لا وجود لـ"حركة" جهاد عالمية

مقال رأي

 

أشارت تقارير الأسبوع الماضي إلى أن جبهة النصرة، التنظيم الجهادي الضخم المعادي للأسد، قد يتخلى عن تباعيته لتنظيم القاعدة بسبب مزيج من فقدان القيادات والانشقاق الداخلي، رغم نفي المتحدث باسم الجبهة ذلك التطور.

تشكلت جبهة النصرة في سوريا كتابع مستقل لكلٍ من تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، واللذين كانا حلفاءً حينها. وعندما انفصلت القاعدة وداعش، أسس تنظيم جبهة النصرة نفسه كغريم لراعيه السابق داعش، بدافع الولاء لتنظيم القاعدة. إلا أنه مع ذلك الانقسام، يصبح التنظيم الذي أعلن نفسه دولة إسلامية – داعش- أكثر جذبا للمزيد من أعضاء العالم الجهادي، حيث كان تنظيم بوكو حرام النيجيري آخر المبايعين للخليفة البغدادي.

تلك النماذج من التلون ليست نادرة الحدوث، فما يطلق عليه أحيانا "الحركة" الجهادية العالمية هي في الحقيقة ممزقة للغاية. يجمع تلك التنظيمات اعتقادات فكرية مشتركة، ولكنها منقسمة تنظيميا وأحيانا عقائديا. على سبيل المثال، استمر الجدل حول حرب "العدو القريب" (الأنظمة المحلية)، أم حرب "العدو البعيد" (مثل الولايات المتحدة والغرب)، منذ تسعينات القرن الماضي، عندما أعلن أسامة بن لادن الحرب على الولايات المتحدة. ويحدث التنافس بين تنظيمات المتشددين متشابهة الفكر مثلما يحدث التعاون، تتحول الهويات والتحالفات. وتختار التنظيمات تحالفاتها وتحيزاتها وفق التغيرات المتوقعة لمستقبل الصراعات التي تشارك فيها، بالإضافة إلى مجموعة من العوامل الأخري، مثل التنافس على الموارد، تغيرات القيادة، وانشقاق الأتباع إلى التنظيمات المنافسة التي تبدو في طريقها للصعود على الساحة الجهادية.

قد تبدو الحكومات التي تحارب التنظيمات الإرهابية غافلة عن تلك التعقيدات، وتحديدا عن عواقب إضعاف أحد التنظيمات لصالح تنظيم آخر. فعندما تواجه دولةٍ ما عدة خصوم إرهابيين – ومن شبه الدائم أن يتواجد عدة منافسين- فإنها تدعم الانشقاقات والحزبية، عبر قتل كبار القادة على سبيل المثال، ولكن ذلك ليس دائما هو الخيار الأصوب لخفض معدلات العنف على المدى البعيد. منذ تفجيرات السفارات الأمريكية في شرق أفريقيا عام 1998، على الأقل، عملت الولايات المتحدة على إعاقة تنظيم القاعدة، وهي حملة تجددت أهميتها وزخمها بعد عام 2001. وقد تحقق ذلك الهدف إلى حد كبير إن اعتبرنا أن القاعدة هي التنظيم الذي أسسه بن لادن حوالي العام 1988. ولكن ظهر العديد من التابعين للتنظيم كخلفاء له، حيث ظهر تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، وتابع سابق تحول الآن إلى غريم وهو تنظيم داعش، وتنظيم ثالث – يحتمل أن يصبح تابعا سابقا قريبا- وهو جبهة النصرة. وانتشرت العديد من التنظيمات الجهادية الأخرى  – بعضها تابع للقاعدة وبعضها غير تابع- في أفريقيا وآسيا.

ما يهدد الأمن القومي الأمريكي حاليا، بعد أكثر من عقد من العمليات الأمريكية ضد القاعدة، هو بشكل رئيسي تنظيم الدولة الإسلامية كمنافس للقاعدة وحلفائها. وكما يظهر الرسم البياني، مرت علاقة داعش بتنظيم القاعدة وتنظيمات أخرى بعدة تحولات مع مرور الوقت.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تحت قيادة مؤسسه، أبو مصعب الزرقاوي (أردني الجنسية)، انضم التنظيم إلى حملة بن لادن بعد فترة قصيرة من الاجتياح الأمريكي للعراق عام 2003. تحت اسم "القاعدة في العراق" في ذلك الوقت، حاول التنظيم أن يهيمن على التنظيمات السنية الأخرى المقاتلة في العراق، ولكن بدلا من ذلك وبسبب أساليبه الشرسة، أثارها للإنقلاب ضده. وفي ذات الوقت، اختلف التابع العراقي للقاعدة مع القيادة المركزية للقاعدة، حيث رفضت القيادة وحشية التنظيم (والتي تضمنت بث مقاطع فيديو لعمليات قطع رؤوس) والطائفية الشديدة. وبسبب السخط المحلي ضد التنظيم، مصحوبا بالزيادة الكبيرة في قوات التحالف، وربما موت الزرقاوي عام 2006 على يد الجيش الأمريكي، جميعها أسباب أدت إلى فقدان التنظيم لتأثيره رغم أنه غير اسمه إلى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق في نفس التوقيت تقريبا. وقد هدفت تلك الخطوة على الأغلب إلى دعم الشرعية ومواجهة المنتقدين الذين اتهموا التنظيم بخضوعه لتحكم الأجانب، ولكن عند النظر لما حدث بعد ذلك، يبدو تغيير الاسم دليلا هاما على نوايا التنظيم. ومع تولي القائد الحالي للدولة الإسلامية، أبو بكر البغدادي، للقيادة عام 2010، كان التنظيم ضعيفا للغاية بعد أن قُتل معظم قادته الكبار.

ولكن بعد انسحاب القوات العسكرية الأجنبية من العراق عام 2011، بدأ تنظيم الدولة الإسلامية في العراق في احراز التقدم وسط بيئة أمنية أقل ضغطا بكثير. كما وفر اندلاع الحرب الأهلية في سوريا في ذات العام فرصة للتنظيم للتوسع، ما أدى إلى تفكك تحالفه مع القيادة المركزية للقاعدة، كما يظهر الرسم البياني التالي حول علاقات التنظيم في سوريا.

أظهر تنظيم القاعدة في العراق بعض المبادرات، حيث أعد جبهة النصرة كتابعٍ سوريٍ له عام 2011، ثم حاول استيعابها بالكامل بعد تغيير اسمه إلى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا عام 2013. ولكن قادة جبهة النصرة رفضوا ذلك الاندماج. وبحلول العام 2014، كان أيمن الظواهري، خليفة بن لادن كقائد للقاعدة، قد عانى بشكل كافي من عصيان البغدادي، والذي شمل محاولته أن يسيطر على جبهة النصرة دون استشارة القيادة المركزية للقاعدة، وفي تلك المرحلة كان الانفصال بين داعش والقاعدة نهائيا. وبتخيير جبهة النصرة بين داعش والقاعدة، فضلت القاعدة بشكل أساسي.

يعادي تنظيم داعش حاليا كلا الحكومتين العراقية والسورية، بالإضافة لمجموعة من التنظيمات المحلية في كلا الدولتين، والتي تتضمن عناصر الجيش السوري الحر – التحالف المهلهل من التنظيمات الثورية العلمانية "المعتدلة" المدعومة من الغرب- وقوات البشمركة الكردية، وكذلك جبهة النصرة وتابعين آخرين للقاعدة. بايعت في البداية بعض التنظيمات السورية الهامة التي انضمت للجبهة الإسلامية – وهو تحالف من سبع عناصر رئيسية يتوسط فكرها بين المعتدلين والجهاديين-تنظيم داعش إلا أنها تراجعت لاحقا. (لزيادة الارتباك، تتعاون الجماعات المتنافسة أحيانا على أرض المعركة، لتشكل صورا من التحالفات التكتيكية الشائعة في ذلك النوع من الصراعات المعقدة). ورغم ما بدا كبداية غير موفقة، حقق داعش مكاسب أرضية مذهلة في سوريا والعراق. وبحلول ربيع عام 2014، أدهش داعش الغرب باكتساحه لمدينة الموصل العراقية دون أي مقاومة تذكر، وتوج الهجوم في يونيو بإعلان الخلافة تحت اسم الدولة الإسلامية، والتي لم تعد محدودة بالعراق وسوريا.

الآن أهم "عنصر مجهول" في المعادلة مع تصعيد العراق لجهود استعادة الأراضي التي خسرتها بمساعدة الولايات المتحدة وإيران، هو مدى الدعم السني المحلي الذي تستطيع داعش الاعتماد عليه للحفاظ على الأراضي التي استولت عليها.

عارض جيش الطريقة النقشبندية، على سبيل المثال – وهو تنظيم ميليشيا سني قومي يحوي في صفوفه العديد من البعثيين السابقين- الجهاديين أثناء الاحتلال، رغم أنه كان معاديا لقوات التحالف بنفس المقدار. ولكن رغم الخلافات الفكرية، إلا أنه تحول لدعم داعش عام 2013، حيث يبدو أنه وضع في اعتباره أن داعش هو الطرف الرابح الآن وأن تحالفا معه هو أفضل رهان لتحدي الحكم الشيعي المكروه في العراق. بينما تظل التساؤلات مطروحة حول معنى ذلك التطور ومدته. وكما يظهر الرسم البياني الخاص بالعراق، خلال فترة الاحتلال الأمريكي فشل أوائل أعضاء الدولة الإسلامية في الهيمنة على التنظيمات السنية الأخرى، ولكن السياق مختلف الآن. فداعش لا يبدو بالنسبة لعدة تنظيمات أخرى في قمة التنظيمات الجهادية فقط، ولكنه أيضا انتهج تدمير خصومه بوحشية ودون شفقة حتى وإن كانوا حلفاء سابقين.

لذا فنتيجة لطبيعة الصراع سريعة التغير، تشارك الولايات المتحدة في صراع على القوة لا يشترط فيه أن يكون عدو عدوها صديقها. تشارك الولايات المتحدة عداوتها تجاه الدولة الإسلامية والقاعدة وتابعيها، مع أعدائها إيران وسوريا. وفي ذات الوقت، تصب الأعمال المعادية للدولة الإسلامية في مصلحة القاعدة وتابعيها، والعكس صحيح. لذلك قد لا يكون ممكنا إضعاف أحد الأطراف دون تقوية الآخر. وبينما لم يصمد الثوار "المعتدلون" طويلا أمام الفصائل الإسلامية أو الجهادية، يكون الاستنتاج الوحيد هو أن لا حل في الأفق.

 

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب