ما بعد أوباما: استعادة الريادة الأمريكية في الشرق الأوسط

مقال رأي

 

يعرف الرئيس أوباما بالتأكيد كيف يجذب انتباه العالم. فقد ضمنت نوبة غضبه حول دعوة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للحديث أمام جلسة مشتركة للكونجرس أن العالم كله سوف يستمع لنتنياهو بينما يعدد مخاوفه حول صفقةٍ نووية مع إيران.

يذكرنا ذلك المسلسل الدرامي بشدة بالحالة المؤسفة للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، والتي أدت إلى ابتعاد أقرب الحلفاء إلى أبعد ما يكون فيما يتعلق بالمشكلات الأكثر أهمية. وبينما قد يتضح مصير الاتفاق الإيراني خلال الأشهر القليلة القادمة، فسيستمر معظم التشوش والارتباك في الشرق الأوسط بعد أن يغادر أوباما منصبه. لذلك فقد حان وقت بدء التفكير في كيفية التعامل مع الفوضى التي ستخلفها تلك الإدارة خلفها.

لقد أساء الرئيس أوباما فهم المنطقة على جميع الأصعدة. ما سيصعب مهمة الفريق الرئاسي القادم، ليس فقط عبر استيعاب جميع أطر العمل المتعلقة بالشرق الأوسط الكبير، ولكن عبر تجنب المنطق السيء الذي يعكر كل ما فعله البيت الأبيض. وسأتناول هنا خمسة أطر عمل رئيسية:

اللعبة الكبرى

يمثل الشرق الأوسط منطقة هامة بالنسبة لبقية العالم. إن لم يكن كذلك لما اهتمت القوى العظمى بمصيره. لكن الشرق الأوسط يهم، فقد كان، ويظل، وسيظل ساحة تنافس جيواستراتيجي. لم تتجاهل أي إدارة بالبيت الأبيض حقيقة أن القوى الخارجية سوف تتصارع دائما على النفوذ في ذلك الجزء من العالم.

تولى الرئيس أوباما منصبه وكانت الولايات المتحدة، في أغلب الأحيان، هي القوة الأجنبية الوحيدة التي تتمتع بنفوذ ضخم في المنطقة. وكان رد فعله تجاه تلك الهيمنة الأمريكية هي التخلي عنها، فقد تجاهل الثورة الخضراء في إيران، وحزم حقائبه وانسحب من العراق، وتولى القيادة من الخلف في ليبيا، وانتهج سياسة خرقاء في سوريا، وظل في موقع المتفرج بالنسبة لبقية أحداث الربيع العربي.

حتى الآن، ومع مواجهة أزمة تنظيم الدولة الإسلامية، يفكر الكثيرون في المنطقة مليا في إجابة السؤال: إلى ماذا يرمي أوباما في النهاية؟

الجيواستراتيجية تمقت الفراغ. إن لم ترِد أمريكا القيادة، سيتدخل الآخرون ويجربون فرصهم. وذلك ليس جيدا للمنطقة ولا للولايات المتحدة. ليس لدى أي قوة خارجية أخرى القدرة على إحداث تغيير حاسم في المنطقة. علاوة على ذلك، تسعى الولايات المتحدة إلى هدف بناء للشرق الأوسط الكبير، وهو أن ترى شعوب الشرق الأوسط في أمان وازدهار، مع إمكانية انتقال البضائع والخدمات بحرية عبر المشاعات.

تراوح موقف الإدارة تجاه المنطقة بين اللامبالاة والتطفل في مشاريع شخصية غير حيوية مثل الترويج لقيام دولة فلسطينية. ستكون أول مهمة للإدارة القادمة هي استبدال ذلك الانحراف بجيواستراتيجية جادة لممارسة القيادة في الشرق الأوسط.

عش الدول القومية

من الخطأ التفكير في دول الشرق الأوسط كمجرد بيادق في لوح شطرنج عالمي. بالفعل تستمر اللعبة الكبرى، ولكن الدول المنفردة لها أهمية. مشكلة المنطقة أن الكثير من الدول ليست جيدة جدا، حيث تتسم بمستويات مرتفعة من الفساد، سوء الحكم، غياب دولة القانون، وضعف سجلات حقوق الإنسان.

تتمثل مشكلة أوباما في أنه لم يحاول أبدا أن يقدم الكثير لحل أيٍ من تلك المشكلات، حيث جسد مؤتمر أوباما عن التطرف العنيف، وتصريحات مسؤولي الإدارة التي أفادت أن محاربة الإرهاب كانت مسألة "أدوار"، عجز واشنطن. فلم تقدم هذه الإدارة أي شيءٍ تقريبا للإسهام في علاج نقاط الضعف الهيكلية الكامنة في الكثير من الدول المهمة استراتيجيا في ذلك الجزء من العالم.

تمثل تونس مثالا على تلك النقطة. إنها مهد الربيع العربي. وقد أخمد الشعب خطر استيلاء الإسلاميين على السلطة، والتزم المجتمع المدني والحكومة بالإصلاحات التي ستحقق الحرية الاقتصادية. وقدمت تونس للولايات المتحدة قائمة طويلة بوسائل يمكن من خلالها للولايات المتحدة مساعدتها في تحقيق تلك الإصلاحات. إلا أن ما تلقته من البيت الأبيض كان اكثر بقليل من التقاط بعض الصور.

ا تحتاج أي دولة للحرية الاقتصادية أكثر من مصر. فمن بين الدول الخمسين بالمنطقة، تصنف تلك القوة الإقليمية الهامة في مركزٍ منخفض، الثاني عشر، في المؤشر الأخير للحرية الاقتصادية، الذي تصدره مؤسسة "هيرتاج فونداشن" وصحيفة "وول ستريت جورنال". وتحتاج القاهرة لشركاء لدفع مبادرات السوق الحر، إلا أن الرئيس أوباما مستمر في التعامل مع قادة مصر كـ"منبوذين" أو أفضل قليلا.

يجب أن يكون تقديم أجندة لبناء حرية اقتصادية وحكم رشيد في المنطقة أولوية عليا بالنسبة للرئيس المقبل. وسيمثل ذلك تحديا حقيقيا بما أن معظم "أدوات التنمية" التقليدية لديها سجل أفضل كثيرا في نقل أموال الضرائب الأمريكية للآخرين بدلا من تقديم نتائج حقيقية. وفي النهاية، أموال الحكومة الأمريكية هي على الأرجح أقل الوسائل فاعلية في تحسين المعيشة في أنحاء المنطقة. ترويج إجراءات مثل تعزيز التجارة الحرة وإصلاحات الحكم التي تحارب الفساد وتحمي حقوق الملكية وتدعم سيادة القانون سوف تحقق نتائج أفضل كثيرا.

حرب الأفكار

يستمر صراع أيدولوجي كبير في أنحاء المنطقة، متجاوزا سياسات الدول العظمي وحدود الدول.إنها الحرب بين الحرية والاستبداد. فخلال القرنين الماضيين، قامت الفاشية، الشيوعية، والاشتراكية بمحاولاتها للتنافس مع الفكر الغربي المتحرر على قلوب وعقول شعوب ذلك الجزء من العالم. كذلك حاربت الإسلاموية لسحق الحداثة الغربية لمدة تجاوزت القرن. يتضمن الوجه القبيح للإسلاموية أمثال جماعة الإخوان المسلمين، الفكر الوهابي، تنظيم القاعدة، تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، والملالي الإيرانيين.

تحاشي أوباما ببساطة المشاركة الجادة في هذه الحرب. عبر رفضه استخدام كلمة "إسلامي"، يتخلى أوباما عن قضية الكثيرين في المنطقة، الذين يحاولون أن يرفضوا المعتقدات الدينية المتطرفة، ويبرر لوجود نظام سياسي متعصب يفرض نفسه عادة باستخدام أكثر أشكال العنف إثارة للذعر. خطاب أوباما منفصل بشدة عن الصراع الفكري في المنطقة لدرجة أن جميع الأطراف – بداية بالمصلحين التحرريين وحتى سفاحي داعش- لا تأخذه على محمل الجد. بل يعزز أوباما بالفعل رسالة الإسلاميين عبر ترديد روايات الأعداء – على سبيل المثال عندما ذكر الخطايا المزعومة للغرب بداية بالحملات الصليبية وحتى الاستعمار- بأنها بالفعل حرب الإسلام ضد الغرب.

إلا أن الأمور أفضل قليلا في جوانب أخرى من تلك "الدبلوماسية الذكية". فالأدوات الأمريكية للدبلوماسية العامة، مثل مجلس محافظي البث الإذاعي، مشوشة أو تبث رسائل ملتوية و"غير محددة" لا تقنع احدا.

مجرد تصحيح جهود الدبلوماسية العامة لن يؤدي لكسب حرب الأفكار في جزءٍ من العالم يحظى فيه القوي بـ"الشرف" و"الاحترام". ولكن لترجيح كفة حرب الأفكار، سيكون من الضروري إلحاق هزائم عسكرية ساحقة بأمثال داعش والقاعدة، والإسهام في تهميش المؤثرات المدمرة مثل إيران، حزب الله، حماس، والإخوان المسلمين، ودعم أبطال الحرية من أهل تلك البلاد.

الانقسام الطائفي

لم يكن الانقسام الكبير بين الشيعة والسنة أبدا بعيدا عن سطح الكثير من صراعات المنطقة. لذا فأي استراتيجية تسعى لصياغة مستقبل المنطقة يجب أن تضعه في الاعتبار.

لم يكن أوباما ليستطيع أن يجعل الأمر أسوء في هذا السياق. حيث يعتقد الكثير من السنة أن اتفاق أوباما النووي مع إيران محكوم عليه بالفشل، تاركا اياهم في مرمى برنامج إيران النووي. كما يعتبرون حوار الإدارة المكرس مع إيران دليلا على انحياز واشنطن للشيعة على حساب السنة.

ليس هناك إجابة سهلة لرأب الصدع بين السنة والشيعة. ولكن يمكن للإدارة القادمة أن تبدأ بالكف عن القلق حول الشعور المتبادل بين الطوائف المختلفة، والبدء في القلق حول شعور تلك الفصائل تجاهنا. يبدأ بناء الثقة مع الفصائل المختلفة بكسب احترامهم، وليس بأن نجعلهم يعجبون بنا، وليس عبر استيعاب أي طرف (وخصوصا، الأنظمة على غرار النظام الإيراني)، أو نزف الدماء معهم حتى يصدقوا أننا إلى جانبهم. كلما احترم السنة، الشيعة، المسيحيين، الأكراد، والأطراف الأخري القوة الأمريكية والحماية التي توفرها، سيرجح أن يتعاونوا معنا، بل ومع بعضهم البعض.

القبائل

من بين جميع القوى التي تنشط الأحداث الجارية في المنطقة، تعتبر العلاقات القبلية الأقدم والأكثر استمرارا. وهنا، يبدو أن الإدارة جاهلة بتلك الحقيقة. أكثر مفكريها "دراية" بذلك الشأن هو نائب الرئيس جو بايدن، والذي اقترح تقسيم الدول المشابهة للعراق إلى "إقطاعيات قبلية" صغيرة.

إلا أنه لا يمكن تأمين مستقبل المنطقة عبر محاولة إعادة تنظيم حدود على طول الحدود القبلية القديمة. أولا، لن يحترم أحد تلك الحدود، حيث ستنتج المزيد من الحروب القبلية بدلا من الحروب بين الدول. ثانيا، الروابط القبلية في المنطقة ليست متماثلة ولا ثابتة. فعلى سبيل المثال، في الأردن تقع الهياكل القبلية التقليدية تحت قدر كبير من التوتر.

يجب أن يكون وضع التأثيرات القبلية في الاعتبار جزءا من استراتيجيات تطبق على الأصعدة الإقليمية، دون الإقليمية، وداخل الدول، والتى تتداخل مع بعضها كدمى ماتريوشكا. إنه عمل شاق. وحتى تطور الولايات المتحدة علاقات وخطوات بناءة في المنطقة، يجب أن تجتذب طبقة أفضل من الخبراء في مجلس الأمن القومي، وزارة الخارجية، مجتمع الاستخبارات، والبنتاجون.

لا تستطيع الولايات المتحدة أن تتحمل تكلفة مستقبلا متأرجحا بين حروب جورج دبليو بوش، ولامبالاة أوباما (وحروبه). السبيل الوحيد لحماية مصالحنا وممارسة دور قيادي حقيقي هو عبور الحلقات الخمس التي تصنع العقل الجمعي للشرق الأوسط.

يجب أن تقوم الاستراتيجية المستقبلية للولايات المتحدة على بناء علاقات ثنائية قوية مع الدول الرئيسية. تلك العلاقات سوف تتيح للقادة الأمريكيين مرونة بسط النفوذ على جميع المستويات الخمسة للصراع الإقليمي وخلق حاجز أمام القوى التدميرية التي تحاول تمزيق الشرق الأوسط. قد تبدأ تلك العلاقات الثنائية في جوهرها مع سلسلة من الدول تبدأ بتونس، وحتى المغرب، مصر، إسرائيل، الأردن، والعراق.

سيحتاج الرئيس المقبل لتبني أسلوب أكثر تعقيدا، استباقية، وجدية بكثير تجاه الشرق الأوسط الكبير، عن الأسلوب الذي شهدناه خلال السنوات الست السابقة.

 

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب