لماذا ينضم المقاتلون الأجانب إلى داعش؟

مقال رأي

احتفى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) في أغسطس 2014، بعيد انتهاء شهر رمضان، عيد الفطر، عبر إصدار مقطع فيديو عالى الجودة مدته 20 دقيقة، ليقدم تهانيه إلى العالم الإسلامي.

أظهر الفيديو مشاهد وديعة لعابدين مبتسمين ومتجمعين عند مسجد، ثم ينتقل إلى أطفال يمررون قطع الحلوى ليفطروا بها. تخلل تلك المشاهد لقطات لمن يطلق عليهم "المهاجرون"، وهم المقاتلون الذين انضموا إلى التنظيم من بريطانيا، فنلندا، إندونيسيا، المغرب، بلجيكا، أمريكا، جنوب أفريقيا، كل منهم يردد نفس الرسالة بأسلوبٍ مختلف.

قال أحد المقاتلين الفنلنديين من أصل صومالي: "إنني أدعو جميع المسلمين الذين يعيشون في الغرب، أمريكا، أوروبا، وأي مكان آخر، إلى المجئ. إلى القيام بـ "الهجرة" بصحبة عائلاتكم إلى أرض الخلافة"، وتابع: "هنا تذهبون إلى القتال ثم تعودون إلى عائلاتكم. وإن قُتلتم تدخلون الجنة بإذن الله، وسيرعى الله من تركتوهم خلفكم. لذا هنا، سترعاكم الخلافة".

تستحضر كلمة الهجرة باللغة العربية الهروب التاريخي للنبي محمد من مكة، حيث حاول أعداءه قتله، إلى المدينة. بينما يعرف عبد الله عزام، الأب المؤسس للحركة الجهادية الحديثة، كلمة الهجرة بأنها الانتقال من أرض الخوف إلى أرض الأمن، وهو تعريف وسعه لاحقا ليشمل ترك الفرد لوطنه وعائلته ليشارك في الجهاد سعيا لتأسيس دولة إسلامية. بالنسبة للأغلبية من المتشددين الإسلاميين اليوم، يرتبط مصطلحي الهجرة والجهاد ارتباطا وثيقا.

بعد أشهر قليلة من إصدار عيد الفطر، أصدر التنظيم إصدارا آخر يركز على قطاع المقاتلين الأجانب الضخم ولكن بطريقة مختلفة تماما.

في مسيرة بلغ الصف فيها 17 مقاتل أجنبي على الأقل، العديد منهم أوروبيين بيض البشرة، يقود كل منهم بيده اليسرى سجينا يعرف على أنه جندي سوري. ارتدي واحد فقط من المقاتلين قناعا، وهو المعروف باسم "الجهادي جون"، والذي أعدم الصحفي الأمريكي جيمس فولي، ورهائن أمريكيين وأوروبيين آخرين.

بعد أن قطع الجهاديون رؤوس ضحاياهم، انتقلت الكاميرا إلى وجوه المنفذين، لضمان أن وجوههم كانت واضحة تماما ومثيرةً اندفاعا نحو تحديد شخصياتهم. حددت تقارير إعلامية بعض الشخصيات بأنهم مواطنون فرنسيون، ألمان، بريطانيون، دانماركيون، واستراليون، رغم أن بعض تلك المزاعم كانت غير أكيدة.

توجه الدعاية الإعلامية والرسائل التي يصدرها التنظيم بشكل كبير نحو المقاتلين الأجانب، سواء في محتواها أو الجمهور الذي تستهدفه. حيث يصدر التنظيم رسائله الهامة بالإنجليزية، الفرنسية، والألمانية في ذات الوقت، ثم تترجم لاحقا إلى لغات أخرى مثل الروسية، الأندونيسية، والأردو.

وعلق توماس هيجهامر، وهو باحثٌ بارز في التاريخ الجهادي، في مقابلة مع موقع (بيل مويرز): "يتم اظهار المقاتلين الأجانب أكثر من غيرهم، على ما يبدو، ضمن منفذي أسوء أعمال الدولة الإسلامية"، ويتابع: "إنهم يساهمون في جعل الصراع أكثر تطرفا، وأكثر وحشية. هم على الأرجح أيضا يجعلون الصراع أكثر صعوبة، لأن المقاتلين الأجانب الذين ينضمون، في المتوسط، يكونون عقائديون أكثر من المتمرد السوري التقليدي".

هناك سؤال عددي شديد الأهمية متعلق بالتهديد الذي يمثله داعش، والصراع الدائر في سوريا والعراق بشكل عام: كم عدد المقاتلين الأجانب هناك؟ من أين يأتون، وماذا سيفعلون بعد القتال؟

تعتبر الإجابة الدقيقة على ذلك السؤال شبه مستحيلة، بسبب مخاطر عمل الصحفيين وأفراد الاستخبارات في الأراضي التي يسيطر عليه داعش. وفي عالم المصادر المفتوحة، هناك تقديرات فقط، ولا يبدو الوضع أفضل في عالم الاستخبارات السرية. أفاد إحصاء يعود إلى عام 2013، أعلنته إذاعة (راديو فري يوروب/راديو ليبيرتي)، أن هناك ما بين 17 ألفا إلى 19 ألف مقاتل في العراق وسوريا، رغم أن ذلك التعداد على الأرجح منخفض جدا.

يأتي معظم هؤلاء المقاتلين من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وعلى الأخص تونس والسعودية. بينما يأتي البقية من أماكن أخري حول العالم، مثل جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق، الأمريكتين، وأستراليا. ولكن الاعداد غير متوافرة بالنسبة للعديد من الدول التي جاء منها بعض المقاتلين مثل أذربيجان، اندونيسيا، الفلبين، والصومال. ولكن بشكل عام عادة ما تكون تقديرات المقاتلين الأجانب غير واضحة فيما يتعلق بإن كان المقاتلون تابعون لداعش أم أنهم متواجدون في سوريا أو العراق وسوريا.

تضاربت التقديرات الحكومية حول عدد الأمريكيين الذين انضموا إلى داعش إلى حد كبير. ولكن بناء على كلٍ من تحليلات شبكات التواصل الاجتماعي وملاحظة تعليقات المقاتلين الأجانب على مواقع التواصل الاجتماعي، نعتقد أنه حتى كتابة هذه السطور، يشارك ما لايقل عن 30 إلى 40 أمريكيا حاليا مع المجاهدين في سوريا والعراق، في العمليات القتالية وغير القتالية، ونقدر أن أكثر من 12 إلى حد بعيد منتمون إلى داعش. يمثل ذلك العدد ما يمكننا تقييمه بثقة عبر المصادر المفتوحة، أي إن العدد الحقيقي بالتأكيد أكبر، وربما بفارق كبير.

أما بالنسبة للمملكة المتحدة فتنطبق عليها نفس المعضلة، إلا أن نطاق التقديرات أكبر اتساعا بكثير، خصوصا عندما يتم تقديرها على أساس كل شخص بمفرده. فقد صرحت المملكة المتحدة في أغسطس، بناء على تقديرات، بأن 500 مواطن بريطاني قد انضموا إلى داعش في سوريا والعراق، ولكن التقديرات تصاعدت بشكل كبير نحو نهاية عام 2014. كما لوحظ المقاتلون المتحدثين بالفرنسية والألمانية بأعداد كبيرة على شبكات التواصل الإجتماعي، وتشير التقديرات المنخفضة إلى أكثر من 550 مقاتل من ألمانيا، وأكثر من 1000 من فرنسا. كما أظهر عدد كبير من المقاتلين الكنديين وجودهم على شبكات التواصل الاجتماعي.

تُظهر دراسة أجرتها مجموعة "سوفان جروب" أن المقاتل الأجنبي التقليدي يكون ذكر عمره بين 18 و29 عاما، رغم أن هناك الكثير من الاستثناءات، حيث يتجاوز بعضهم 30 عاما، بل ومن الشائع أن ترى مقاتلين تتراوح أعمارهم بين 15 و18 عاما.

ولكن بعيدا عن العمر والنوع، هناك أنماط قليلة مشتركة بينهم وليس هناك صفات محددة لمن يحتمل أن يصبح مقاتلا أجنبيا، ولكن بين المتطوعين الغربيين، هناك عدد كبير من المتحولين ‘لى الاسلام يمكن ملاحظتهم. (يتم التحول عادة نحو أفكار متشددة، والتي عادة ما تجمع الحماس الجامح مع نقص المعرفة بدينهم الجديد، ما يجعلهم عرضة للأشخاص الذين يقومون بالتجنيد). وقد استمرت تلك الصفات التقريبية للمجاهد لعقود، وعبر عدة صراعات جهادية.

* * *

لماذا يقرر بعض الأفراد السفر للمشاركة في صراعٍ عنيف لا ناقة لهم فيه ولا جمل؟

ليس هناك مسار محدد، أو خلفية اقتصادية اجتماعية مشتركة، أو حتى تنشئة دينية مشتركة بين الأفراد الذين يجتذبون للقتال الخارجي بشكل عام أو القتال الجهادي بشكل خاص.

ويعلق جون هورجان، مدير مركز دراسات الإرهاب والأمن بجامعة ماساشوستس لويل، والذي درس الأمر بكثافة: "لم تتوصل عقود من الأبحاث النفسية حول من يحتمل أن يصبح إرهابيا ولماذا إلى أي صفات محددة"، ويضيف أنه بينما باءت جهود تعميم نمط معين على الجميع قد بالفشل، إلا أنه من الممكن فهم بعض المسارات التي اتخذها بعض الأفراد.

تستخلص الكثير من الأبحاث حول سبب انضمام الأفراد إلى الجماعات المتطرفة أن هناك فارقا بين الدوافع الخارجية والدوافع الداخلية. تتعلق الدوافع الخارجية بتلقي الفرد للأحداث الضخمة التي تحدث في العالم. بينما أشار العديد من المحللين وصناع القرار إلى عوامل مثل ضعف الدولة، ضعف التعليم، وسوء الوضع الاجتماعي والاقتصادي كدوافع خارجية، بينما هناك خلاف كبير بين دارسي التطرف بعمق حول أهمية تلك العوامل.

وفي الغالب، تشير العوامل الخارجية التي يذكرها المتطرفون أنفسهم نحو أهمية مواقف أكثر تحديدا، على سبيل المثال، صراع عسكري أو مذبحة جماعية، والتي يكون من ضمن ضحاياها، عادة وليس دائما، أفراد من نفس الجماعة الهوياتية التي ينتمي إليها المتطوع المحتمل.

اعتمدت الدعاية الإعلامية للتنظيمات الجهادية عادة على ذلك النوع من الأوتار الحساسة، مثل الاجتياح السوفيتي لأفغانستان أو المذبحة الجماعية في البوسنة، وتستخدم تلك الأحداث كمدخل للكثير من الروايات حول الحدث، ليصفوا المشاركة في القتال بأنها ليست فقط الخيار العقلاني، بل إنها واجبٌ والتزامٌ أخلاقي واضح. وبالفعل يركز المنظرون الجهاديون عادة على واجب الجهاد الفردي عندما يكون جزءٍ من أو الأمة الإسلامية بكاملها في خطر.

لكن تلك الأوتار الحساسة لا تقدم بالضرورة دافعا كافيا وحدها. بل تقدم منافذ، إما للتنفيس عن الضغوط الإجتماعية في البلاد التي ينتمي إليها المقاتل أو عن صراعاته الخاصة الداخلية.

وتنبع الدوافع الداخلية مما يريد الفرد أو يحتاج أن يحققه لذاته، من حيث المزايا المتوقعة لحمل عضوية تنظيم متطرف، مثل الإحساس بالانتماء، الهروب إلى هوية أو مغامرة جديدة، أو جمع المال. للمقاتلين الأجانب احتياجات شخصية تتحقق بالانضمام إلى التنظيمات المتطرفة، وتزداد أهمية تلك الاحتياجات مع الوقت.

ويعلق سكوت أتران، عالم الأنثروبولوجيا الفرنسي، بأن المتطوعين الغربيين عادة ما يكونون "مهاجرين، طلاب، بين الوظائف أو الرفيقات ... فيبحثون عن عائلات وأصدقاء جدد أو زملاء سفر. في الأغلب لا يتمتعون بتعليم ديني تقليدي و"يولدون من جديد" داخل الدعوة الدينية المتشددة عبر الإنجذاب إلى الجهاد المسلح". ويمثل القبول والدعم الاجتماعي عوامل هامة، حيث توصلت أبحاث أتران إلى أن ثلاثة من كل أربعة مقاتلين أجانب في سوريا سافروا مع آخرين، وهي نتيجة متوافقة مع الدراسات السابقة بنفس الصدد. وجد الفرد الجهادي بشكل تقليدي دافعا داخليا في الوعد بالمكافآت الدينية المنتظرة مثل دخول الجنة. لكن بالنسبة للكثير من الجهاديين، وربما أغلبهم، تكون الحوافز الدينية ضرورية ولكنها غير كافية لتفسير الانزلاق إلى ارتكاب العنف.

على مدار الحرب الأهلية السورية، تغير توازن العوامل الداخلية والخارجية مع الوقت. ففي بداية الصراع، تكون تحالف متنوع بين المقاتلين الدينيين الغير سوريين والثوار السوريين العلمانيين على هدف واحد واسع وهو الإطاحة بنظام الأسد القمعي. بالنسبة للجهاديين، كان الهدف طويل الأمد هو تأسيس دولة تحكمها الشريعة الإسلامية، ولكن تركيز أغلب المقاتلين في البداية كان على قتال النظام. في قمة صعود داعش، وفق بحث أجاراه بيتر نيومان، سكوت أتران، وآخرون، تحول ذلك الهدف بشكل ملحوط إلى تطبيق الشريعة ودعم تأسيس الخلافة، بغض النظر عما يطمح إليه السكان السوريون المحليون.

ومع ظهور عدد كبير من المقاتلين الأجانب على وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح ممكنا جمع المزيد من المعلومات حول الدوافع الداخلية، والتي عادة ما تجاوزت الجنة الموعودة وتحولت إلى خوض المغامرة. وقد أطلق الجهادي البريطاني إفتخار جمان، 23 عاما وصف "جهاد من فئة خمسة نجوم" ليصف المتعة التي عاشها أثناء القتال في سوريا، والذي اعتبر صرخة نداء إلى مواطنيه، الذين انضموا بالفعل بأعداد متزايدة. (لقى جمان حتفه في ديسمبر 2013).

بينما زاد عددٌ من المقاتلين "المشهورين" الطين بلة. أحد أكثرهم شعبية هو الجندي الهولندي السابق يلماز، والذي ساعد في تدريب المقاتلين في عدة فصائل في سوريا. ووثق تجربته هناك على حسابه بموقع (إنستجرام)، حيث نشر صورا للمعارك والمقاتلين، جانبا إلى جنب مع صور للشعب السوري، والأطفال السوريين، وما بدا كمشاهد منافرة لما سبق لمجاهدين يداعبون قططا.

* * *

مع إعلان داعش عن تأسيس دولة الخلافة في يوليو 2014، بدأ التنظيم في تحسين وتوضيح الموضوعات المتعلقة بالمجتمع الذي يريد أن يؤسسه، مقدما إجابة جديدة للسؤال، "لماذا ينضمون؟". في أولى خطبه كخليفة مزعوم، عكس أبو بكر البغدادي ذلك التركيز الجديد، حيث دعى المسلمين من كل مكان للهجرة "إلى أرض الإسلام" كواجب ديني. وتابع: "نحن ندعو بشكل خاص العلماء، خصوصا علماء الشرع والدعاة، بالإضافة لمن لديهم خبرات عسكرية، إدارية، وخدمية، وكذلك الأطباء والمهندسين في جميع التخصصات والمجالات".

أصدر مركز الحياة الإعلامي التابع لداعش في يوليو 2014 مقطع فيديو مدته 11 دقيقة،  تحت عنوان "القلة المختارة من البلدان المختلفة"، والذي أوضح تلك النقطة. إنه نموذج للدعاية الإعلامية المتطرفة، حيث أظهر مقاتلا كنديا يسمى "أندري بولين"، وهو مقاتل أبيض يعرف وسط زملائه باسم "أبو مسلم". ويبدأ المقطع بلقطات رائعة عالية الجودة لكندا (أو لمكان شديد الشبه بكندا) مع وصف بولين لحياته السابقة في وطنه.

قال بولين: "لقد كنت كأي كندي عادي قبل الإسلام. كان لدي أموال، كان لدي عائلة، وكان لدي أصدقاءٌ جيدون".

قد تقود الطبيعة الهمجية لداعش بعض المراقبين إلى استنتاج أن أتباعها ساذجون، وحشيون، وأغبياء. إلا أن المقطع أظهر وعيا حريصا بذلك الانطباع ورد بشكل مباشر عليه، حيث كان بولين النموذج المثالي.

تابع بولين: "لم أكن منبوذا اجتماعيا، أو أناركيا، أو شخصا يريد فقط تدمير العالم وقتل الجميع. لا، لقد كنت شخصا صالحا للغاية، وأنتم تعلمون أن المجاهدون هنا هم أشخاص عاديون أيضا. ... ولدينا حيوات بعيدا عن عملنا".

وأضاف أن الحياة في كندا كانت جيدة، لكنه أدرك أنه لا يمكنه العيش في دولة كافرة، حيث يدفع الضرائب لتستخدم في "شن حرب على الإسلام".

لكن في الواقع، لم يتمتع بولين بذلك النموذج من الاندماج الاجتماعي الذي وصفه في الفيديو. فقد طور اهتماما مبكرا بصناعة المتفجرات، وانخرط في الاشتراكية والأناركية قبل الاستقرار على الإسلام المتشدد كمنفذ لاهتماماته. وتعرض بولين للاعتقال مرتين على الأقل للتهديد باستخدام العنف ضد زوج اعتاد بولين معاشرة زوجته جنسيا. إلا أن تلك الحقائق تم إخفاءها بشكل يتلاءم مع سيرته الطاهرة.

بينما قال الراوي في المقطع، بلغة إنجليزية مثالية، وبدون لهجة: "لقد أجاب نداء ربه وأسلم روحه دون تردد، ليترك العالم خلفه. ليس بدافع اليأس وفقدان الأمل، ولكن بدافع اليقين بوعد الله".

في النهايةتحدث بولين مجددا، مع إخفاء ملامحه باستخدام ضوء خافت: "اجعل الله فوق كل شئ".

* * *

الكثير من أبرز داعمي داعش على الإنترنت نساء، حيث أظهرت تحليلات شبكات التواصل الإجتماعي المرتبطة بداعش المئات من المستخدمين الذين يعرفون أنفسهم بأنهم نساء، وتنشر تلك الحسابات رسالة التنظيم بشكل نشط.

كانت رائدة جهود التجنيد عبر الإنترنت متمرسة في التحريض عبر الإنترنت باستخدام حسابات مختلفة تحمل اسم "الخنساء"، ويعود ذلك الاسم إلى شاعرة مسلمة كانت من اوائل من تحولوا الى الاسلام في عهد النبي، وهي مشهورة بأنها أمرت أبنائها بالمشاركة في الحروب باسم الإسلام، مات جميع أبنائها الأربعة. وتشتهر أنها قالت "أشعر بالفخر لكوني أم شهداء".

نشطت الخنساء سابقا في المنتديات المرتبطة بالقاعدة قبل ظهور داعش. واتجهت إلى وسائل التواصل الاجتماعي مبكرا، حيث سجلت حسابا على موقع (تويتر) باسم @Al_khansaa2 في سبتمبر 2012، كما كان لها ظهور على موقع (فيس بوك) وقنوات اتصال أخرى.

كذلك كانت فتاة أخرى تدعى أقصى محمود من بين عدة نساء يعملن بلا كلل لتجنيد الأجانب للانضمام لصفوف داعش. فكمراهقة نشأت في مدينة جلاسكو بأسكتلندا، ابتعدت اقصى عن حياة تبدو سعيدة وسط روايات البالغين وموسيقى الروك، واتجهت نحو نظرة متشددة بشكل متزايد تجاه العالم وتجاه تراثها الإسلامي، وهو ما مثل انحرافا حادا عن توجهات عائلاتها.

وثقت أقصى قصة تحولها على موقع (تامبلر) مظهرة كل الحماس الذي قد تحمله فتاة مراهقة، لتصف تحولا سريعا من حياة علمانية بشكل أساسي إلى التشدد الديني، حيث كتبت: "يظن والداي بالفعل أنني متطرفة".

أصبح أصدقاءها على الانترنت "عائلتها الجديدة"، وهم المنغمسون في التفسيرات السلفية للإسلام والرعب من الحرب الأهلية السورية. خلال عام 2013، تحولت كتاباتها على نحو متزايد إلى تأملات جهادية وأظهرت الواجب المتنامي الذي شعرت به تجاه المشاركة في الصراع السوري. وفي نوفمبر الماضي، في عمر الـتاسعة عشرة، قدمت فجأة إلى أسرتها المذعورة رسالة الوداع.

"سأراكم يوم القيامة. وسآخذكم إلى الجنة، وسأمسك بأيديكم" يستعيد والدها قولها "أريد أن أصبح شهيدة".

من سوريا، استمر نشاطها على الانترنت. حيث استخدمت حساباتها على (تويتر) و(تامبلر) في تشجيع الآخرين على اقتفاء خطاها. وقالت في إحدى مشاركاتها على موقع (تويتر): "وللقادرون الذين يستطيعون القدوم، اتقوا الله ولا تتأخروا أكثر من ذلك، عجلوا عجلوا عجلوا إلى بلادنا وعيشوا في عزة وكرامة".

انجذب عدد لا يحصى من الشابات المشابهات لأقصى للانضمام لداعش في سوريا والعراق، بينهن مئات الغربيات والكثيرات من الدول المتحدثة بالعربية.

"سيتم تزويج معظم الفتيات الأجنبيات لمقاتلين أجانب بمجرد وصولهم" تعلق ميا بلوم، وهي خبيرة بارزة في دور النساء في الحركات الجهادية، "في الواقع، يقدم العديد منهم كنوع من التعويض للرجال الذين يقاتلون لحساب البغدادي".

ولكن كتيبة "الخنساء" التي تتسلح بالهاون والحجارة كانت نقطة تعارض قاتمة بالنسبة للأوهام التي يتم الترويج لها عبر الإنترنت، حسبما أوضحت امرأة سورية انشقت عن داعش. حيث وصفت في مقابلة مع "سي إن إن" انضمامها إلى الكتيبة في مدينة الرقة بسوريا، حيث كان يتركز الكثير من المقاتلين الأجانب في داعش.

وروت المرأة المنشقة، التي يشار إليها بالاسم "خديجة" لاخفاء هويتها، قصة متضاربة حول فرقة نسائية بشرطة الأخلاق، والتي تختص بجلد النساء اللاتي يظهرن في الشوارع مرتديات أي ملابس تخالف القواعد الصارمة التي وضعها داعش لاحتشام النساء.

* * *

تحاشى داعش استخدام أسلوب القاعدة الذي اشتمل على اجتذاب المقاتلين ثم تحويلهم إلى متطرفين بعد ذلك. عبر مزيجه الإعلامي العنيف من المشاهد الوحشية والقصائد الحماسية المثالية، سعى داعش إلى تجنيد المتطوعين والداعمين الذين كانوا بالفعل في طريقهم صوب التطرف الفكري أو الأكثر ميلا للعنف بفعل النزعة الشخصية.

وبمجرد وصول هؤلاء المقاتلين، الذين لم يتشددوا دينيا بعد، وعائلاتهم إلى العراق وسوريا، تم تعريضهم إلى بيئة منغمسة في الضغط النفسي الناتج عن الصدمة، العنف الجنسي، العبودية، المذابح الجماعية، والموت وتقطيع الأوصال كمشاهد منتشرة في تلك البيئة.

بين المقاتلين الأجانب العائدين إلى بلادهم من الأجيال السابقة – هؤلاء الذين شاركوا في حروب البوسنة وأفغانستان على سبيل المثال- قد يميل واحد من بين تسعة إلى ممارسة الإرهاب مجددا بعد عودته إلى بلاده. إلا أن مقاتلي داعش يمثلون نوعا جديدا لم يتم اختباره بعد. فإن حاولوا هم أو عائلاتهم يوما ما أن يعودوا إلى أوطانهم، سيكونون مختلفين بشكل لا يمكن تصوره عن أسلافهم.

لم يبتكر داعش الجهاد شديد العنف. هناك أمثلة عديدة في الماضي، لكنها أدت إلى عواقب. في مذبحة الأقصر المروعة بمصر عام 1997، والتي أودت بحياة 62 سائحا (بينهم نساء وأطفال) حيث تم تقطيعهم حرفيا على يد أعضاء منشقين عن الجماعة الإسلامية المصرية. أجبر رد الفعل العنيف إلى قيام الجماعة بأن تنحو نحو الاعتدال والتراجع عن نهجهم بشكل عام.

وجماعة أبو سياف بالفلبين التي انتهجت طويلا قطع رؤوس الرهائن، مع تصويرهم أحيانا، ولكن وحشيتها واستهدافها العشوائي أدى بشكل متزايد لتكوين انطباع عنها أنها جماعة إجرامية تستخدم بعض الفخاخ الجهادية كحيَل.

ولكن داعش شكلت معادلة جديدة عبر مزج العنف الوحشي بأوهام الاستقرار والكرامة، وفتحت المجال للمتطوعين. إنه مزيج من الاستراتيجية الأرضية الناجحة، الإرسال الشرس للرسائل الدعائية بلا هوادة، والاحتكام إلى القوة مقابل الضعف والذي أثبت قوته الفريدة وشحنه لعشرات الآلاف على الأقل من الداعمين المتحمسين.

التحدي الذي ينتظر التنظيم خلال الأيام والأعوام القادمة هو ما اذا كان سيستطيع الحفاظ على جيمع العناصر الثلاثة مع مرور الوقت، وما اذا كانت قدرته غير العادية على ممارسة العنف سوف تنفر داعميه الأساسيين في النهاية، أم لا.

وإن تجاوز التنظيم أول تحديين، سيواجه تحد ثالث، وهو ما اذا كان ترسيخه المتعمد للعنف الشديد كعنصر أساسي لمجتمعه سوف يقوده إلى المزيد من الظلامية وإلى فجوة من الرعب لا يمكن الهروب منها.

 

 

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب