ما الذي سيحدث عندما تغرق الصين العالم بالطائرات والسفن الحربية الرخيصة؟

مقال رأي

 

في أغسطس 2014، أطلقت شركة صناعة السفن التابعة للحكومة الصينية "هودونج –تشونغهوا" فرقاطة جديدة في نهر هوانجبو بشنغهاي، وهي سفينة حربية صغيرة تستخدم عادة في محاربة الغواصات أو الدفاع عن السواحل. مع نزول الفرقاطة إلى المياه، قد يكون أحد المارين قد افترض أن تلك البارجة تمثل قطعة بحرية جديدة في أسطول القوات البحرية الصينية سريع النمو. إلا أن متلقي تلك الفرقاطة لم تكن البحرية الصينية، بل الجزائرية، والفرقاطة هي الأولى من بين ثلاث فرقاطات طلبتهم الجزائر من الصين في معرض سلاح ماليزي عام 2012.

كانت الصين طويلا أحد أكبر مصدري الأسلحة الخفيفة في العالم، لكن بيعها للفرقاطات ليس حالة استثنائية. فحسبما أورد معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، وهو مؤسسة مستقلة، في منتصف مارس، تمثل الصين حاليا ثالث أكبر مصدر للأسلحة في العالم، حيث تجاوزت فرنسا وألمانيا، وتأتي بعد روسيا والولايات المتحدة. فبين عامي 2010 و2014، لم تتصاعد حصة الصين من مبيعات السلاح العالمية لقرابة ضعف حصتها خلال السنوات الخمس السابقة – 5 بالمئة مقابل 3 بالمئة بين عامي 2005 و2009 – فقط، بل تصاعدت أيضا صادراتها من نظم التسليح الرئيسية بنسبة 143 بالمئة مقارنة بنصف العقد الماضي.

خلال العقد القادم، ستتدفق نظم التسليح المتقدمة – والتي كانت من قبل من اختصاص صناعة الدفاع الغربية والروسية – إلى سوق السلاح مع تحول الصين، والهند بدرجة أقل، إلى مصدرين عالميين. الدول النامية التي كانت من قبل لا تستطيع سوى شراء الأسلحة المستعملة التي تعود لفترة الحرب الباردة فقط، ستتمكن قريبا من امتلاك كل شئ بداية من الطائرات الحربية المتقدمة حتى الأسلحة الموجهة بدقة، بل ودون إنهاك مواردها المالية. ولن يختلف الأمر عن الإلكترونيات الاستهلاكية، ستتحسن جودة هذه الأنظمة مع الوقت، حتى مع هبوط أسعارها.

يقود ذلك التغيير نمو صناعات الدفاع ليس في الصين فقط بل وفي الهند أيضا، حيث أعطى رئيس الوزراء الهندي نارندرا مودي أولوية لإصلاح قطاع الدفاع لخفض الاعتماد على مصدري الأسلحة الخارجيين، وكذلك لتشجيع التصدير. فبعد أن كانت تلك الدول في البداية غير قادرة على إنتاج نظم تسليح متقدمة وحدها، أدركت خطر الاعتماد على المصدرين الخارجيين، وسعت لتحقيق اكتفائها الذاتي من مشتريات الدفاع تدريجيا.

كخطوة أولى، سعت الهند والصين لامتلاك مجموعة متنوعة من نفس النوع من الأسلحة خلال العقود القليلة الماضية. فبالنسبة للطائرات المقاتلة على سبيل المثال، امتلكت الصين سبعة أنواع مختلفة على الأقل منها، بينما امتلكت الهند ستة أنواع مختلفة. ورغم عدم فاعلية ذلك من حيث التكلفة وصعوبته عملياتيا، إلا أن ذلك النوع من جمع العينات سمح للصين والهند باختبار وتقييم التكنولوجيات المختلفة واختيار الأنسب لاحتياجاتهما العملياتية.

ثم صبت تلك الدول قدرا كبيرا من الموارد في سبيل إعادة إنتاج التكنولوجيات المطلوبة عبر استيعاب التكنولوجيات الرئيسية للأسلحة الأجنبية، إلى جانب الاستثمار بكثافة في أبحاث التسليح وبرامج التطوير على المستوى المحلي. وكانت النتيجة إيجاد القدرة على إنتاج تكنولوجيات، رغم أنها ليست الأحدث، إلا أنها أكثر تقدما على نحوٍ ملحوظ عما تمكنت تلك الدول من إنتاجه منذ عدة سنوات. وسمحت تلك الاستراتيجية للبحرية الهندية بالشراء بكثافة من المصنعين المحليين. وتشغل القوات الجوية الصينية حاليا مئات الطائرات المقاتلة محلية التطوير من طراز "جي-10"، وهي الآن في خضم اختبار نماذج أولية من المقاتلات الشبحية "جي-20" و"جي-31". في حالة نجاحها، ستنضم الصين إلى الولايات المتحدة كالدولة الأخرى الوحيدة في العالم التي تتمتع بتلك القدرات.

عادة ما تكون نظم التسليح الصينية أرخص من نظم المصدرين المنافسين. ورغم أنها ليست أفضل من البدائل الروسية أو الأمريكية، إلا أنها عادة ما تكون جيدة على نحوٍ كاف. فعلى سبيل المثال في سبتمبر 2013، فاجئت تركيا العديد من المراقبين باختيارها نظام دفاع جوي وصاروخي صيني مقابل العروض الأمريكية، الروسية، والإيطالية الفرنسية. ورغم أن النظام الصيني أقل فاعلية من النظم الأمريكية والروسية – وغير متوافق مع نظم الناتو الأخرى – إلا أن السعر كان مناسبا، حيث يتكلف النظام 3.4 مليار دولار، وهو سعر أقل كثيرا، بشكل شبه مؤكد، من نظيريه الروسي والأمريكي.

منذ العام 2011، باعت الصين أيضا طائرتها "وينج لونج"، وهي طائرة دون طيار (درون) مسلحة، للعديد من الدول في أفريقيا والشرق الأوسط، بينها نيجيريا، مصر، والإمارات. بقيمة تقديرية تصل إلى مليون دولار للوحدة، تقدم الدرون قدرات مشابهة للدرون الأمريكية "بريداتور" مقابل أقل من ربع السعر. فكما صرح مروان لحود، والذي كان في حينها مدير التسويق والاستراتيجية في شركة الفضاء والدفاع الجوي الأوروبية، لصحيفة "نيويورك تايمز": "ستنافسنا الصين في الكثير والكثير من المجالات، وعلى مستوى الأسلحة فائقة التكنولوجيا".

بالطبع تظل الصين والهند من بين أكبر مستوردي الأسلحة في العالم، بقيمة تراوحت بين 5 و15 بالمئة من حجم تجارة السلاح العالمي بين عامي 2010 و2014. لا تستطيع أي من الدولتين أن توفي جميع احتياجات جيشيها، لذلك ستظل الدولتين معتمدتين على روسيا والغرب خلال المستقبل القريب، خصوصا فيما يتعلق بالأنظمة والتكنولوجيات المعقدة، مثل الطائرات الحربية المضادة للغواصات، ومحركات الطائرات. ولكن صادرات الدولتين تمثل جزءا من اتجاه مثير للقلق.

ما هي عواقب التوافر المتزايد لنظم التسليح الحديثة؟ سوف يخل ذلك بشكل شبه مؤكد بسوق السلاح العالمي عبر توفير حلول فعالة من حيث التكلفة للدول التي لا تحتاج لأسلحة مكلفة وشديدة التعقيد. وسيؤدي أيضا إلى هبوطٍ في طلبات الأسلحة الأمريكية، الأوروبية الغربية، والروسية، مع اتجاه المزيد من الدول لشراء البدائل الصينية والهندية التي تتميز بأسعارها المعقولة.

سيكون لانتشار تلك الأسلحة الهجومية إلى حد كبير تأثير مزعزع للاستقرار في عدة مناطق حيث تضرب الخصومات جذورها. مع تجهيز الدول لجيوشها بأسلحة أكثر تطورا، قد يشعر جيران تلك الدول أنهم مهددون فيردوا بنفس الطريقة، ما سيؤدي لتصعيد حدة التوترات. وقد حدث ذلك بالفعل أثناء الحرب البادرة، عندما أدت التدفقات الضخمة من الأسلحة من قبل القوى العظمى إلى مفاقمة النزاعات الحادثة في العالم الثالث. حيث أدت صفقات الأسلحة السوفيتية إلى مصر وسوريا، على سبيل المثال، إلى تغذية العدوان العربي واشتدت حدة النزاع العربي الإسرائيلي.

كذلك تنتهي الحقبة التي تمتع فيخا الجيش الأمريكي بحرية التصرف بدون منازع في أنحاء المشاعات الدولية. ستسمح تلك الأسلحة للدول ذات ميزانية الدفاع المحدودة بامتلاك قدرات "منع الوصول/حرمان المساحة"، ما سيجعل من الصعب أن تتدخل الولايات المتحدة عسكريا دون سقوط قدر كبير من الخسائر في صفوفها.

يجب على صناع القرار الأمريكيين والأوروبيين أن يكونوا حذرين في قراراتهم بخصوص صفقات الأسلحة، وتحديدا للقوى الصاعدة. فتلك الصفقات المربحة جذابة بلا شك، خصوصا مع استجداء مصنعي الأسلحة لطلبات الشراء وسط التقشف المالي في الدول الغربية. إلا أن تلك الصفقات قد لا تؤدي فقط في النهاية إلى ظهور صناعات سلاح منافسة، بل إلى المزيد من زعزعة الاستقرار حول العالم.

 

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب