كيف يسعى العلماء العسكريون لحل مشكلات الخصوصية الرقمية؟

مقال رأي

 

يبلغ متوسط الإنتاج اليومي للعامل الأمريكي في مجال التكنولوجيا حوالي 5000 ميجابايتس من البيانات الرقمية، وهو قدر كافي لملء تسعة أقراص مدمجة. يخزن جزء صغير فقط من تلك البيانات بشكل دائم أو يكون متصلا بشكل واضح بهوية محددة، ولكن الحجم الأكبر من "العوادم الرقمية" المنتجة بشكل يومي حولت الخصوصية إلى كيان مهدد بالإنقراض، وخطرٍ متنامي على الأمن القومي.

يوم الأربعاء، أعلنت وكالة مشاريع البحوث المتطورة الدفاعية (داربا) التابعة للجيش الأمريكي عن برنامج يهدف لاستعادة بعض مظاهر الخصوصية للعالم الرقمي. ويسعى البرنامج الذي سمي "برانديز"، تيمنا باسم المدافع عن الخصوصية والعدالة بالمحكمة الأمريكية العليا لويس برانديز، إلى بناء "نظم معلومات يمكنها ضمان استخدام البيانات الخاصة في الأهداف المقصودة منها فقط، وليس لأي أغراض أخرى".

قد يكون فقدان الخصوصية حقيقة متعلقة بالحياة المعاصرة المترابطة، لكن إن لم يمكن حماية كلمات المرور السرية، الملفات، والموقع الشخصي، فلا يمكن حماية المعلومات الحيوية الهامة. يمكن أن يساهم ضعف الحماية ذلك في حدوث أعمال النهب الصناعي والتخريب وما هو أسوء من ذلك، وقد أنذر اختراق شركة سوني واختراق حساب تويتر الخاص بالقيادة المركزية الأمريكية بذلك المستقبل العاري. إنها مهمة الجيش أن يحمي البلاد من تهديدات الأمن القومي. ولكن السؤال هو، في أوج فضيحة إدوارد سنودن وما كشفته حول ممارسات وقدرات جمع البيانات بوكالة الأمن القومي، إلى أي درجة نثق في الجيش لدرجة أن يبني لنا نظاما لحماية الخصوصية؟

النوع المحدد من البيانات التي تسعى الوكالة لحمايتها هي بيانات المعاملات الخاصة بك، أو البيانات التي تبثها عن عمد إلى موقعٍ أو طرفٍ ما. ولكن ذلك يأتي مع تحذيرٍ حاسم، فبرنامج برانديز يعالج البيانات "التي قدمت عن عمد إلى طرف ثالث، خلافا للبيانات التي جمعت كنتيجة ثانوية للتفاعل مع الشبكة أو النظام"، حسبما أوضح إعلان الوكالة.

التحذير مهم لسببين: أولا، الهدف ليس فقط حماية الخصوصية ولكن أيضا حماية الخصوصية بينما يتشارك المستخدمون البيانات. ثانيا، يؤدي التركيز على البيانات التي يرسلها المواطنون عن عمد إلى طرف ثالث بدلا من المعلومات التي ترسل دون تعمد كنتيجة لمجرد التفاعل مع الأنظمة إلى منع برنامج داربا احتمالية بناء أي نظام معلومات مستقبلي قد يعيق، بشكل ما، الجيش أو قوات انفاذ القانون القائمين على جمع إشارات الاستخبارات القانونية في إطار تحقيقات. (سعيا وراء هدف مناصرة الخصوصية المستمر).

لماذا تعتبر حماية مشاركة البيانات هامة لهذه الدرجة؟ بهذا الصدد يشدد إعلان الوكالة للغاية على القيمة الاجتماعية للـ"يوتابايتس" من البيانات التي يصنعها المستخدم لدرجة أن القارئ العادي قد يظن أن تلك الملاحظة صدرت عن المكتب الصحفي لشركة جوجل.

سوف يصنع تشارك البيانات "علاج شخصي (يعزز الاستفادة من البيانات المترابطة من النمط الجيني\النمط الظاهري)، مدنا ذكية وفعالة (حيث تحدث البنايات، استخدام الطاقة، وضوابط المرور أول بأول)، بيانات عالمية مفصلة (حيث تجمع كل سيارة بيانات عن البيئة، الطقس، المواقف الطارئة، إلخ)، ووعيا رقميا دقيقا (حيث تشارك كل شركة وكل جهاز بيانات عن الشبكة والهجمات الإلكترونية)".

دون ضوابط قوية لحماية الخصوصية، لا يمكن تحقيق أيا من تلك الرؤى المستقبلية. ولكن حماية خصوصية الأشخاص الذين يشاركون البيانات طوعا ليست مشروعا واضحا. ونفس التحليلات التلازمية التي يمكنها الكشف عن العلاقة بين بناء بروتين معين والسرطان يمكنها كشف الفرد الذي تطوع بكشف تلك المعلومات الوراثية. كذلك يمكن الكشف عن أنماط استهلاك الطاقة للأفراد بناء على جدولهم اليومي، استخدامهم للأجهزة، عاداتهم، إلخ. وتتعلق جميع تلك العناصر بالهوية. ولهذا السبب، فإن فكرة تقديم البيانات مجهولة المصدر تماما وبشكل دائم تعتبر محل شك في أوساط قطاع الخصوصية الرقمية. ويقر باحثو الوكالة بتلك العقبة عبر الإشارة إلى جهود لاتانيا سويني، الأستاذة بجامعة كارنيجي ميلون، والتي أظهرت أن بيانات النوع (ذكر أو أنثي) والرمز البريدي يعتبرا بيانات كافية لتحديد هوية 87 بالمئة من المستخدمين بالاسم.

ولكن فقط لأن البيانات يمكن الكشف عنها لا يعني أن جميع البيانات المتشاركة مع طرف ثالث يمكن الاطلاع عليها من أي مكان أو بتكلفة بسيطة. فبشكل مثالي، يجب أن يكون المستخدم الذي يشارك البيانات قادرا على التحكم في كيفية الاطلاع عليها، بدلا من أن تقع تلك المسؤولية على الطرف الثالث. ويهدف المشروع إلى ضمان أن تلك البيانات الهامة التي تشي بمعلومات عن المستخدم لا تقع في الأيدي الخطأ.

البرنامج، الذي سيستمر لمدة أربع سنوات، سوف يقسم المشتركين إلى ثلاث مجالات تقنية. المجال الأول هو حوسبة الخصوصية. وسيستخدم المبادرات والاستراتيجيات الأحدث في حماية الخصوصية، مثل الاستعلام الآمن عن قواعد البيانات، الحوسبة متعددة الأطراف، (أحد فروع التشفير التي تسمح للحواسب بمشاركة البيانات فيما بينها حتى وإن لم "تثق" في بعضها تماما)، والتصديق عن بعد (والذي يسمح للخادم بأن يتحقق ويصدق على تعريف حاسب يحاول أن يتصل)، وسيستخدم البرنامج تلك العناصر في بناء إطار حوسبة لخصوصية أكثر شمولا. وكانت الأبحاث حول تلك الوسائل "واعدة، لكن حتى الآن تعاني تلك التقنيات من قيود عملية كبيرة في المرونة، قابلية التوسع، والأداء"، حسبما أوضحت الوكالة في بيانها.

سيركز المجال الثاني على التفاعل بين العنصر البشري والرقمي. ويهدف لخلق أنظمة يمكنها بشكل أساسي أن تتنبأ بالفروق بين البيانات التي يمكن مشاركتها والبيانات الخاصة، ويساعد في فهم أولويات الخصوصية المتعلقة بقرارات تشارك البيانات المختلفة ويوفر للمستخدمين تحكما أسرع وأكثر صرامة في البيانات التي يشاركونها، ومع من يشاركونها.

ويبحث المجال الثالث بناء أنظمة تجريبية لـ"توفير منصات يمكن فيها اختبار تلك الأفكار عمليا"، بشكل أساسي لصنع نظام خصوصية.

وعلق جيرمي جيلولا، المتخصص بالتكنولوجيا بالمجموعة المدافعة عن الخصوصية "إلكترونيك فرونتير فاونديشن"، إنه ليس لديه مشكلة في الوثوق بالحكومة الأمريكية في تقديمها لحلول متعلقة بالخصوصية، "طالما سيتم نشر البحث ومشاركة البيانات مع قطاع تكنولوجيا الخصوصية الأكبر". ووصف التحدي الذي تواجهه الوكالة في مشروع برانديز بأنه طموح.

وأضاف جيلولا: "حقق قطاع البحث تقدما عظيما في مجالات مثل الخصوصية التفاضلية، حماية الحوسبة متعددة الأطراف، إلخ. ولكن لجميع تلك الوسائل نوع من نقاط الضعف". وتابع: "ومع ذلك، فإن التركيز على وسائل لتوسيع نطاق تلك الوسائل سيكون بالتأكيد خطوة في الاتجاه الصحيح. فبالتأكيد لن تحل مشكلة الخصوصية بشكل كامل، ولكن في ذات الوقت سيكون حل مشكلة الخصوصية بالكامل أمرا أكبر من أن يتحقق عبر مشروع واحد".

وصرح جوليان سانشيز، الزميل البارز بمعهد "كاتو" ذي الميول التحررية، أنه يرى الأمر "مطمئنا بشكل ما أن يرى إعلان الوكالة يشير إلى تفضيل المقترحات مفتوحة المصدر، بما أن ذلك عمليا شرط أساسي في أي أداة قد تتاح للاستخدام العام الأوسع".

وأضاف أنه، "بالتأكيد سيكون مفيدا للوكالة أن ترعى أبحاثا في أنظمة حماية مشاركة المعلومات من ذلك النوع، وبالفعل، كان يجب أن يكون ذلك أولوية منذ وقت طويل". "لكن يجب ألا ينخدع المواطنون والمراقبون إلى مباركة جمع البيانات على فرض أن التكنولوجيا المتقدمة سوف تضمن بشكلٍ ما أن البيانات تستخدم فقط من قبل أشخاص صالحين ولأهداف صالحة".

بدا جيلولا متحمسا تجاه المشروع، لكنه كان متشككا حول حلٍ لمشكلة الخصوصية بالكامل صادر عن الحكومة، أو عن أي جهة أخرى.

واستطرد: "يركز البرنامج على البيانات المتشاركة عن عمد، ولن يساعد في حالات التعقب والتجسس الغير متفق عليها من قبل طرف ثالث، والتي تمثل قلقا أكبر (وأكثر إشكالا) بشكل عام". وتابع: "البرنامج جيد فيما يتخصص فيه، ولكنه بالتأكيد لن يحل مشكلة الخصوصية الأكبر التي نواجهها كمجتمع".

أي أن نظام الخصوصية الخاص بالجيش قد يوفر تبادلا أكثر أمنا للبيانات، ولكن معالجة مشكلة الخصوصية – وعدم الثقة في الحكومة بذلك الصدد- سوف يتطلب أكثر من ضغطة زر.

 

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب