواجهة المتمردين والقوات الانفصالية في جميع أنحاء البلاد، أصبح من الواضح أن الجيش لم يكن منظمة موحدة قادرة على الحفاظ على النظام داخل البلاد.

بحلول عام 2014، كان هادي يسعى إلى انتهاج نظام فيدرالي يضمن تقاسم أفضل للسلطة بين الجماعات السياسية المختلفة في اليمن، ولكن ظهرت عقبات لتلك لخطة. أراد الحوثيون مزيدا من السلطة داخل النظام الجديد وصعدوا حملتهم ضد الحكومة في صنعاء، زاحفين إلى العاصمة إلى أن دفعوها أخيرا إلى محادثات سلام بوساطة الامم المتحدة في أغسطس. بموجب هذه الاتفاقية، شكلت اليمن حكومة جديدة لاسترضاء الحوثيين. رغم ذلك، لم تكن الجماعة راضية ببنود دستور البلاد الجديد المقترح، وفي 19 يناير، تحركت لمنع اعتماده. تتبعت ستراتفور هذه الأحداث عن كثب، ويوجد أدناه مجموعة مختارة من التحليلات التي تؤرخ للتطورات داخل اليمن.

اليمن في أزمة: تقرير خاص

21 مارس 2011: هناك أزمة تتصاعد سريعا في اليمن. وتجرى مواجهة حول القصر الرئاسي بين قوات الأمن في العاصمة صنعاء في حين لا يزال الرئيس المحاصر علي عبد الله صالح يقاوم تنحيه، مدعيا أن "غالبية الشعب اليمني" يدعمونه. في حين أن التدخل العسكري بقيادة الغرب في ليبيا يهيمن على عناوين الصحف، فالأزمة في اليمن وآثارها على استقرار الخليج العربي لها عواقب استراتيجية أكبر. تواجه المملكة العربية السعودية بالفعل تهديدا بحملة زعزعة استقرار إيرانية في شرق الجزيرة العربية، لذا فقد نشرت قواتها في البحرين في محاولة لمنع الاضطرابات الشيعية من الانتشار. مع وجود جبهة ثانية تهدد الآن الجنوب السعودي، فالوضع في اليمن يصبح غير محتمل السكوت عليه بالنسبة للسعوديين.

تحليل تكتيكي لمحاولة اغتيال صالح

8 يونيو 2011: جرح القتلة الرئيس علي عبد الله صالح بشدة في هجوم بعبوة ناسفة. وضع القنبلة يشير إلى أن المهاجم كان يعرف روتين صالح اليومي، مما يدل على أن المحاولة قامت بها عناصر داخلية.

استمرار عدم الاستقرار في اليمن

30 مارس 2012: أدى اتفاقٍ توسط فيه مجلس التعاون الخليجي ووقعه الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح في نوفمبر 2011 إلى ترك صالح للرئاسة، لكنه لم يبعده هو أو أسرته من المجالات السياسية أو العسكرية أو الاقتصادية في اليمن. حاول الرئيس الجديد للبلاد، عبد ربه منصور هادي، أن يملأ حكومته بالكثير من حلفائه، ولكن لا يزال صالح مستمرا في محاولة تقويض اتفاق دول مجلس التعاون الخليجي.

كانت الحكومة اليمنية قد انشغلت بالصراعات الداخلية على السلطة، والتعديلات الوزارية والقتال في صنعاء بين الفصائل التابعة لمحسن (الأحمر) وتلك التابعة لصالح. وفي هذه الأثناء، ستستفيد الجماعات الهامشية في اليمن، خاصة المتمردين الحوثيين الزيديين في الشمال والحركة الانفصالية والقاعدة في الجنوب، من انشغال صنعاء، حتى يكثفوا عملياتهم.

الجيش اليمني يستولي على معاقل الجهاديين

13 يونيو 2012: أعلن الجيش اليمني في 12 يونيو انه استعاد السيطرة على بلدتين استولى عليهما تنظيم تنظيم القاعدة في جزيرة العرب في أوائل عام 2011، وهو الفرع اليمني من الجماعة الجهادية. حتى الآن، أدت الانقسامات الداخلية في الحكومة اليمنية وتشتتها مع حركات التمرد في شمال البلاد وجنوبها إلى منع صنعاء من شن هجوم حاسم ضد الجماعة.

نجاح الجيش في طرد القاعدة في جزيرة العرب يدل على أنه استطاع أن ينحي جانبا قضاياه الداخلية ويعيد تركيز اهتمامه على التهديد الجهادي، على الأقل في الوقت الراهن. مع ذلك، فالاحتفاظ بالمدينتين سيكون أكثر صعوبة من استعادة السيطرة عليهما. ومن أجل منع مقاتلي القاعدة في جزيرة العرب من استعادة السيطرة على المدينتين، يجب أن تكسب اليمن تأييد القبائل المحلية اللازمة للدفاع عنهما بعد انسحاب الجيش. على المدى الطويل، يجب على الحكومة اليمنية حل توتراتها الداخلية الهائلة، التي أتاحت للقاعدة الفرصة للاستيلاء على البلدتين في المقام الأول. وحتى ولو كانت الحكومة ناجحة في كلتا المهمتين، فمن المرجح أن ترد القاعدة في جزيرة العرب على الهجوم بشن هجمات انتقامية في جميع أنحاء البلاد، وخاصة في العاصمة.

اليمن يواجه المتشددين والانفصاليين

11 أبريل 2013: تمثل حادثة عصيان خطيرة بين جنود الحرس الجمهوري اليمني في 7 أبريل أحدث مؤشر على أن الرئيس عبد ربه منصور هادي لا يزال عليه توحيد القوات المسلحة اليمنية. ويأتي نضال هادي المستمر لتوطيد السلطة في الوقت الذي تحاول فيه الحكومة المركزية إدارة التهديد الذي يمثله تنظيم القاعدة في شبه جزيرة العرب والحركة الانفصالية الجنوبية التي تشهد عنفا متزايدا. وعلى الرغم من أن صنعاء لديها بعض القدرة على التخفيف من هذه التهديدات، ستزيد صعوبة إدارتها دون قوة عسكرية موحدة.

العقبات التي تعترض قيام نظام فيدرالي في اليمن

5 فبراير 2014: في اليمن، حيث تقوم السياسة القبلية مقام الحاكم، وتجاهد الحكومة المركزية لتوطيد السلطة وممارسة السيطرة، يطفو خيار النظام الفيدرالي مجددا إلى السطح. ذكرت مصادر حكومية يمنية في 2 فبراير أن الرئيس عبد ربه منصور هادي وافق على تشكيل جمهورية فيدرالية يتم تقسيم البلاد بموجبها إلى ست مناطق.

إلا هناك عددا من القضايا تخص فكرة الحكم الذاتي الاقليمي في اليمن، تتنافس فيها كل قبيلة وطائفة ومنطقة على الحقوق والإيرادات من موارد البلاد. وبسبب خلافات حول شروط الفيدرالية فضلا عن المشاكل الهيكلية المرتبطة بنظام الحكم، فإنه من غير المحتمل أن يتم تنفيذ هذا النظام. وإذا تم تنفيذه، فإنه على الأرجح لن ينجح على النحو المنشود.

في اليمن، يمكن لتقدم المتمردين أن يسقط النظام

29 يوليو 2014: نجاح حملة المتمردين في شمال اليمن يهدد بزعزعة استقرار الحكومة الضعيفة والمطحونة بالفعل في صنعاء. بعد الاستيلاء على مدينة عمران، التي تقع على بعد 50 كيلومترا فقط من العاصمة، في أوائل شهر يوليو، أصبح المتمردين من قبيلة الحوثيين في أقوى موقف لهم حتى الآن. الحكومة اليمنية بصدد وضع خطة لتقسيم البلاد إلى ست مناطق فيدرالية، ويعتقد المتمردين إن هذه فرصتهم للاستيلاء على الأراضي للمساومة في المستقبل.

الحكومة المركزية عاجزة تقريبا عن درء المتمردين. وتنتشر قواتها بالفعل في أماكن عدة مما يجعلها مشتتة. وقد تدخلت المملكة العربية السعودية المجاورة لليمن من قبل، ولا تزال تدعم القبائل السنية في الشمال، ولكن قد يصعب حدوث تدخل آخر بسبب خطر التسبب في رد فعل شيعي أو خلق مساحة للجهاديين للتحرك.

المتمردون اليمنيون يدفعون الحكومة إلى إجراء المحادثات

22 أغسطس 2014: استفاد المتمردون الحوثيون في اليمن، التابعين للطائفة الزيدية الشيعية الموجودة التي توجد شمالي البلاد، من الأراضي التي اكتسبوها مؤخرا، وهم الآن يفرضون حصارا فعالا على العاصمة ويهددون بالاطاحة بالحكومة السنية. وتتزامن تحركات زعيم المتمردين عبد الملك الحوثي في ​​الآونة الأخيرة مع انهيار معنويات الجيش اليمني بسبب خسائر مستمرة وعدم قدرة الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي على إدارة مصالح البلاد المتنافسة.

لا يبدو أنه من المحتمل أن يقوم الحوثيون وحلفائهم القبليون المسلحون بمحاولةٍ لاحتلال العاصمة بالقوة، لوعيهم بالتداعيات الداخلية والخارجية المحتملة لمثل هذه الخطوة. بدلا من ذلك، سوف يستخدم الحوثيون تهديد المتمردين لإجبار حكومة هادي على تقديم تنازلات. من المرجح أن هادي سوف يقدم تنازلات سياسية، مثل إقالة الوزارة وكبار المسؤولين القياديين، وإعادة صياغة حدود الخطة الفيدرالية المقترحة، ويقدم للحوثيين دورا أكبر في الحكومة ومزيدا من الحكم الذاتي المحلي، مما يجعلهم أكثر قوة داخل اليمن. وسيتيح ذلك أيضا لأنصار الحوثيين التقليديين في إيران تهديد منافسيهم السعوديين إلى الشمال. ولعل الأهم من ذلك، هو أن الاضطرابات السياسية سوف تجبر هادي على تحويل عدد أكبر من قواته العسكرية المحدودة باتجاه العاصمة، مما يتيح للجهات الفاعلة مثل تنظيم القاعدة في شبه جزيرة العرب والقوات الجنوبية الانفصالية الفرصة لتوسيع مناطق نفوذهم.

الزيديين يعاودون الظهور على المشهد السياسي اليمني

2 أكتوبر 2014: للمرة الأولى منذ سقوط الإمامة في عام 1962، تستعد الطائفة الزيدية في شمال اليمن- والتي تتبع فرعا من الإسلام الشيعي - للعب دورا حاسما في عملية الانتقال السياسي في البلاد. تحت قيادة عبد الملك الحوثي الذي يتمتع بشخصية كاريزمية، ورجال القبائل التابعين له، ظهرت الزيديون الشماليون كأفضل قوة قتالية تنظيما وأكثرها فعالية في اليمن، كما أنهم ضغطوا بقوة السلاح على النظام الضعيف والمنقسم في صنعاء لدفعه للإذعان لعدة مطالب رئيسية. وحيث أن مؤيدي النظام التقليديين في الرياض ليس لديهم خيارات متاحة، وقوات أمن الدولة تنتشر على جبهات متعددة مما يؤدي إلى تشتتها، يحاول الحوثيين الاستفادة من الانتصارات الأخيرة لضمان حصة سياسية زيدية أكبر في صنعاء، فضلا عن قدر أكبر من الحكم الذاتي للمنطقة الجبلية الخاصة بهم في الشمال. في الوقت المناسب، فإن عودة ظهور الحوثيين سيقدم لايران نقطة رئيسية للضغط في المفاوضات مع عدوها السعودي، لكنها قد تؤدي أيضا إلى فراغ أمني وسياسي، يمكن لجماعات مثل الحركة الانفصالية الجنوبية وتنظيم القاعدة في شبه جزيرة العرب أن يستغلوه.

الرئيس اليمني يشكل حكومة جديدة

17 نوفمبر 2014: يكشف تشكيل حكومة التوافق التكنوقراطية اليمنية الجديدة عن استراتيجية الرئيس عبد ربه منصور هادي في حكم البلاد. ففي تشكيله للحكومة الجديدة يحاول هادي أن يضرب منافسيه بعضهم ببعض من خلال ضمان أمرين: ألا يبرز مركز قوة واحد كقوة سياسية أو عسكرية سائدة في البلاد، وأن يكون كل طرف مسؤول عن جزء ما في الحفاظ على مستوى معين من الاستقرار الداخلي. هذه الاستراتيجية، التي شكلت حجر زاوية في بقاء النظام السابق، سوف تحد كثيرا من قدرة الحكومة المركزية على بسط سلطتها في المناطق النائية للبلاد وتمرير الإصلاح السياسي الذي تشتد الحاجة إليه. إلا أنها مع ذلك قد تضمن بقاء النظام ومنع البلاد من الانزلاق إلى حربٍ أهليةٍ شاملة، على الأقل في الوقت الراهن.

لدى السعوديون - وهم أكثر الجهات الفاعلة الخارجية أهميةً في اليمن - مصلحة قوية في الحفاظ على هذا التوازن المعقد للسلطة لتجنب أن تؤدي خسارة كاملة للسلطة المركزية في صنعاء إلى عنف أو توتر طائفي قد يمتد عبر الحدود الجنوبية الغربية للرياض. وتواجه الحكومة اليمنية الجديدة عددا من التحديات الخطيرة القادمة في الوقت الذي تحاول فيه الجهات الفاعلة الإقليمية دفع صنعاء إلى تقديم تنازلات سياسية، سواء في تشكيلة مجلس الوزراء أو خلال عملية كتابة دستور جديد التي تكتنفها الصعوبات. وعلى الرغم من هذا الضغط، فمحاولات هادي لتحقيق التوازن بين المصالح المتنافسة في بلاده من شأنها أن تمنع تفكك الدولة اليمنية في المستقبل المنظور، على الرغم من أن المنافسة الإقليمية المبطنة سوف تستمر في التصاعد.

اليمن يعود إلى طبيعته المنقسمة

19 يناير 2015: في 17 يناير قيل إن رجال ميليشيات مرتبطين بحركة التمرد الحوثية - التابعة للطائفة الزيدية الشيعية الموجودة في شمال اليمن – قد اختطفوا أحمد عوض بن مبارك، رئيس هيئة أركان الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي. وكان مبارك، وهو تكنوقراطي ورد أنه قد جرى رفضه من قبل الحوثيين في عام 2014 كمرشح لرئاسة الوزراء بسبب صلاته القريبة من هادي، من المقرر أن يقدم مشروع دستور اليمن الجديد للرئيس. يعارض الحوثيون الدستور الجديد، ويبدو أن عملية الاختطاف قد وقعت لمنعه من المضي قدما.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب