لماذا نحتج: الجامعات الهولندية في مفترق الطرق

مقال رأي

 

تبدو هولندا، المتأخرة  10 سنوات فقط عن المملكة المتحدة، حريصة على اللحاق بالركب. الضغط المزدوج المتمثل في السلطوية من أعلى والنيوليبرالية من أسفل تجعل من الضروري تطوير بديل ديمقراطي تطرحه الحركة لجامعة جديدة.

مر أسبوعين منذ احتلال بانجويس الأول، أحد المباني الرئيسية لجامعة أمستردام. إن الاحتلال الأحدث لمجلس شيوخ الجامعة - وهو مبنى ماجدنهويس الذي تم احتلاله في واقعة شهيرة عام 1969- واتساع الحركة الشعبية لجامعة جديدة يكشف مشاكل التعليم العالي الهولندي. زيادة نسبة الطلاب إلى هيئة التدريس، ونقص التمويل المزمن، وزحف الإدارة التفصيلية على البحث والتدريس، والاستبداد المتنامي من إدارة الجامعة، كلها  عوامل تتآمر لتحويل الجامعات إلى نسخة بيروقراطية من وول مارت. الضغط المزدوج المتمثل في السلطوية من أعلى والنيوليبرالية من أسفل يجعل من الضروري تطوير بديل ديمقراطي تطرحه الحركة لجامعة جديدة.

إن تاريخ الجامعة الهولندية منذ تسعينيات القرن العشرين هو تاريخ من السلطوية المستوحاة من السوق أو التي تحاكي السوق. بحلول أواخر السبعينيات، كانت معظم الجامعات الهولندية ملتزمة بالانفتاح والديمقراطية والمساواة لجميع أعضائها. ولطالما كان جمهور الناخبين الرئيسي في الجامعة يتألف من الطلاب والمعلمين والموظفين. بدأ الانحدار في طريق السلطوية بمجموعة من الالتزامات الهيكلية والأيديولوجية الناجمة عن الضغط الذي لا يلين من الحكومة في منتصف التسعينيات.

في ذلك الوقت، حلت بيروقراطيات الجامعة والإدارة العليا تدريجيا "ديموقراطيات" الجامعة تحت ستار "التمثيل غير المباشر". في الوقت نفسه، كان الطلاب يتحولون سريعا إلى مستهلكين - تلبي البيروقراطية بعض احتياجاتهم دون أي تمكين سياسي مقابل- من خلال العملية المزدوجة التي تتمثل في المنافسة بين الجامعات والإدخال واسع النطاق للمعايير المستوحاة من السوق.

وهذا ما يدعوه ستيفان كوليني، وهو واحد من النقاد البريطانيين الأكثر تأثيرا في مجال خصخصة التعليم العالي، "أدوات محاكاة السوق". والنتيجة هي المعادل البيروقراطي لمصنع نقانق: إنتاج السجق المعرفي بأقل تكلفة ممكنة لأكبر عدد ممكن من المستهلكين. فتصبح العملية التي يصل بها الشخص إلى المعرفة تافهة وثانوية: فالوسائل (الدرجة العلمية) والغاية (السعي الحر للمعرفة) أصبحت معكوسة تماما. وفي الحقيقة، مديري الجامعات في برجهم العاجي هم الذين يدعون في حيرة أن هذا لا يؤثر على "منتج" الجامعة.

لجميع هذه الأسباب، تجد الجامعات الهولندية اليوم نفسها في مفترق طرق. يجب عليها بالضرورة أن تختار بين مزيد من الخصخصة وبين الديمقراطية. الطريق الأول يؤدي إلى تدهور التعليم الجامعي بشكل عام، واستئصال العلوم الإنسانية على وجه الخصوص. الطريق الثاني يؤدي إلى جامعات حكومية أكثر مساواة وأكثر كفاءة. يجب على أولئك الذين يشككون في وضوح هذه المعضلة التفكير مرة أخرى، وخصوصا في ضوء التجربة البريطانية الأخيرة. فأوجه التشابه الهيكلي لافتة: في عام 1999 بدأت حكومة حزب العمال برئاسة توني بلير إقرار المصاريف الدراسية للتعليم الجامعي، بمستوى معتدل هو 1000 جنيه إسترليني (ما يعادل 1300 يورو). وخلال ما يزيد قليلا على عقدٍ من الزمن، تضاعفت رسوم التعليم الجامعي في المملكة المتحدة تسع مرات عن مستواها الأصلي (11000 يورو). تلك هي الخصخصة في جميع أوجهها ماعدا الاسم. في نفس الوقت، تسبب بلير في هياكل أوسع من التنمر المصغر داخل الجامعات، ظاهريا لغرض تقييم ومراقبة جودة التعليم والبحوث. وتضمن هذا الببليومترية (تعداد الاقتباس من الأعمال المنشورة)، والمقاييس العددية للتعليم على أساس تقييمات التدريس، والأهداف الرقمية لعدد المطبوعات في السنة، وغيرها. إن هولندا متأخرة  10 سنوات فقط عن المملكة المتحدة، ولكنها تبدو حريصة على اللحاق بالركب.

معظم الجامعات الهولندية تستخدم بالفعل بعض هذه المعايير لأغراض التقييم الذاتي، وذلك إلى حد كبير بغرض انضباط الوحدات الفرعية مثل الإدارات وموظفيها، وأيضا من أجل اتخاذ  قرارات المناصب والترقيات. ومن المعروف أن هذه الأنماط من التقييم معيبة: فمن الخطأ القاطع أن نعتقد أن نوعية العمل الأكاديمي يمكن أن يقاس مثل فول في علبة. من المكن "تقييم" العمل الأكاديمي. وهذا هو غرض "مراجعة الأقران"  أي التقييم المباشر لجودة بحوث الشخص، وهي ممارسة مقبولة على نطاق واسع، الموجودة لذلك الغرض.

ولكن لا يستطيع أي قدر من الفهرسة الكمية أن يكون بديلا لمراجعة الأقران. ولا يمكن لأي قدر من الاستشهادات - أو في الواقع من طلبات المنح الناجحة- أن تستطيع استبدال التقييم المهم الذي توفره المطالبات والحجج المقدمة في العمل الأكاديمي. على العكس، لا يمكن لأي نقص في الاستشهادات أن يقوض المبادئ الأساسية لنظرية داروين في الانتقاء الطبيعي أو فلسفة فيتغنشتاين اللغوية. في الواقع، لو كان داروين وفيتغنشتاين أكاديميين في هولندا اليوم، فمن غير المرجح أنهما كانا سيحصلا على منصب (سيقول رئيس القسم: "سيد فيتغنشتاين، إنك لم تنشر سوى كتابا واحدا فقط على مدى 20 عاما، ولم يستشهد به سوى مجموعة متناثرة من الأشخاص في فيينا! تم رفض طلب المنصب! ').

تحارب حركة جامعة جديدة هذه الحملة المستمرة لتحويل الجامعات إلى متاجر سوبر ماركت، يقع على رأسها مجلس إدارة غير منتخب - وغير خاضع للمساءلة- في القمة، وجيش بائس من المستهلكين في الأسفل. يعارض الطلاب والمعلمين الذين يشكلون هذه الحركة التعتيم والسلطوية على رأس الجامعات الهولندية، والتسلسلات الهرمية التي يخلقها لا محالة الدفع إلى الخصخصة، وتخفيض الانفاق على دراسات العلوم الإنسانية الذي يهدد بتدمير الهياكل المؤسسية للبحث و التعليم التي استغرقت عقودا لإنشاءها. كما سيكون من الصعب للغاية، إذا كان ذلك ممكنا من الأساس، إعادة أي مظهر من مظاهر الديمقراطية إذا تم تمرير هذه الإصلاحات المقترحة.

هذه كلها أعراض لهيكل واتجاه الجامعة الهولندية منذ التسعينيات. وهذا هو سبب المطالبة بمجالس جامعة منتخبة وقابلة للخضوع للمساءلة بالكامل، وبالتراجع عن تخفيض الانفاق على دراسات العلوم الإنسانية، ولإلغاء "ملف 2016" سيئ السمعة - وهو الاقتراح الذي يعرض للخطر وظائف عشرات المعلمين في العلوم الإنسانية ويدمج عددا من المواد والتخصصات بطريقة لا تحركها قرارات واعية، ولكن من خلال محاولات مخصصة لتوفير المال- وتشكل تلك الأشياء جوهر أي مجموعة معقولة من المطالب الانتقالية لجامعة ديمقراطية.

بفضل الطلاب واحتجاجاتهم، نحن الآن في لحظة سياسية جعلت هذه الأسئلة مطروحة على جدول الأعمال العام، وما بدا شديد المثالية وغير واقعي قبل أسبوعين، قد أصبح الآن احتمالا حقيقيا.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب