مصر تجبر على التفاوض حول سد النيل

مقال رأي

ملخص

سيسافر الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، إلى أديس أبابا، يوم 23 مارس، لمخاطبة صُنّاع القانون الإثيوبيين قبل سفره إلى السودان للتوقيع على اتفاقية حول سدِّ النهضة الإثيوبي الكبير. تفاصيل الاتفاق غير معروفة، لكنه يهدف إلى الموازنة بين مصالح إثيوبيا الاقتصادية ومخاوف مصر الوطنية. اتفقت إثيوبيا ومصر والسودان، يوم 6 مارس، على مباديء أوليّة حاكمة للتعاون في مجال مياه النيل. وقد أتى ذلك بعد قرار اتخذته مصر، يوم 21 فبراير، بالعودة إلى مبادرة حوض النيل، وهي مجموعة كانت قد قاطعتها لمدة خمس سنوات.

يمكن للسدِّ الإثيوبي أن يُهدد حصول مصر على مياه النيل - وهو مدخل حاسمٌ لكفاية سكان مصر واقتصادها –؛ لأنه سيعطي أديس أبابا القوّة لإيقاف تدفق المياه. تحتاج مصر إلى ضمانات بأن ذلك لن يحدث. ومع ذلك، فإنّ تقسيم النيل وفروعه (النيل الأزرق والنيل الأبيض) بين تسع دول مختلفة يجعل من الصعوبة حدوث اتفاقية مستقرّة. كان أسلوب مصر، حتى وقت قريب، هو دفع إثيوبيا إلى إلغاء السدِّ كليةً - الطريق الوحيدة كي تضمن القاهرة تدفق النيل. لكن مع اكتمال 40 بالمئة من المشروع، فإنه يجب على  مصر أن تحوّل مسارها وتسعى إلى اتفاقية صلبة حتى ولو كانت متأكدة أنها لن تستمر إلى الأبد.

التحليل

أتت اتفاقية 6 مارس من لقاء كانت مدته ثلاثة أيام بين وزراء من مصر وإثيوبيا والسودان، في الخرطوم، وقد وضع اللقاء مباديء حاكمة تلت شهور من المفاوضات مع الاعتراف بمخاوف مصر الأمنية وبحق إثيوبيا في استخدام مواردها المائية للتنمية الاقتصادية. ليس الاتفاق نهائيًا مع ذلك وسيفتح المجال لدورات لاحقة من المحادثات. والأمر نفسه صحيحٌ فيما يخص اتفاقية 23 مارس.

تعتمد إثيوبيا والسودان ومصر إلى درجة ما على مياه النيل، لكن إثيوبيا والسودان كدول أعالي النيل لهم مميزات جيوسياسية. وللبلدين إمكانية تنظيم التدفُّق إلى أسفل، لكن ليس بنفس القدرة على التعطيل. على الجانب الآخر، وبما أنها الأخيرة في صف من تسع دول، تعتمد مصر على التدفُّق المستمر والذي يوفّر 85 بالمئة من مياه وادي النيل حيث يعيش تقريبًا جميع سكان مصر الـ 82 مليون .

ما يجعل الأمور أسوء بالنسبة إلى مصر هو الهشاشة الحالية للبلاد. تخرج القاهرة، منذ وقت قريب، من فترة فوضى سياسية. وقد استغلت إثيوبيا الفوضى في مصر كي تبدأ في إنشاء السدّ في بداية 2011.

يعمل السيسي، رئيس مصر، على التوازن بين الفصائل السياسية وإعادة إحياء الاقتصاد المعتلّ. يعتمد اقتصاد مصر إلى حد كبير على صادراتها من القطن وتحتاج البلاد إلى واردات ثابتة من القمح للإطعام السكان. وفي السنة المالية 2013 – 2014، بلغت واردات القمح 55 بالمئة من الاستهلاك المحلي. قد يكون أي انقطاع للمياه في المستقبل كارثيًا على مصر.

كما تحتاج إثيوبيا إلى نهر النيل ولكن لأسباب مختلفة. فالنمو المستدام أساسي لتخفيض معدلات الفقر العالية في البلاد ومن أجل توزيع الموارد بهدف تعزيز الفصائل العرقية العديدة. وعلى إثيوبيا أن تسعى إلى استراتيجية لجذب تصنيع المنتجات منخفضة التكلفة. ومع ارتفاع الطلب على الطاقة المحلية بمعدل 20 بالمئة سنويًا وحصول 35 بالمئة فقط من السكان على كهرباء؛ فإنّ الأمر يتحول إلى نوع من التحدي. ستجذب الكهرباء الزائدة الرخيصة، بالإضافة إلى معدّل السكان العالي في إثيوبيا والأجور المنخفضة، صناعات أكثر إلى البلاد. وترى الحكومة إمكانيات الطاقة المائية الإثيوبية، والتي تقدّر بـ 45000  ميجاوات، كتحصين ضمني للاقتصاد. من المتوقّع أن ينتج سدُّ النهضة الإثيوبي، الذي من المفترض أن ينتهي العمل فيه عام 2017، حوالي 6000 ميجاوات من الكهرباء مضيفًا هذا الكم إلى إنتاج إثيوبيا الحالي البالغ سعته 2000 ميجاوات. وستساهم المشاريع الأخرى بـ 2000 ميجاوات مما يرفع إجمالي الإنتاج إلى 10000 ميجاوات. ولدى أديس أبابا بالفعل الخطط لبيع الكهرباء إلى كينيا وجيران آخرين لتنمية الدخل.

حدود مِصر

ليس لدى مصر الكثير من الخطط لمواجهة خطط أثيوبيا. ليس للقاهرة القدرة على إيقاف السدّ عسكريًا قبل بنائه أو تشكيل خطر حقيقي لاستمرار عمله. هو ببساطة بعيدٌ جدًا عن مجال مصر الجوي وليس لدى القاهرة قدرة على التزوّد بالوقود جوًا أو الوصول إلى القواعد السودانية القريبة.

وقد عادت مصرإلى السعي إلى شركاء دوليين للضغط على إثيوبيا، لكن القاهرة فشلت في جمع المساندة الكافية. أثبتت أوروبا والولايات المتحدة ودول الخليج وتركيا أنهم غير مستعدين إلى دفع إثيوبيا دبلوماسيًا. ويحتفظ الأوروبيون والأمريكيون بصلات قوية مع إثيوبيا لمحاربة الإرهاب في القرن الإفريقي. لدى الدول الخليجية، خاصّة السعودية، اهتمامات اقتصادية استراتيجية في القطاع الزراعي الإثيوبي. تستثمر تركيا، وهي لاعبٌ إقليمي مهمٌ، بكثرة أيضًا في قطاع الصناعة الإثيوبي، وبالتالي فهي مهتمة بالإنتاج المتزايد للكهرباء وليس بوقف السدّ.

هذا الطريق المسدود والتقدّم الحاصل في بناء السدّ بما يتجاوز المراحل الأوليّة ترك لمصر اختيارًا واحدًا فقط: التفاوض.

معوّقات السدّ

بالرغم من مميزاته الاستراتيجية إلا أن إثيوبيا قد قابلت معوّقات خطيرة في جهودها لتكملة السدّ. سيتأخر موعد انتهاء العمل الحالي، 2017، في الأغلب بسبب قيود التمويل. وقد فشلت محاولات إثيوبيا في طلب تمويل من البنك الأوروبي للاستثمار والبنك الإفريقي للتنمية والحكومة الصينية. كان ذلك بشكل أساسي بسبب الدين الوطني الإثيوبي - هي ديون تبقت من مشاريع أخرى. إنّ الخلاف حول مشروع السدّ جعل المستثمرين يمانعون في توفير التمويل أيضًا.

إنّ قدرة أديس أبابا على تمويل المشروع محل تسائل الأن. تقدّر القيمة الإجمالية للسدّ بـ 5 مليارات دولار. وقد لجأت أديس أبابا للإثيوبيين لجمع الأموال عبر مساهمات إجبارية من الدخل لكل مواطن ومن خلال إصدار سندات عامة. ولم يجمع هذا التوجه أكثر من 400 مليون دولار حتى الآن. كما خصّصت الحكومة أيضًا مبلغًا غير معروف من الميزانية الوطنية للتويل، لكن الميزانية نفسها هي مورد محدود.

أتت مصر وإثيوبيا لطاولة المساومة بسبب القيود التي يتعرض لها الطرفين. تعرض مصر الآن تخفيف معارضتها للسدّ في مقابل ضمانات بأن إثيوبيا ستضمن تفقدًا غير متقطع لمصر. ومن المرجّح أن يركّز ذلك على المرحلة التالية للانتهاء من السدّ مباشرة. يحتاج مخزون السدّ إلى حوالي 74 مليار متر مكعب من المياه و هو ما سيستغرق 3-5 سنوات بما يعتمد على حجم المطر الذي سيسقط. يعني هذا أنه من الممكن أن يحدث تقليل في التدفق مما يثير مخاوف القاهرة في مجال الأمن. سيكون على الطرفين التفاوض حول هذه الخطوة بحرص والقيام بدراسات تقييمية مستقلّة ومختلفة.

أيًا كان الاتفاق الذي سينتج عن هذه المفاوضات فإنه سيكون على مصر الالتزام به بدون خيار عسكري ولا ضمانات أجنبية؛ فإنّ إثيوبيا لديها القدرة على خرق الاتفاقية عندما تحتاج إلى ذلك. لذا فأيًا كانت الاتفاقية فإنّه من المرجّح أن يكون هناك استمرار في التوتر بسبب هذا المشروع على الأقل على المدى القصير.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب