لماذا ينقسم الأمريكيون حول داعش

مقال رأي

 

نادرا ما واجهت الولايات المتحدة على مدار تاريخها تهديدا خارجيا استمر لمدة جيلٍ أو أكثر. ظل الصراع مع بريطانيا العظمى مشتعلا لمدة حوالي أربعة عقود بعد حرب الاستقلال الأمريكية. واستمرت الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي حوالي 45 عاما.

تشير جميع المؤشرات إلى أن الصراع مع التطرف الإسلامي سيضاف إلى تلك القائمة القصيرة من الصراعات الممتدة. تشير حقيقة أن تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) قد تشكل بسرعة شديدة بعد إضعاف القاعدة إلى أن ظهور الجماعات المتشددة خاضع لقاعدة العرض والطلب، فطالما هناك كتلة حيوية من المتطوعين المتعاطفين مع الفكر الجهادي سوف يظهر تنظيم لتعبئتهم عسكريا. أي أنه إن قضينا على داعش، سيظهر تنظيم مشابه على الأرجح عاجلا أم آجلا، وذلك في حال غياب تحول -غير محتمل- في فكر الأقلية المتشددة في العالم الإسلامي.

واليوم وبعد 14 عاما على هجمات 11 سبتمبر، تظل القيادة السياسية الأمريكية بعيدة عن تبني اتفاق على استراتيجية مستدامة لخوض ذلك الصراع. فالاختلاف بين ذلك الصراع والحرب الباردة يحمل دلالة هامة. فعند المقارنة مع الحرب الباردة عند نفس المرحلة، نجد أن كلا الحزبين السياسيين الأمريكيين قد اتفقا إلى حد كبير على استراتيجية الاحتواء المهيمنة. أما اليوم، فالحزبان منقسمان حول كيفية التعامل مع التطرف الإسلامي، بل وعلى تسميته أيضا. لم يمثل شيء ذلك الانقسام مثلما مثلته الفجوة الحزبية الكبيرة حول خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكونجرس يوم الثلاثاء الماضي والذي هدف لاستنكار مفاوضات الرئيس أوباما الجارية مع إيران حول برنامجها النووي.

أمريكا منقسمة بشدة حول تهديد التطرف الإسلامي، يعود ذلك جزئيا إلى انقسامنا بشدة حول كل شيءٍ تقريبا. لكن المأزق يعكس أيضا خيبة الأمل تجاه ردود الفعل الأولية للرؤساء من كلا الحزبين.

نجح هيكل مكافحة الإرهاب الداخلي للرئيس بوش الابن إلى حد كبير، مع بعض عمليات إعادة التقييم من قِبل الرئيس أوباما. لكن النتائج الكاشفة في أفغانستان والعراق أساءت إلى رؤية الرئيس بوش، التي تضمنت "حرب عالمية على الإرهاب" تقوم بها القوات المسلحة الأمريكية. وقد تراجع أوباما بشكل مفهوم عن تلك النكسات. لكن حتى بعض المفكرين الديمقراطيين يعتقدون أنه قد صححها بشكل مبالغ فيه، عبر كلٍ من التهوين من عمق تهديد التطرف، والتقييد المبالغ فيه لدور أمريكا في الرد عليه. ويعلق ويل مارشال، رئيس معهد (السياسة التقدمية)، وهو مركز وسطي ديمقراطي، قائلا: "لقد سجنت تجارب العراق وأفغانستان أوباما"، وتابع: "يجب أن تختار معاركك بحذر.. لكن مجرد البقاء بعيدا عن الصراع لا يضمن ابتعادك عن أسوء العواقب". نقاد مثل مارشال يعتقدون أن الولايات المتحدة قد أُجبرت على تبني تدخلا عسكريا أكبر ضد تنظيم داعش الآن، جزئيا لأنها فشلت في دعم معارضة سورية معتدلة سابقا.

وتوضح خيبة الأمل في كلا الرئيسين مدى صعوبة الاختيار بين التدخل عسكريا وضبط النفس، خصوصا في صراع ممتد لعدة أجيال وعلى عدة جبهات، وفي صور دائمة التطور. وعند تقييم تلك الخيارات الصعبة، تعتبر أفضل بوصلة للاختيار هي البحث عن ما أطلق عليه مفكرو الحرب الباردة "الملاءمة"، وهي التوازن الدائم بين الغايات والوسائل.

لقد فشل خطاب نتنياهو بشكل واضح عند تقييمه على مقياس الملاءمة. فقد حدد رئيس الوزراء أهدافا مثيرة للإعجاب وهي، تفكيك قدرات تخصيب الورانيوم الإيرانية وتغيير النظام الإيراني. ولكنه لم يقترح وسائل معقولة لتحقيق تلك الأهداف. بل اقترح أن فرض عقوبات قوية مصحوبة بالتهديد باستخدام القوة سوف يدفع إيران في النهاية إلى الرضوخ. ولكن العقوبات وحدها لم توقف دول أخرى عن السعى لصنع القنبلة، بل لم تكبح تقدم إيران نفسها. كما أن الضربات الجوية سوف تأخر جهود طهران فقط. إلى جانب ضعف التقبل الأمريكي لأي تدخل عسكري في إيران، ويعلق مارشال: "بينما نحن مشغولون بالكامل بتنظيم الدولة الإسلامية".

ولكن حتى مع أكثر الشروط صرامة، فأي اتفاق نووي يمكن تحقيقه سوف يحتوي ويؤجل التهديد النووي الإيراني بدلا من إنهاءه. طريق تحقيق ذلك الاتفاق محفوف بالمخاطر، ولكن الدلائل تشير إلى خطر أكبر في حال الفشل في تحقيقه. تقول أفضل حجج الإدارة الأمريكية أن المعارضين مثل نتنياهو لم يقدموا أي بدائل ممكنة يمكنها تعطيل برنامج إيران النووي لمدة 10 سنوات أو اكثر، حسبما يسعى أوباما عبر اتفاقه. بينما لن يقر نتنياهو بذلك، على الأرجح فإن الأهداف الشاملة التي حددها نتنياهو يمكن تحقيقها فقط عبر تدخل عسكري كامل ضد إيران يطيح بنظامها السياسي.

في الصراعات الممتدة لأجيال، يصبح تجنب المعارك الخطأ (مثل فيتنام والعراق) بنفس أهمية كسب المعارك التي نخوضها. في حالة فشل المفاوضات، سيتصاعد خطر صراع أكثر حدة مع إيران، والذي قد يتطلب في النهاية تنفيذ ضربات جوية. ولكن مبدأ الملاءمة يقترح اتخاذ جميع الخطوات العقلانية في سبيل تجنب حربا باردة (وبالطبع حربا ساخنة أيضا) ضد أكبر القوى الشيعية في المنطقة، بينما نواجه في ذات الوقت تهديدا متمددا من المتشددين السنة.

السماح لإيران بأن تظل إيران عند العتبة النووية سوف يُزيد نفوذها وقد يصعد التوترات في أنحاء المنطقة. ولكن التوصل إلى اتفاق يمكن أيضا أن يعزز القوى داخل المجتمع الايراني التي تعتقد أن بلادهم ستحقق فائدة أكبر من توسيع مشاركتها مع الغرب. وبإبعاد إيران ولو قليلا عن مسار المواجهة وجذبها أكثر نحو الإندماج، فسوف يضاعف ذلك المكاسب في خضم صراعٍ مع قوى الإسلام المتطرف سوف يختبر أمريكا لعقودٍ على الأرجح.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب