لعبة القوى بين السعودية وإيران وراء الصراع في اليمن

مقال رأي

 

وُصفت الضربات الجوية السعودية ضد المتمردين الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن بأنها التصعيد الأخير للحرب الإقليمية بالوكالة بين السعودية وإيران. ومع استمرار البلدين في تدريب وتمويل وتسليح المقاتلين المتنافسين في الأزمة السورية، وفي دعم الجانبين المتناحرين في العراق والبحرين ولبنان واليمن، فقد أثيرت مخاوف حول مستقبل هذا التنافس الإقليمي الذي قد بات الآن مسلحا.

ولكن الحديث عن حرب بالوكالة يثير خطر الإفراط في تقدير مستوى السلطة التي تمارسها كل من السعودية وإيران، وتجاهل الفاعلين المحليين الذين يشكلون حقا تلك الصراعات. لقد استطاعت الحركة الحوثية أن تتقدم في اليمن إلى حدٍ كبير بسبب تحالفها مع النظام القديم للرئيس السابق علي عبد الله صالح، وبسبب قدرتها على الاستفادة من خيبة الأمل الناتجة عن ضعف أداء حكومة عبد ربه منصور هادي. على الرغم من أن إيران قد تكون ساعدت في صقل فعالية الحركة الحوثية، فهي ليست السبب ولا اللاعب الرئيسي في الحرب الأهلية اليمنية الناشئة.

إلا أن تلك الحقيقة غائبة عن السعودية الخائفة من النفوذ الإيراني المتصاعد في المنطقة إلى درجة أنها بدأت ضربات جوية من الأرجح أنها سوف تزيد من تفاقم الوضع بدلا من حل الصراع في اليمن المجاورة.

تتأثر تصورات التهديد السعودي والإيراني بشدة بخوفهما وشكهما وكراهيتهما لبعضهما البعض. ولدت هذه الكراهية من ثورة عام 1979 الاسلامية في ايران، والتي تسببت في إطلاق العنان لخطاب إسلامي ثوري والذي تحدى بشكل مباشر شرعية النظام السعودي وهدد بتصدير الثورة إلى مختلف أنحاء الشرق الأوسط. ناشد الخميني الشعوب المضطهدة في المنطقة، وعرض عليهم الدعم لتحقيق الحرية والمساواة ووضع حدٍ للظلم. سعت المملكة العربية السعودية لتقويض ذلك الخطاب من خلال تسليط الضوء على التشيع الإيراني، وتشجيع إصدارات غير متسامحة من الإسلام الوهابي، الذي يتسم – بجانب العديد من الصفات البغيضة الأخرى- بتشجيع المشاعر الكارهة والمعادية للشيعة.

على الرغم من هذه الجهود، كانت إيران قادرة على تحقيق شعبية مذهلة في الشارع العربي. فقد خاطب النظام الألم الناجم عن الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، والغضب نحو الغرب لدوره في تفكك العالم العربي بعد الحرب العالمية الأولى. ومع خطابها العدواني المعادي للغرب والمعادي لإسرائيل ، ودعمها الناجح نسبيا لحزب الله وحماس، ودعمها الخطابي لضحايا الاستبداد العربي، حظت إيران بشعبية كبيرة في العالم العربي. في عام 2006، حققت إيران نسبة قبول شعبي تقدر بحوالي 75٪ في العالم العربي والإسلامي، وحققت نسبة مبهرة بلغت 85٪ بين الشعب السعودي.

ولكن قدرتها على الوصول إلى الجمهور العربي لم تجعل إيران تشعر أنها أكثر أمنا. منذ أن قطعت الولايات المتحدة العلاقات الدبلوماسية الرسمية مع إيران في عام 1980، خضعت إيران لتجميد الأصول وإلى العديد من التكرارات لنظام العقوبات الذي تقوده الولايات المتحدة. خلال الحرب العراقية الإيرانية، والتي استمرت لثماني سنوات، ساندت الولايات المتحدة وغالبية العالم العربي العراق، وعندما غزت الولايات المتحدة أفغانستان والعراق، أشير إلى إيران علنا ​​باعتبارها البلد التالي على القائمة. شعرت إيران بأنها مطوقة في منطقةٍ التي يهيمن عليها السنة.

نتيجة لذلك، عندما بدأ الاحتلال الأمريكي للعراق في التفكك، انتهزت إيران الفرصة لإدخال العراق في مجال نفوذها الخاص. استثمرت بكثافة في تسليح وتمويل العديد من الميليشيات والأحزاب السياسية في المشهد السياسي. ومع نقص قدرة الأميركيين ونقص أدواتهم للتعامل مع السياسة العراقية، واستياء العالم العربي من الغزو ورفضهم لاجراء محادثات مع الحكومة العراقية الجديدة، أُطلق للإيرانيين العنان.

روع المملكة العربية السعودية مدى النفوذ الإيراني في العراق، فخافت من أن يخل هذا بالتوازن الكلي للقوى في الشرق الأوسط، وحثت الولايات المتحدة على كبح جماح منافستها. وفي وثيقة شهيرة على ويكيليكس ، يقال إن السعوديين قد حضوا الولايات المتحدة على "قطع رأس الأفعى" من خلال تشديد العقوبات وقصف إيران. إلا أنه بعد معاناة الولايات المتحدة من شقائها في العراق، فهي لم تكن تعتزم شن غزو آخر. عندما بدأت الانتفاضات الشعبية في الانتشار في أنحاء العالم العربي في عام 2011، شعرت السعودية بأركانها تهتز. في الوقت الذي كانت فيه في قمة ضعفها، راقبت السعودية الولايات المتحدة وهي تنسحب من دعم حليفها طويل الأمد حسني مبارك وارتعبت وهي تشاهد المظاهرات المناهضة للنظام تزداد في البحرين المجاورة. وحيث أنها رأت يد ايران وراء حركة المعارضة الشعبية المشروعة، فقد أرسلت المملكة العربية السعودية الدبابات عبر الجسر مع البحرين لسحق الانتفاضة، ومنع إيران من إرساء قواعدها على الحدود الشرقية للمملكة العربية السعودية.

لكن السعودية بدت غير قادرة على اسقاط نجم إيران الصاعد. وبينما فشل المتمردون السوريون مرارا في تلقي المساعدات التي يحتاجونها من المجتمع الدولي، مكن الدعم الإيراني تفوق الرئيس الأسد في الحرب الأهلية السورية. ثم بعد ذلك حال صعود داعش في سوريا والعراق دون بذل جهود جادة لإزاحة الأسد من السلطة، وعزز يد إيران بصفتها الجهة الداعمة لقوى المقاومة الشيعية العراقية في العراق. والآن، مع دخول المفاوضات النووية الإيرانية-الأمريكية مرحلتها النهائية، ترى السعودية أن الولايات المتحدة تخلت عن أي محاولة لوقف القوة الإيرانية في الشرق الأوسط. لذلك اذا كان من الممكن إيقاف إيران، فالمملكة العربية السعودية يجب أن تقوم بذلك بأيديها - بدءا من بناء تحالف لهزيمة إيران في اليمن.

لكن المشكلة هي أن الخوف من إيران يعكر حكم السعودية على الأمور. إيران ليست السبب الجذري للصراع في اليمن، وقصف البلاد لا يمثل "وقوفا في وجه إيران". انه يغرق البلاد في مزيد من العنف والفوضى. ما لم يتم استخدام القصف بحذر كأداة لدفع الحوثيين إلى طاولة المفاوضات، فمن غير المرجح أن يكون له أي أثر إيجابي على الوضع في اليمن.

إن رؤية شبح إيران وراء كل التحديات التي تواجهها السعودية في الشرق الأوسط، يقلل من قدرة المملكة على إجراء تقييمات استراتيجية سليمة للمباراة في المنطقة. لم تنظم إيران الانتفاضات في البحرين. بل تجمع البحرينييون المظلومون طوعيا للمطالبة بمزيد من الحقوق. ولم تخلق إيران الميليشيات في العراق. بل انضم الشيعة العراقيين طوعا للميليشيات من أجل الدفاع عن أنفسهم وبلادهم. تسعى إيران إلى استغلال المناطق التي تعتقد أنها يمكن أن تتوسع فيها، وتعمل على دعم الجهات الفاعلة المحلية التي تسعى لحل مظالم حقيقية، وذلك لزيادة قوتها ونفوذها؛ المزيد من قمع تلك الجهات ليس هو الحل.

إذا كانت السعودية تريد حقا تقويض النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، يجب أن تقر بألم ومعاناة الفئات المهمشة في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، وتعمل على معالجتهما. إن إعطائهم حقوقهم وأخذهم الى طاولة المفاوضات هي أفضل وسيلة لعزلهم عن النفوذ الإيراني.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب