كبار راسمي الخرائط بالجيش الأمريكي يتجسسون على طرق تهريب داعش للنفط

مقال رأي

 

في الثالث من مارس، أطلع محلل بالوكالة السرية لصنع الخرائط – التابعة للبنتاجون – مدير الوكالة على وسيلة جديدة للإسهام في الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش). فعبر الاطلاع على علامات السوق السوداء للنفط، يمكن للوكالة جمع القرائن لمساعدة شركائها في تجفيف منبع أموال ووقود التنظيم.

ساعدت تلك الموارد متطرفين إسلاميين مشتبه فيهم بتونس في قتل أكثر من 20 شخصا يوم الأربعاء، بينهم عدد من السياح.

يحتمل أن يحدث جزء من تلك التجارة السرية فعليا تحت الأرض وبعيدا عن الأنظار. ولكن بعض عمليات النقل مرئية للعيون المدربة لخبراء الوكالة.

قال مدير الوكالة روبرت كارديلو في مقابلة مع موقع "نيكست جوف": "اضطر محللنا لاستخدام وسائل استخباراتية كانت مصممة للصين وروسيا" وتابع: "هكذا يبدو شكل السوق السوداء لصناعة النفط. ولقد كان اكتشافا رائعا".

لم يوضح مسؤولو الوكالة تفاصيل مؤشرات مرئية محددة، لأن ذلك قد يكشف معلومات سرية. إلا أنهم قالوا أنهم قد اطلعوا على تقرير جديد صدر عن مجموعة العمل المالي يوضح مراكز تسليم البضائع. وتمثل الوكالة داعما كبيرا لاستغلال المعلومات مفتوحة المصدر.

لذلك فمن غير المستبعد أن تراقب الوكالة عمليات نقل النفط في الشاحنات المنفردة وبراميل النفط، وكذلك في المصافي المحمولة.

لأن الضربات الجوية للتحالف انتزعت حقول النفط، لجأ داعش لاستخدام "وحدات" مصاف نفط محمولة وحرق النفط الخام في حفر مفتوحة لصنع الوقود، حسبما أوضحت دراسة صدرت الشهر الماضي من قبل مجموعة العمل المالي.

وأفاد التقرير: "بحسب طبيعتها، يمكن استبدال تلك المصافي وإعادة بناءها عبر استيراد قطع غيار وماكينات".

تاريخيا، استلزم تهريب النفط في دول أخرى بنية تحتية يمكن ملاحظتها، حتى إن كانت شاحنات صغيرة فقط تحمل النفط الخام من وإلى الموانئ، حسبما أوضح أحد المحققين. يمكن لوسائل نقل النفط أن تكون صعبة التمييز كشاحنات نقل المياة، أو بكبر حجم شاحنة صهريج نيوجيرسي. وبالتأكيد لا يحمل أي منها راية التنظيم.

عندما تشارك التنظيمات عديمة الجنسية مثل حزب الله، أو الأنظمة المفروض عليها عقوبات مثل إيران، في صناعة السوق السوداء، عادة ما تتدخل شركة مملوكة لدولة لشراء البضائع.

فعندما تتداول براميل النفط بسعر 43 دولار عالميا، سترحب الشركة بخام خفيف بسعر حوالي 20 دولار للبرميل، دون طرح أي أسئلة. وبذلك يدخل النفط الغير شرعي إلى الاقتصاد الشرعي. ويصبح لدى التنظيم الوحشي مصدر للدخل الثابت والسريع.

ضرب المضخات أم ضرب الحسابات البنكية؟

عندما تحدد الوكالة ما ستراقبه، يجب تحديث كامل العملية الأمريكية بناء على الاستخبارات، حسبما أوضح كارديلو. وتابع: "الآن نحول تلك المعلومات إلى عملائنا في القيادة المركزية، عملائنا في وزارة الدفاع، البنتاجون، وإلى أكثر من دولة. أقصد بذلك مساعدتهم في التفكير" حول كيفية إعاقة ذلك النشاط لأن رد فعل الولايات المتحدة "يمكن أن يكون حركيا، وأحيانا قد يكون دبلوماسيا، أو ماليا، وربما يكون الثلاثة ضروريين".

على سبيل المثال، خلال الشهر الماضي فقط، أصابت الضربات العسكرية منصة نفط محمولة، عدة رافعات لضخ النفط، وحدات لتكرير النفط، ونقطتين لتجميع النفط الخام في سوريا، حسبما أعلنت وزارة الدفاع. وأعاقت وزارة الخزانة الأمريكية التدفقات النقدية عبر إغلاق الحسابات النقدية للتجار، شركات التكرير والنقل، والذين كشفوا هوياتهم عبر العمل في الاقتصاد الشرعي. ثم تجرى جهود دبلوماسية لاعتراض سبيل طرق تهريب النفط عبر الحدود في تركيا والعراق.

وتابع كارديلو: "يجب ألا نقدم المعلومات لحكومتنا فقط، بل والحكومة العراقية أيضا "بصدد تهريب النفط، "وكذلك الكيفية والأماكن التي نظن أنهم يستخدمونها لأنه من مصلحتها إيقاف ذلك الإنتاج، والأرباح التي يجنونها أيضا مقابل ذلك الإنتاج".

حتي نهاية شهر أكتوبر، حسبما أورد موقع "كوارتز"، كان داعش لا يزال مسيطرا على حقول قادرة على إنتاج 20 ألف برميل يوميا، والتي تتيح لهم جنى 500 ألف دولار يوميا، مع ترك فائض كافي لتشغيل حركة النقل في الأراضي الخاضعة له. ولكن التقديرات تتفاوت، بسبب ميل التنظيم لاستخدام ستائر دخانية. وخلال نفس الفترة، قدرت وزارة الخزانة أرباحا بقيمة مليون دولار يوميا.

شبكات سرية أخرى

بعيدا عن رسم خرائط لشبكات التهريب، تستخدم الوكالة البيانات المتاحة على شبكات التواصل الاجتماعي ووسائل الاتصال بين الأشخاص، والتي لا تظهر على الخرائط التقليدية.

حيث علق كارديلو بأن مقاتلي داعش "نشطون جدا" على شبكات التواصل الاجتماعي و"نحن نستفيد من ذلك في تحديد مواقعهم، وما يفعلونه، وما يربط أحد مقاطع الفيديو بأحد الموقع".

اكتشف باحثون غير حكوميون أنه في حال تشغيل أحد داعمي داعش لخاصية تحديد الموقع في هاتفه الذكي، يمكن اكتشاف الإشارات الخلوية التي تحدد الإحداثيات الجغرافية التقريبية لموقع ذلك الشخص.

وتوصلت تحليلات جديدة أجرتها مؤسسة "بروكينجز" إلى نتائج متوقعة وهي أن عدد قليل من المتعاطفين مع التنظيم يشغلون تلك الخاصية عند استخدامهم لموقع "تويتر"، وهم حوالي 300 شخص من أصل 20 ألف مستخدم أجريت عليهم الدراسة، أي أنهم يمثلون نسبة 1,5 بالمئة.

وعلق كاتبا التقرير، جي إم بيرجير وجوناثان مورجان: "عدد الذين فعلوا الخاصية كان مرتفعا بشكل مفاجئ، في ضوء العواقب الأمنية العملياتية لذلك". تم تحديد مواقع العدد الأكبر من الحسابات الموالية لداعش في مناطق بسوريا. ولم يكن أيا منها داخل الولايات المتحدة.

يدرك داعش خطر ترك آثار رقمية يمكن تعقبها. فقد أمر التنظيم أعضاءه في ديسمبر الماضي بإلغاء خاصية تحديد المواقع على هواتفهم المحمولة خلال شهر واحد، حسبما ذكرت مؤسسة "بروكينجز". إلا أنه من غير الواضح إن كان الأعضاء قد انصاعوا لتلك الأوامر أم لا، جزئيا لأن المستخدمين يمكنهم التلاعب بالهواتف لإعطاء إحداثيات خاطئة.

ووصف كارديلو تكتيكات التنظيم بشكل عام بأنها: "مختلفة للغاية ... هم يحافظون على استمرارهم عبر الاندماج". أما بالنسبة للوكالة فيقول كارديلو: "هناك شركة تعمل على الصور والتوقيعات، وبالفعل يصعب التنظيم عملها، لا يجعله مستحيلا، بل أكثر صعوبة".

وفي ضوء الصراع الجاري، قد تفقد أي خريطة حداثتها سريعا.

أحيانا، قد يسأل كارديلو أحد المحللين: "هل يمكنك إزالة خطوط راند ماكينلي للحظة؟ ... لقد وضعها سايكس وبيكو على منديل في لندن عام 1916"، في إشارة للدبلوماسيين البريطاني والفرنسي، الذين صاغا اتفاقا يقسم المناطق الخاضعة للامبراطورية العثمانية سابقا.

تهتم الوكالة بشكل أكبر بما يطلق عليه الجغرافيا البشرية، وهي التراكب الثقافي، الطائفي، القبلي، والخصائص الديمغرافية التي تميز المساحات الجغرافية.

ويوضح كارديلو: "سوريا، تلك المساحة على الخريطة، لم تعد موجودة بالفعل"، وتابع: "أظن أنه سيكون من الأفضل كثيرا التفكير بشأن تحدي تنظيم داعش دون رؤية تلك الحدود، والتي أظن أنها أصبحت اليوم حدود مصطنعة".

 

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب