قيادات أوروبية نسائية صاعدة في مجال الدفاع

مقال رأي

تحت الضوء، يقدم لنا جيلٌ جديدٌ من القيادات الأوروبية النسائية أفكارًا جريئةً في المسائل الدفاعية ويتحمل مخاطرًا سياسية.

لقد بات معتادًا أن ينظر من هم في واشنطن إلى الأطلسي معتقدين أنه لا يوجد من يأخذ قضايا الدفاع على محمل الجد. فالقادة الأوروبيون منشغلون بمسائلٍ داخلية مثل مستقبل الاتحاد الأوروبي. كما لا تزال شعوبهم متشككةً حيال استخدام القوة العسكرية. ورغم تحذيرات قادة الدفاع الأمرييكيين الشديدة، التي يتم توجيهها على مدار أعوام، بخصوص اتساع الفجوة بين الإمكانات الأمريكية ونظيراتها الأوروبية، ومطالباتهم للأوروبيين بأن يعززوا استثماراتهم الدفاعية، فإن معظم البلدان الأوروبية لا تزال تنفق القليل.

ومع ذلك، قد يكون خاطئًا أن نقلل من شأن النقاش حول القضايا الدفاعية في أوروبا – وفي حقيقة الأمر، فقد ظهر مؤخرًا جيلٌ جديدٌ من قادة الدفاع الأوروبيين الذين يطرحون أفكارًا دفاعيةً جريئةً  ويعلنون استعدادهم لتحمل المخاطر السياسية. ورغم أنهم لا يمثلون إجماعًا جديدًا بعد، فإنهم يبثون نشاطًا ديناميًا وروحًا إبداعيةً جديدة في تحالف دول الأطلنطي الأمني. ومن خلال مشاهدتهم والاستماع إليهم، يمكن للمرء أن يتخيل مستقبلًا مختلفًا.

وتعد إحدى هؤلاء القادة وزيرة الدفاع النرويجية، إين إريكسن سورايد. منذ أن تقلدت المنصب عام 2013، أثبتت سورايد أنها إحدى نجوم الناتو الشابة (عمرها 38 عامًا) الصاعدة. لذلك تكن لها دوائر واشنطن الدفاعية داخل الحكومة وخارجها احترامًا كبيرًا، كما أنها كانت سببًا في دفع النرويج لإنفاق المزيد على الدفاع، واتخذت موقفًا حاسمًا ضد روسيا ولا تزال منخرطةً في القتال ضد الدولة الإسلامية، أو داعش.

وخلال مؤتمرٍ، عُقد بأوسلو الأسبوع الماضي، لخبراء الدفاع الأمريكيين والأوروبيبن، حذّرت سورايد أنه حتى إذا ما تراجعت موسكو عما تقوم به في أوكرانيا اليوم، فإن روسيا ستظل تمثل إشكالًا لأعوامٍ مقبلة، الأمر الذي يدعو الأوروبيين لتعزيز إمكاناتٍ دفاعيةٍ قوية والمحافظة عليها. "ينبغي علينا أن نتعامل مع الموقف كما هو،" هكذا قالت خلال كلمتها، "لا كما نرغب في أن يكون."

وبينما تُعد روسيا العنيفة تحديًا مركزيًا لدولةٍ مثل النرويج الواقعة بالجناح الشمالي لحلف الناتو، فإن سورايد شددت أيضًا على أهمية قتال داعش، التي وصفتها محقةً بأنها "تهديدًا إرهابيًا خطيرًا على جميع الأنظمة الديمقراطية."

ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، فالنرويج تتبع كلمات وزيرتها بالأفعال. لقد كان الجيش النرويج أحد أنشط الجيوش في الاستجابة للاستفزازات الروسية. وخلال العام الماضي، انتشرت قواته مع الجنود الأمريكيين في لاتفيا للقيام بتدريباتٍ ومناورات، كما أنه سيشارك في بعثة تأمين مجال البلطيق الجوي. وفي العراق، سوف ترسل النرويج مدربين وضباط متمركزين للمساعدة في تعزيز جهود التحالف هناك. وما هو أبعد من ذلك أن النرويج شاركت، خلال العام الماضي للمرة الأولى، في مناورات إيجيس البحرية في إطار ريمباك، مناورات بحرية تُجرى في مياه المحيط الهادي بالقرب من هاواي. وقد أثنت سورايد على مشاركة النرويج مؤكدةً أن أمن المحيط الهادي يعد اهتمامًا مشتركًا بين دول الأطلنطي وأن استراتيجية الولايات المتحدة "لإعادة التوازن" يجب ألا يتم تنفيذها على حساب أوروبا.

وفي نفس الصدد، تعد الألمانية أورسولا فون در ليين إحدى القادة الدفاعيين الآخرين اللاتي تجدر مراقبتهن – تقلّدت فيما مضى وزارتي العمل وشئون الأسرة. لقد برزت فون در ليين كإحدى الأصوات الهامة خلال النقاشات الأمنية الأوروبية، وتعد مفضلةٌ لدى العديد من المسئولين الأمريكيين. كذلك فإن فون در ليين قريبةٌ من ميركل ومرشحةٌ بدرجةٍ كبيرة لأن تخلف المستشارة في المستقل.

لقد عملت فون در ليين على تغيير موقف ألمانيا كقيادةٍ حذرة ومتشككة إلى أن تكون إحدى القيادات النشيطة. وخلال الصيف الماضي، لعبت دورًا محوريًا في قرار برلين بإعادة تزويد مقاتلي البشمرجة الأكراد بمساعداتٍ قتالية – الأمر الذي يعد خطوةً هامة بالنظر إلى موقف ألمانيا القديم بعدم إرسال أسلحةٍ لمناطق الصراع (ويعد رفضها لإرسال أسلحة إلى أوكرانيا مثالًا على ذلك) وترددها في التورط بأي صيغةٍ في صراعات الشرق الأوسط (ولنتذكر أن ألمانيا اتخذت موقفًا مختلفًا عن حلفائها في الناتو حيال ليبيا ولم تنضم للحملة الجوية في 2011). وقد عملت ليين أيضًا على إبقاء الوجود الألاني شمالي أفغانستان.

ومع ذلك، فإن الجيش الألماني، بطبيعة الحال، لا يزال يواجه تحدياتٍ ضخمة. فقد عانى من تراجعاتٍ مؤثرة مثل تحطم طائرات النقل ونقص المعدات الذي اضطر القوات الألمانية إلى القيام بالتدريبات باستخدام العصي خلال مناورات الناتو كما أفادت التقارير. لذلك فإن المهمة الأصعب ستكون دفع ألمانيا إلى الاستثمار في إمكاناتٍ جديدة والإنفاق على الدفاع.   

إلا أن فون در ليين قد حققت بعض التقدم، من خلال عملها على اجتذاب عددٍ أكبر من شباب الألمان للانضمام إلى الجيش بجعله مهنةً أكثر جاذبية (وصديقةً للعائلة)، كما أنها بذلت جهودًا لتحويل دفة الإنفاق الألماني على الدفاع. وخلال عطلة نهاية الأسبوع الماضية، تصدرت ليين العناوين بمنتدى بروكسل السنوي، حيث أعلنت أن ألمانيا ستزيد ميزانية دفاعها بما قيمته ثمانية مليارات يورو (أو 6,2 %) خلال الأعوام الخمسة المقبلة. وعلى نحوٍ ملحوظ، تظهر استطلاعات الرأس أن الجماهير الألمانية تدعم هذه الزيادة، رغم أن ألمانيا ستظل غير محققةً لهدف الناتو بإنفاق 2 بالمائة من إجمالي الناتج المحلي سنويًا على الدفاع.

لقد أثبتتا سورايد وفون در ليين، من خلال نظرتيهما وجهودهما وإنجازاتهما حتى الآن، ما الذي يمكن للقادة الأوربيين القيام به في المسائل الدفاعية. وباعتبارهما نساءًا، فإنهما يتخذان مواقعًا حساسة (وعادةً ما احتلها الرجال) بالناتو. وإذا ما راقبناهما عن قربٍ، فإننا ندرك قدرتيهما على لفت أنظار واهتمام القيادة، كما أن العمل معهما يؤكد أنهما بارعتان في حل المشكلات. وفي واقع الأمر، فإن تحالف الناتو الآن لديه مجموعة مكونة من خمس وزيراتٍ دفاعٍ نساء (فبالإضافة لألمانيا والنرويج، هناك أيضًا إيطاليا وألبانيا وهولندا)، وكل واحدةٍ منهن تترك بصمتها.

وخلال وصفها لمبادرةٍ قامت بتبنيها مؤخرًا بالتعاون مع فون در ليين ونظيرتها الهولندية لاختبار قدرة الناتو على نشر قواتٍ سريعة، قالت سورايد؛ "يجب أن أقول أن كوننا ثلاث وزيرات نساءٍ للدفاع... جعلنا نتفق بسرعةٍ على المبادرة، فإنني أفكر على نحوٍ أسرع كثيرًا من العديد من زملائنا الرجال – والسبب أننا نريد أن نرى نتائج ونريد أن نرى هذه النتائج بسرعة."

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب