كيف دفعت الولايات المتحدة تعويضات عن الوفيات والأضرار في أفغانستان

مقال رأي

دهست مدرعة على ساقي طفل يبلغ من العمر ست سنوات: 11 ألف دولار. شاحنة "تم تفجيرها عن طريق الخطأ": 15 ألف دولار. كسر تفجير مخطط 8 نوافذ في أحد المساجد: 106 دولارا. غرق صبي في خندق مضاد للدبابات: 1916 دولارا. دهست شاحنة تزن 10 طن محصول خيار: 180 دولارا. أطلقت طائرة هليكوبتر "الرصاص لتصيب وتقتل سبع بقرات": 2253 دولارا. تدمير 200 من كروم العنب، و30 شجرة توت وبئرٍ واحد: 1317 دولارا. عربة يدوية مليئة بالمرايا المكسورة: 4057 دولارا.

وطفلٌ توفى في عملية قتالية: 2414 دولارا.

كانت تلك بعضًا من المدفوعات التي دفعتها الولايات المتحدة إلى أفغانٍ عاديين خلال مدة العمليات العسكرية الأمريكية في البلاد، وفقًا لقواعد البيانات التي تغطي الآلاف من مثل هذه المعاملات، والتي حصلت عليها "ذي إنترسبت" بموجب قانون حرية المعلومات. جاءت العديد من المدفوعات مقابل حوادث عادية من قبيل حوادث السير أو الإضرار بالممتلكات، في حين يحكي آخرون، باستخدام لغةٍ بيروقراطيةٍ فاترة، قصصًا عن:"وفاة زوجة وبنتين قاصرتين"، أو "إصابات في رأس الابن، وزراعيه، وساقيه"، أو "وفاة الزوج"، أو الأب، أوالعم، أو ابنة الأخ.

قواعد البيانات غير مكتملة، مما يعكس عملية حفظ سجلات مجزأة في أفغانستان، ولاسيما بشأن مسألة إلحاق الأذى بالمدنيين. المدفوعات التي حللتها "ذي إنترسبت،" والمعروضة في الرسم المصاحب لهذا التقرير، ليست تعدادًا كاملًا، لكنها تقدّم نافذة صغيرة إلى الآلاف من الحيوات الممزقة، والمآسي الشخصية التي تحدث خلال أكثر من عقد من الحرب.

ثمن الحياة

تأتي البيانات التي حصلت عليها "ذي إنترسبت"، من نظامين مختلفين يستخدمهما الجيش الامريكي لدفع التعويضات.

يُعطي قانون المطالبات الأجنبية، الذي أُقر في عام 1942، المواطنين الأجانب القدرة على طلب تعويضات عن الأضرار الناجمة عن أفراد الجيش الأمريكي. لكن القانون لا يغطي سوى الحوادث التي تحدث خارج حالات القتال - وهذا يعني أن المدنيين المحاصرين في معارك ليس لهم اللجوء لهذا القانون.

إلا أنه منذ الحرب الكورية، أدرك الجيش الأمريكي أنه في كثير من الأحيان من مصلحته أن يدفع مبالغ رمزية مقابل الضرر الذي يقع على المدنيين، حتى عندما يحدث ذلك خلال القتال. على مر السنين، أذنت وزارة الدفاع الأمريكية "بمدفوعات التعزية" أينما قرر الجيش أنها مناسبة ثقافيًا.

تمت الموافقة على مدفوعات التعزية تلك في العراق بعد بضعة أشهر من الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003، وبدأت في أفغانستان عام 2005. وسرعان ما أصبحت جزءًا من "قلوب وعقول" نهج مكافحة التمرد. وبعبارة أخرى، على حد تعبير كتيب  صدر عن الجيش، كان ذلك " نظامًا يعتمد على المال كسلاح".

في حين أنه قد يبدو من السخرية تقديم تعويض رمزي لحياة الإنسان، تبنّت المنظمات الإنسانية تلك السياسة كوسيلة للاعتراف بحالات الوفاة والظروف الاقتصادية الصعبة لمناطق الحرب.

تهدف مدفوعات التعزية إلى أن تكون لفتات رمزية، واليوم في أفغانستان، لا تزيد بشكل عام عن 5000 دولار، إلا أن مبالغ أكبر يمكن أن يُوافق عليها.

تأخذ المدفوعات، بموجب قانون المطالبات الأجنبية، بعين الاعتبار أي إهمال من جانب المدعي، وكذلك القانون المحلي. قال دوغلاس دريبين، وهو محام في دائرة مطالبات الجيش، في فورت ميد بولاية ماريلاند، إن الضباط في الميدان يجرون البحوث، وأحيانًا يستشيرون الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية USAID أو وزارة الخارجية، لتحديد تكلفة استبدال الممتلكات المتضررة - "ما هي قيمة دجاجة في منطقتي مقابل قيمتها في وسط مدينة كابول؟".

تتضمن المطالبات عن حدوث إصابات تكاليف الرعاية الطبية، وفي حالة الوفاة الخطأ، ينظر بالاعتبار إلى قدرة كسب المتوفى وظروفه. يقول دريبين "إذا كانت لدي حالة طبيب يبلغ من العمر 28 عامًا، سيدفعون أكثر مما لو كان الأمر جراء موت طفل في الرابعة من عمره". وفي أفغانستان، للأسف، من المرجح أن يُدفع تعويضًا عن موت طفلة صغيرة أقل بكثير مما يدفع جراء موت طفل صغير".

إلا أن هذا النظام ليس مثاليًا. فلا يمكن لسكان المناطق النائية، في كثير من الأحيان، الوصول إلى الأماكن التي يسلم بها الجيش الامريكي المال. والمبالغ الممنوحة، إذا كان سيتم منح أي مبالغ، غالبًا ما تعتمد على مبادرات من الجنود بشكل فردي - عادة ما يكون معاون القاضي هو من يتعامل مع المطالبات، أو القادة الذين يمكنهم أن يأذنوا بمدفوعات التعزية.

حصل الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية، في عام 2007، على وثائق تسرد تفاصيل حوالي 500 من المطالبات بموجب قانون المطالبات الأجنبية، في العراق بشكل رئيسي. كانت تلك هي السجلات الأصلية لتلك الحوادث، التي غالبًا ما كانت مكتوبة بخط اليد، فضلًا عن التحقيقات الموجودة بداخلها، وقرار الجيش النهائي لدفع أو نفي هذا الادعاء. قام جوناثان تريسي - وهو معاون قاض سابق باشر آلاف المطالبات في العراق، وقد استغرق سنوات لاحقة لدراسة النظام- بتحليل مجموعة البيانات بأكملها ووجد أن القرارات غالبًا ما تعتمد على الإفراط في التعاريف حول شمول أو تعسفية حالات القتال، وأن الأشخاص الذين تم نفي مزاعمهم، مُنحوا أحيانًا مدفوعات تعزية. وأشار جون فابيان ويت - أستاذ القانون في ييل- أيضًا إلى أن "تعويضات الممتلكات الصغيرة نسبيًا عن الأضرار على السيارات وغيرها من الممتلكات الشخصية تنافس في كثير من الأحيان المدفوعات عن الموت في قيمة الدولار".

وقال تريسي لمجلة "ذي إنترسبت": "إنهم يقدمونه كما لو أنه أسود أو أبيض، كما لو أن هناك دائرة من الأشياء يمكن أن ندفع عنها، وعليك أن تقرر إذا كان ذلك الحادث داخل أو خارج هذه الدائرة، لكن هذه ليست الطريقة التي يحدث بها الأمر". وأضاف: "لديك محاميين مختلفين يفعلان شيئين مختلفين و[المدنيين] الذين حدث لهم نفس الشيء تقريبًا يحصلون على تعويض مختلف جدًا".

تضمن قانون مخصصات الدفاع السنوي، العام الماضي، حكمًا دافع عنه السيناتور باتريك ليهي، عضو مجلس الشيوخ الديموقراطي عن ولاية فيرمونت، وفيه الفقرة التي تأمر البنتاجون بإنشاء عملية دائمة لإدارة مدفوعات التعزية. ويهدف هذا الاجراء لمنع التأخير والتناقضات التي شابت النظام في السنوات الأولى في العراق وأفغانستان، ولتحسين حفظ السجلات، حتى لا يبدأ البنتاجون من الصفر في كل نزاع جديد.

وقال مسؤول في الدفاع لمجلة "ذي إنترسبت"، في بيان بالبريد الالكتروني، إن البنتاجون لم ينفذ بعد هذا الحكم، لكنّه "يراجع العمليات المتعلقة بالمنح لتحديد ما إذا كان هناك مناطق حيث بالإمكان إدخال تحسيناتٍ عليها".

تعتقد مارلا كينان، العضو المنتدب لمركز المدنيين في الصراعات، أنه " بدأ المسؤولون، مع تصاعد الصراع في العراق وسوريا، في رؤية سبب وجود هذا النوع من السياسات. من المؤسف أن وجود سياق جديد يمكن أن يستخدم فيه هو الدافع".

العثور على البيانات

بدأت الأمم المتحدة في تتبع الضحايا المدنيين فقط في عام 2009؛ باستخدام تقدير محافظ يتطلب ثلاثة مصادر لكل حادث، وتقول تقارير الأمم المتحدة الآن إن أكثر من 17700 من الأفغان الأبرياء قد لقوا حتفهم في السنوات الخمس الماضية جرّاء القتال، والغالبية العظمى منهم قتلوا على يد طالبان أو غيرها من الجماعات التي تقاتل القوات الحكومية وقوات التحالف في أفغانستان.

النظر إلى التعويضات التي تدفع في إطار قانون المطالبات الخارجية أو من خلال مدفوعات التعزية من بين إحدى طرق إلقاء نظرة على الأضرار الناجمة عن وجود الولايات المتحدة. إلا أنه من الصعب استخلاص استنتاجات من سجلات الجيش المشوشة وغير المكتملة، باعترافاتهم أنفسهم.

كانت كل مجموعة من الوثائق يتم الإفراج عنها تأتي بصعوبات. على سبيل المثال، حصلت "ذا نيشن" على آلاف الصفحات من سجلات مدفوعات التعزية وغيرها من "خسائر المعركة" في عام 2013. وعندما سألت المجلة عن الأرقام الإجمالية، قال متحدث باسم الجيش،"يمكنني أن أخوض في الأرقام بأفضل ما أستطيع، لكن الرقم الذي سآتي به سيكون (مجرد) تخمين بل وغالبًا تخمين غير دقيق".

تلقت "ذي إنترسبت" بيانات حديثة تضم عدة سنوات من مدفوعات التعزية من الجيش بطلب من خلال قانون حرية المعلومات. تأتي هذه السجلات من قاعدة بيانات عسكرية تتبع مسار برنامج استجابة الطارئة للقيادة، وهو صندوق خاص بإنفاق المال للمشاريع "حسنة النية".

مدخلات قاعدة البيانات قليلة، لا توفر سوى البيانات الأساسية حول من قُتل أو جرح، دون تفاصيل حول متى أو كيف وقع الحادث. ولا توفّر معلومات عن الموقع سوى على مستوى المحافظة. ومع ذلك، تمثل البيانات أوضح حساب للبنتاجون عن حجم الاموال التي ينفقها على مدفوعات التعزية. (لا تشمل هذه البيانات "العوض"، وهي مثل مدفوعات التعزية تماما، أي تعويض عن الوفاة أوالإصابة، لكن يتم دفعها من أموال التشغيل في الوحدة، وقد قال البنتاغون في وقت سابق إنه ليس لديه أرقامًا إجمالية لعمليات العوض).

وفقًا للبيانات التي تلقيناها، عن السنوات المالية 2011-2013، دفعت المؤسسة العسكرية 953 دفعة تعزية، بلغ مجموعها 2.7 مليون دولار. من بينها 1.8 مليون دولار للوفيات، وكان متوسط ​​التعويض عن الوفاة 3426 دولارا. وبلغ متوسط ​​المدفوعات عن الإصابات 1557 دولارا.

كانت بعض المدفوعات موجهة لعدة أشخاص متضررين في حادثة واحدة. على سبيل المثال، كانت أكبر دفعة عام 2012، حيث جرى تقديم 70 ألف دولار "لوفاة أم وستة أطفال". وأكبر دفعة لوفاة واحدة وقعت في عام 2011، عندما أعطي لوالد "مواطن محلي" تم قتله أكثر من  15 ألف دولار. وتلقى بعض أفراد الأسرة مدفوعات قليلة إلى حد 100 دولار لوفاة أحد الأقارب.

وردًا على سؤال حول سجلات السداد قبل عام 2011، وجهت وزارة الدفاع الأمريكية أسئلة إلى المكتب الصحفي لقوات التحالف في أفغانستان، والذي لم يرد على الاستفسارات المتكررة التي وجهتها مجلة "ذي إنترسبت".

أيضًا من خلال قانون حرية المعلومات، تلقت "ذي إنترسبت" بيانات قانون المطالبات الأجنبية من الجيش، الذي يتعامل مع شئون أفغانستان نيابة عن الجيش الأمريكي بأكمله. وكما هو الحال مع مدفوعات التعزية، لا تتضمن قاعدة البيانات وثائق كل مطالبة. بدلًا من ذلك، فإنها تظهر ملخصًا سريعًا، يبين التاريخ ومبلغ كل مطالبة.

إجمالًا، أصدر الجيش 5766 مطالبة خاصة بأفغانستان، مقدمة بين فبراير 2003 وأغسطس 2011، دفع من بينها  1671، أي ما مجموعه حوالي 3.1 مليون دولار. ومن بين تلك المطالبات، تم رفض 753 بالكامل، ودخلت البقية في متاهات الحسابات المختلفة.

ليس هذا سوى جزءًا من المطالبات التي تم إجراؤها ودفعها. وصف دوغلاس دريبين، المحامي في مكتب الجيش، قاعدة البيانات بأنها "قمامة تأتي وقمامة تخرج".

من المفترض أن يقوم القضاة المعاونين في هذا المجال بتحديث قاعدة البيانات بانتظام بالمطالبات المستلمة والمدفوعة، لكن الوصول المتقطع للإنترنت والجداول غير المنتظمة غالبًا ما كانت تجعل ذلك مستحيلًا. وقال تريسي، المحامي السابق في الجيش، إنه كان عليه، في العراق، إدخال جميع المطالبات التي تلقاها بشكل أسبوعي. لكن في الممارسة العملية، "لم يحدث ذلك أبدًا".

جاء في إرشادات صدرت عام 2010 لضباط المطالبات، بنبرة متعاطفة: "نحن نعرف أن [مطالبات] المدفوعات ليست مهمتكم الوحيدة، وآخر شيء تريدونه حقًا هو تقرير آخر، لكن وبكل صدق آخر شيء أي منا يريده هو إنفاق غير مصرّح به للأموال".

يقول دريبين إن هناك تقديرات أكثر موثوقية تأتي من بيانات موازنة الجيش، حيث تعكس حجم الأموال المحوّلة إلى ميدان القتال لدفع المطالبات. لا توفر خدمة المطالبات بالجيش تلك المعلومات، لكن هناك دليل تدريبي صدر عام 2009 يقول إنه في تلك السنة المالية، دفع الجيش 1.35 مليون دولار في 516 مطالبة في أفغانستان، مع رفض 202 مطالبة أخرى.

كان المجموع بالنسبة للعراق في ذلك العام أكثر من 18 مليون دولار؛ بشكلٍ عام، شهدت أفغانستان مطالبات أقل وأصغر من العراق، بسبب الجغرافيا المتباعدة وانتشار قوات أمريكية أقل. وكانت أسعار استبدال السلع أو الأجور المفقودة عمومًا أقل، بحسب قول دريبين.

عادة ما تحتوي ملخصات المطالبات على كلماتٍ مفقودة، وقواعد نحوية مشوهة أو أخطاء واضحة في حقول الإدخال المختلفة. أكثرها يشير إلى "مدعي". ويُدخَل بعضها باستخدام ضمير المتكلم. والعشرات منها ليس لها ملخص على الإطلاق، وكثير منها غير مفهوم تماما: فحين "خشي مدع من أن الجنود سيفتحون النار وأصابه الذعر" دُفع له أكثر من 3200 دولار.

يقول تريسي: "استغرقت كل (مطالبة) ربما 30 ثانية لإدخالها". وأضاف "لم يكن هناك حقًا مساحة أو وقتًا للتوسع في السرد".

قال دريبين إن قاعدة البيانات تصنف 18 حالة من المدفوعات فقط على أنها قتل خطأ بين عامي 2003 و 2011 - ومن المرجح جدًا أن يكون هذا أقل من العدد الحقيقي. بلغ متوسط ​​تلك المدفوعات 11 ألف دولار، وكان أعلاها 50 ألف دولار، دفعت لشخص في شرق أفغانستان؛ لأن "قوات التحالف قتلت والده".

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب