لحظة الفرصة الواعدة وتحقيق طموحات مصر

أخبار

 مساء الخير، أتوجه بالشكر لفخامة الرئيس السيسي على دعوتي للحضور اليوم. وات شك أن هذه الفترة تكتسب أهمية خاصة – فهي لحظة الفرصة الواعدة بالنسبة لمصر - و من دواعي سروري البالغ أن أشارك فيها بحضور هذا المؤتمر الذي دعا إليه جلالة الملك عبد الله بن عبد العزيز، خادم الحرمين الشريفين، تغمده االله بواسع رحمته

تغنت أم كلثوم، أيقونة الطرب المصري وكوكب الشرق المضيء، بكلمات نظمها أمير الشعراء أحمد شوقي يقول فيها "وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غالبا"، أي أن السبيل لتحقيق الطموحات ليس الأحلام  وإنما الكد والمثابرة

 هذا  موقف مصر اليوم؛ إذ ينبغي أن تحقق ما يطمح إليه شعبها من نمو أقوى، ونظم صحية وتعليمية أفضل، ومستو يات معيشية أعلى. و في نفس الوقت، سيستقبل سوق العمل المصري أكثر من 011 ألف داخل جديد سنويا وانسانية. وسوف طوال الخمس سنوات القادمة، مما يجعل توفير فرص العمل الجيدة للشباب أولوية اقتصادية واجتماعية يترافق هذا مع استعادة استقرار االقتصاد، بتقليص عجز المالية العامة و الحد من مواطن التعرض للصدمات الخارجيةْ فهل يمكن تحقيق هذه األهداف في نفس الوقت؟ نعم  باتباع السياسات الصحيحة، التي أُد ِرج بعضها في خطط الحكومة بالفعل. والمهم الآن هو تطبيق هذه السياسات – تصميمها بشكل صحيح والتأكد من مواصلة تنفيذها حتى الإنجاز.

وعلى هذه الخلفية، أود أن أطرح عليكم بضع أفكار تتعلق بثلاثة موضوعات:

_عملية الإصلاح الجارية

_ سياسات استعادة الثقة وجذب الاستثمار

 _النمو الاحتوائي كأحد مقومات النمو القابل للاستمرار

1_عملية الإصلاح الجارية 

و أود البدء بالأخبار السارة. فقد بدأت بالفعل رحلة تحقيق النمو بمعدلات أعلىوقد شهدنا على مدار الشهور القليلة الماضية خطوات كبيرة واعدة على مسار الإصلاح، يتصدرها إصالح دعم الطاقة الذي بدأ في منتصف 5132 – وهو بند طال انتظار تنفيذه على جدول أعمال الإصلاحو في هذا السياق، بذل كل من الحكومة وأنتم شخصيا، فخامة الرئيس السيسي، جهودا كبيرة من أجل تهيئة البلد لهذا الإجراء الذي حظي بتأييد شعبي بعد إقامة حوار مناسب حول الحاجة لإصلاح في هذا المجال. 

 وفي نفس الوقت، استخدام جانب من الوفرة المحققة من إصلاح الدعم لتمويل التحويالت النقدية الموجهة للأسر الفقيرةوكان الشروع في هذه العملية إنجازا هائلا، وسيكون الاستمرار فيها على نفس درجة االأهمية، واستكمالها للنهاية الهدف الأسمىو قد اتخذت إجراءات مهمة أيضا في مجال الضرائب، بما في ذلك زيادة الضرائب على التبغ والمشروبات الكحولية ثم الخطط الحالية بشأن ضريبة القيمة المضافة. 

وتنبع أهمية هذه اإلجراءات من أن إيرادات الضرائب غير النفطية ال تتجاوز 31% تقريبا من إجمالي الناتج المحلي - وهو مستوى شديد االنخفاض بالنسبة لاقتصاد حديث كالاقتصاد المصريوسيكون إنجاز ضريبة القيمة المضافة خطوة حيوية. لا أحد يحب زيادة الضرائب – كلنا يفهم ذلك. ولكن كما قال القاضي األمريكي أوليفر ونديل: "الضرائب هي الثمن الذي ندفعه مقابل الحصول على مجتمع متمدن" – ويمكن أن نضيف قائلين: ".. لدولة تستطيع تقديم الخدمات التي يتطلع إليها الشعب المصري ويستحق الحصول عليها"! 

وأخيرا، هناك الزيادات المخططة في الاستثمار، وبعضها بدأ تنفيذه بالفعل، عن طريق مشروع قناة السويس. وقد كانت مساهمة المواطن المصري العادي بمعظم التمويل اللازم لهذا المشروع خير شاهد على ثقة الشعب ورغبته في تحسين حال االقتصادو نعلم أن المشروعات الكبرى مثل مشروع قناة السويس يمكن أن تدعم النمو وخلق فرص العمل، إذا تم تنفيذها بكفاءة، وهو أمر إيجابي. ولكنها ليست السبيل الأوحد لتحقيق هذا الهدف. فالمشروعات الأخرى الأصغر لا تقل عنها أهمية – إن لم تكن أهمولا يمكن االعتماد على موارد المواطنين بشكل دائم لتمويل هذه المشروعات. وهنا يمكن أن يساهم الاستثمار الخاص، المحلي والأجنبي. لكن الاستثمار لا يتجه إلى حيثما كانت الثقة واليقين بشأن السياسات المتبعة.

2_ سياسات استعادة الثقة – مواصلة السير على درب اإلصالح 

ويقودني هذا إلى الموضوع الثاني – ما الذي يكفل استعادة الثقة في آفاق االقتصاد المصر ي؟ لا شك أن مواصلة السير نحو تحقيق اإلصالحات المقررة يمثل أولوية قصوى.  لكن هناك سياسات أخرى يمكن أن تحسن مستوى الثقة، و تنشئ فرص عمل جديدة، وتدعم استقلالية مصر من الناحية المالية. وأسوق هنا بضعة أمثلةالمجال الأول هو مناخ العمل. فمركز مصر متأخر للغاية في العديد من مؤشرات التنافسية – إذ أنها تحتل المرتبة 331 من مجموع 325 مرتبة في مؤشر التنافسية الذي أنشأه المنتدى الاقتصادي العالميو مصر قادر ة على تحقيق أداء أفضل. ففي ظل السياسات الصحيحة و مستوى الطموح الملائم، تستطيع مصر الارتقاء بسرعة إلى مستوى المراكز الخمسين العليا في التنافسية العالميةويعتبر قانون الاستثمار الجديد خطوة مهمة في الاتجاه الصحيحلكن مصر يمكن أن تخطو خطوات أوسع نحو إلغاء القواعد التنظيمية غير ذات الكفاءة. فعلى سبيل المثال، يقو ل البنك الدولي إن تسجيل العقار ات يستغر ق أكثر من 01 يو ما في المتو سط، كما يستغر ق إنفاذ العقود أكثر من 3111 يومو سيكون من الضروري تهيئة مناخ يمكن أن ينجح فيه الاستثمار ويوفر المزيد من فرص العمل الإنتاجية الملائمة.

المجال الثاني هو الانفتاح للتجارة. فقد بلغت صادرات مصر غير النفطية 2% فقط من إجمالي الناتج المحلي في العام الماضي، فيما يعد فرصة كبيرة ضائعة لتوفير فرص عمل في صناعات التصدير، ولا شك أن مصر تتمتع بإمكانات في هذا المجالو يمكن لمرونة سعر الصرف أن تساهم بدور أيضا - سعر الصرف الذي يحقق التوازن بين عرض وطلب العملة األجنبية، ويمكن أن يدعم النمو في مصر ومركزها المالي.

أما المجال الثالث فهو القطاع المالي. فمن الملاحظ أن عدد أصحاب الحسابات المصرفية ال يتجاوز 31% من المواطنين المصريين في الوقت الراهن. ويمكن إعطاء دفعة كبيرة للاقتصاد بزيادة توفير الخدمات المالية وتقديم المزيد من القروض للمشروعات الصغيرة المنشئة لفرص العمل. وقد تحقق بعض التقدم بالفعل، حيث تم مؤخرا إقرار قانون التمويل متناهي الصغر الذي يمكنه المساهمة في تطوير القطاع الماليمناخ الأعمال، و تحرير التجارة، و و جد قطاع مالي قو ي – تلك هي المجالات التي يمكن أن يؤدي التحرك فيها إلى تحقيق نتائج ملموسة من حيث زيادة الاستثمار ورفع معدالت النمو

ولكن، كما برهنت التجارب الدولية، لايمكن أن تكو ن فترات النمو المر تفع العار ضة هدفا في ذاتها، إنما يتعين أن يكو ن النمو قابلا للاستمر ار. و حتى يكو ن قابلا للاستمر ار، يتعين أن يكون احتو ائيا.

3_النمو الاحتوائي من أجل نمو قابل للاستمرار

ويقودني هذا إلى نقطتي الأخير ة – هل يمكن أن يكو ن النمو المصر ي احتو ائيا لكي يكو ن قابلا للاستمر ار؟ ما الذي أعنيه بالنمو الاحتوائي؟ إنه النمو الذي يتيح الفر صة للجميع – النساء و الشباب و العاطلين و أصحاب االحتياجات الخاصة. النمو الذي يقتسم ثماره ويشعر بتأثيره كل المواطنين بمختلف شرائحهم. ولتحقيق ذلك، يجب أن تعنى مصر ُ ببنيتها التحتية االجتماعية، وليس بنيتها التحتية المادية فقط. فكيف يتأتى ذلك؟ لننظر إلى الشباب والمرأة – وهما مجموعتان يتعين إشراكهما في الاقتصاد بشكل أفضلفاليوم لدينا عاطل واحد من بين كل ثلاثة شباب دون الخامسة والعشرين – أي ما يقرب من ثلاثة أضعاف معدل البطالة الكليأما مشاركة المرأة في سوق العمل، والتي تبلغ 55% فقط، فهيلا تتجاوز ثلث مشاركة الرجل )ونسبتها 31%(. و يمكن إر جاع هذا الفار ق الكبير إلى فجو ات الأجور الكبيرة بين الجنسين، و ارتفاع تكاليف الانتقال، وعدم مرونة مو اعيد العملو هناك أمثلة متعددة لبلدان تحقق أداء جيدا في هذا المجال بفضل مساهمة المر أة بنصيب كبير في النمو الاقتصادي. هذه هي الاحتوائية، و هي تتفق أيضا مع المنطق الاقتصادي السليمو هناك أيضا دو ر الإنفاق الاجتماعي يساهم بدور في هذا الخصوص – سواء من خلال زيادة هذا اإلنفاق أو تحسين جودته. فمن غير الممكن خلق فرص العمل إذا كان الخريجون غير مسلحين بالمهارات المطلوبة في سوق العمل الحديثويمكن أن تؤدي زيادة اإلنفاق على الصحة والتعليم – إذا تم تنفيذها بكفاءة – إلى مساعدة مصر على تحقيق نمو أعلى لكل شرائح السكان، مع الحفاظ على استمرارية أوضاع المالية العامة ً وأكثر احتواء كذلك يمكن أن يساعد تحسين النظام التعليمي على تضييق فجوات الأجور التي تحد من حوافز المرأة للعمل في القطاع الخاص. وبالطبع، يرتبط هذا أيضا بحالة البنية التحتية المادية. فتحسين وسائل النقل العام من شأنه تمكين المرأة من الوصول الآمن إلى مقر عملها البعيد عن محل إقامتها. 

و ستكون هذه الجهود مطلبا ضروريا لإطلاق الإمكانات الهائلة التي يتمتع بها المصريون – وهم ثروة مصر الكبرى

خاتمة وختاما، فإننا نشهد لحظة تتيح فرصة واعدة. ومن خالل السياسات الصحيحة، تستطيع الحكومة المصرية تحقيق آمال الشعب المصري وتلبية تطلعاته. و بالمثابرة في تنفيذ اإلصالحات، يمكن المساهمة في استعادة الاستقرار الاقتصادي، وبث الثقة، وتشجيع خلق فرص العمل وإعطاء دفعة للنمو. ولا يزال الصندوق ملتزما من جانبه بمساعدة مصر على تحقيق مستويات معيشية أفضلوقد بدأت حديثي بكلمات تغنت بها أيقونة موسيقة مصرية. وأود اختتامها بكلمات كتبتها أيقونة أدبية مصرية – هي نجيب محفوظ. فقد قال محفوظ: "الذكي يعرف من إجاباته والحكيم من أسئلته." واليوم، نلتقي في شرم الشيخ لنطرح سؤاال حكيماكيف يمكننا المساعدة في تحقيق تطلعات مصر؟ و لنحرص جميعا على أن تكون لدينا إجابة حكيمة أيضاشكرا.  

 

مصدر الترجمة: 
International Monetary Fund