ست خطوات لحل الأزمة السورية

مقال رأي

استقدم الصراع الدموي الذي بدأ في سوريا منذ بدايات 2011 – سواءًا أطلقنا عليه حربًا أهليةً أو أسماءًا أخرى – كارثةً حقيقية تمثّلت في تدميرٍ واسع النطاق للبلاد ولبنيتها التحتية وسقوط أكثر من مائتي ألف قتيل والنزوح الداخلي لـ 6,7 مليون مواطن والخارجي لـ 3,8 مليون لاجيء وأسفر عن ثلاثة عشر مليون شخصٍ في حاجةٍ لمساعداتٍ إنسانية عاجلة.

من جانبه، قام ستافان دي ميستورا، ثالث مبعوثي الأمم المتحدة المكلفين بإيجاد حلٍ للصراع السوري، بطرح "خطة عملٍ" تهدف إلى جعل 2015 عامًا للمضي قدمًا نحو إيجاد صيغةٍ سياسية لإنهاء الصراع.

"تتمثل النقطة الأولى في حاجتنا إلى التركيز على التهديد الحقيقي المتمثل في الإرهاب كما تعرّفه قرارات مجلس الأمن. والثانية في خفض معدلات العنف... والثالثة، والمعتمدة بالأساس على النقطة الثانية، في محاولة الوصول قدر المستطاع إلى أكبر عددٍ من الأشخاص المتضررين من الصراع الجاري داخل سوريا وخارجها؛ وخلال ذلك، نأمل في تشكيل كتلةٍ تساعدنا على التوصل إلى حلٍ سياسي،" هذا ما أشار إليه المبعوث الخاص.

وبعد لقائه بالرئيس السوري، أكّد المبعوث الخاص للأمم المتحدة أنه حصل على التزامٍ من الحكومة السورية بأنها سوف تعلّق الغارات الجوية والقصف المدفعي على مدينة حلبٍ لستة أسابيعٍ كي تساعد في إنجاح خطة الأمم المتحدة. ومع ذلك، فإن كلًا من الواقعية والبرجماتية ضروريتان للوصول إلى حلٍ للأزمة السورية، ومن ثمّ، فإن بعض الأطراف المتورطة ينبغي عليها أن تتنازل عن كبريائها لتصحيح أخطاء الماضي التي ارتكبتها.

وكأول إشارةٍ إلى هذا المنحى الواقعي، وصف مبعوث الأمم المتحدة الخاص الرئيس بشّار الأسد "بأنه طرفٌ رئيسي في صيغة الحل لإنهاء الصراع السوري."

ويمكننا كذلك رؤية إشاراتٍ أخرى في سياسة كلٍ من الولايات المتحدة والمعارضة السورية المعتدلة، حتى وإن كانت [هذه الإشارات] متأخرةً للغاية. فمقارنةً بما سبق، يبدو أن المعارضة السورية تبتعد بوضوحٍ عن تعويذاتها المبكرة المتمثلة في "الأسد يجب أن يرحل" أو "اقصفوا الأسد."

وعلى نحوٍ متماثل، أتت كلمات نائب الرئيس، جو بايدن، في أكتوبر الماضي موضحةً أن "حلفاءنا في المنطقة كانوا مشكلتنا الأكبر في سوريا... فتركيا والسعودية والإمارات كانوا مصممين على إسقاط الأسد بأي ثمنٍ مما دفعهم إلى خوض ‘حربٍ سنية/ شيعية بالوكالة’ من خلال ضخ ‘مئات الملايين من الدولارات وعشرات الآلاف من أطنان الأسلحة لأي شخص كان على استعدادٍ لقتال الأسد’... والآن، غدت نتيجة هذه السياسة واضحةً للجميع."

ويتمثل العامل الثاني في الاعتراف بحقيقة أن الخطر الحقيقي ليس بشار الأسد وإنما "الدولة الإسلامية". "إن سقوط نظام الأسد من شأنه أن يكون أسوأ السيناريوهات بالنسبة للمصالح الأمريكية – إذ أنه سيحرم سوريا من مؤسسات الدولة الباقية وسيخلي مساحةً أكبر للـ"الدولة الإسلامية" كي تنشر شرورها،" هكذا أوردت دراسةٌ مؤخرة أعدتها مؤسسة رند، التي تقوم بإعداد أبحاثٍ للحكومة الأمريكية. في العام الماضي، تغير الوضع في سوريا على نحوٍ سريع وجذري. فقد ساعد قتال الأسد عمليًا "الدولة الإسلامية" في إحكام السيطرة على نصف مساحة سوريا وثلث مساحة العراق، في ذات الوقت الذي أصبح فيه المتمردون المدعومن من قبل أمريكا وحلفائها الإقليميين أشد ضعفًا. لذلك، فقد كان مبعوث الأمم المتحدة الخاص محقًا عندما قال أننا في "حاجةٍ إلى التركيز على التهديد الحقيقي المتمثل في الإرهاب."

ولكن هذا التغير الطارئ لم يتطور بعد إلى نهجٍ وسياسةٍ شاملين ومدروسين على نحوٍ جيد؛ فلا تزال هناك أطرافٌ وجهاتٌ أخري بالولايات المتحدة تبدو عازمةً على دفع الخيار العسكري وتسليح قوات المعارضة العنيفة في سوريا، "كي نلحق الهزيمة بـ‘الدولة الإسلامية’ ونسقط نظام الأسد،" كما كتب عضوا مجلس الشيوخ الجمهوريان جون ماكين وليندسي جراهام.

وحقيقة الأمر البسيطة هي أن انتهاج سياساتٍ متناقضة في ذات الوقت لن يساعد في إنهاء هذا الصراع الدموي الذي طال أمده. وقد غدا ذلك واضحًا لكل الأطراف المتورطة في الأزمة السورية – إقليميةً كانت أو دولية. لذلك، فإن العامل الثالث يتمثل في أن جميع الأطراف لم تعد في موقعٍ يسمح لها بالحصول على كل شيءٍ في المقامرة السورية. ينبغي على الجميع الآن تقديم تنازلاتٍ والتوصل لأرضيةٍ مشتركة.

والعامل الرابع، الذي يجب أن يتم الاعتراف به، هو أن تلك الجهود الرامية إلى إنهاء الصراع لا يمكن أن يقوم بها أحد الأطراف المعنية أو المتورطة، في المنطقة وخارجها، من جانبٍ واحد. ومن المستحيل أن ننتظر أن تؤتي جهود الأمم المتحدة ثمارها ما لم تتوافر الإرادة السياسية – واستحقاقاتها الاستراتيجية – لدى كل العواصم المتورطة لتجاوز أوهام الماضي وتسخير العقول والطاقات، في إطارٍ من التعاون المشترك، لتحريك الوضع الراهن بعيدًا عن المزيد من الاشتعال والمضي قدمًا نحو تهدئةٍ تدريجية.

وعلى ما يبدو من الأمر، وبالنظر إلى العوامل التي قادت الجهود والمبادرات السابقة – بما فيها مباحثات جنيف الأولى والثانية – نحو الفشل، فإن نجاح الخطة الجديدة المقترحة بواسطة المبعوث الخاص للأمم المتحدة تعتمد بدرجةٍ كبيرة على تنسيقٍ سياسيٍ أوسع. فكما يتراءى لي، أظن أن أعضاء مجلس الأمن الخمس الدائمين (P5) واللاعبين الإقليميين الخمس المعنيين – إيران والعراق وتركيا والسعودية/ مجلس التعاون الخليجي ومصر – يجب عليهم جميعًا أن يتبنوا رؤيةً ونهجًا جديدين حيال الأزمة السورية. وإجمالًا، قد يساعد اتفاقهم على الخطوات التالية في تمهيد السبيل للخروج من المأزق الدموي الراهن.

هناك ست خطواتٍ يجب أن تُتخذ.

الخطوة الأولى: الاتفاق على مبادئٍ عامة وعقلانية مثل: 1- الحفاظ على وحدة وسلامة الأراضي السورية؛ 2- الحفاظ على مؤسسة الدولة السورية، بما فيها الجيش والقطاعات المدنية؛ 3- إشراك جميع الأطراف السورية في العملية السياسية؛ 4- البحث عن أرضيةٍ مشتركة من خلال دعم ومؤازرة المعتدلين؛ 5- القضاء على ملاذات الإرهابيين الآمنة في سوريا؛ 6- إيقاف الدعم العسكري والمالي لفصائل المعارضة العنيفة؛ 7- ضمان حقوق الأقليات؛ 8- تعزيز المساعدات الإنسانية؛ 9- العمل على إيجاد نظامٍ للمشاركة في السلطة؛ 10- إيجاد صيغة عملية لمرحلةٍ انتقال سياسي سلمية.

الخطوة الثانية: تشكيل منتدى واسع النطاق يتألف من فصائل المعارضة المعتدلة وغير العنيفة والحكومة.

الخطوة الثالثة: إعلان وقف لإطلاق النار تتم مراقبته بواسطة مراقبين دوليين.

الخطوة الرابعة: توسعة نطاق المساعدات الإنسانية ذات الحاجة الملحة.

الخطوة الخامسة: تنفيذ الاتفاقات والخطوات سالفة الذكر من خلال تشكيل نظام حكمٍ انتقالي.

الخطوة السادسة: إجراء انتخابات حرة تنظمها وتشرف عليها الأمم المتحدة.  

أما فيما يتعلق بداعش، باعتبارها عدوًا مشتركًا للجميع، فيجب أن تتم محاصرتها وإلحاق الهزيمة بها بفعاليةٍ وبأسرع وقتٍ ممكن، وينبغي على جميع الأطراف أن تتكاتف في العمل على إنهاء الأزمة السورية، إذا أن ذلك من شأنه توجيه ضربةٍ قاضية لداعش.

وعلى صعيدٍ آخر، أشار عددٌ كبيرٌ من المحللين والنقاد، الأمريكيين وغير الأمريكيين، إلى عنصرٍ هامٍ يتم تجاهله في الصورة الكبرى: بعض التوافق الأمريكي/ الإيراني – فكلاهما طرفان أساسيان في المشهد السورى، ولو أن كلًا يلعب بطريقته الخاصة، ومن الممكن أن يصبح ذلك واقعيًا بالتزامن مع التوصل إلى الاتفاق النووي الذي طال انتظاره والذي، كما يأمل المراقبون، يبدو أنه غدا قريبًا عن ذي قبل.

فالإرادة السياسية لدى كلا العاصمتين من شأنها جعل التوصل إلى اتفاقٍ عقلانيٍ أمرًا ممكنًا: وكلما كان ذلك قريبًا، كلما كان أفضل. وقد يساعد هذا التطور الإيجابي، رغم الجهود المضنية التي يبذلها معارضوه لدى كلا الطرفين، أيضًا في تشكيل سياسةٍ أمريكيةٍ أكثر واقعيةً وتوازنًا تجاه الشرق الأوسط – الأمر الذي سيصب، على كل التقديرات، في مصلحة الجميع طويلة المدى.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب