ملحمة سعودية

مقال رأي

على الرغم من مرورها دون أن تُلحظ من قِبل الإعلام الدولي كثيرًا، إلا أنها كانت واحدة من أكبر حالات سقوط الشركات في الانهيار الاقتصادي وأكبر أزمات الائتمان التي ضربت التكتلات التجارية العائلية في الشرق الأوسط.

يتدبّر أكثر من مئة بنك في خسارتهم لعدة مليارات من الدولارات منذ أن تخلّفت شركة أحمد حمد القصيبي وإخوانه (أهاب) عن السداد عام 2009. نتج عن ذلك شبكة معقدة من الادعاءات والادعاءات المضادّة التي تُنظَر في السعودية والبحرين وأمريكا وبريطانيا وسويسرا وجزر الكايمان. سُئل أحد المستثمرين المخضرمين إن كان قد تورّط في أي فشل تجاري أكثر صعوبة من ذلك فردّ بسخرية مريرة "نعم، مررت بذلك عبر المريخ".

وصفت المواجهة بـ "الحرب المتجمدة" مع عدم قدرة أهاب ودائنيها على الاتفاق لفترة طويلة. ما يزال بعض المشاركين فيها، بعد مرور ست سنوات، غير قادرين على رؤية نهايتها. لكن يقول آخرون إنهم قد استشعروا علامات على ذوبانها. إن كانوا على حق فسيأتي ذلك في وقت مفيد بالنسبة للسعوديين المتحمسين لجذب رأس المال الأجنبي للمساعدة في تمويل مشاريع البنية التحتية.

تشير الادعاءات والادعاءات المضادّة - التي لم يتم الفصل فيها بعد - إلى مشاكل مع الحوكمة التجارية والمالية التي ستعمل على إيقاف أي مستثمر عاقل.

تفرّعت أهاب التي أسستها عائلة القصيبي (وصورتها بالأعلى) السعودية من بداياتها في صيد اللؤلؤ والزراعة إلى التمويل وتعبئة المشروبات الغازية وإطارات السيارات ومجالات أخرى. وبينما ينمو العمل نما أيضًا عدد أعضاء العائلة أصحاب المصلحة. من بينهم ابنة أحد المؤسسين التي تزوجت من معن الصانع وهو ملياردير سعودي من أصل كويتي. السيّد الصانع هو رئيس مجموعة سعد وهي شركة استثمار كبرى، وكان في قت ما مساهمًا كبيرًا في البنك الدولي اتش اس بي سي.

أصبح السيّد الصانع بعد زواجه من إحدى أفراد العائلة مسؤولًا عن شركات الخدمات المالية التابعة لأهاب. وقد اقترضت تلك الشركات بسخاء. من بينها شركة المبادلات المالية التي اقترضت أكثر من 120 مليار دولار بين 2000 و2009 – وهو مبلغ ضخم بالنسبة لشركة إقليمية في مجال التحويلات وتغيير العملة. الكثير من هذا الاتمان البنكي تم منحه بدون ضمانات على أساس "إقراض الاسم" – حيث يكون لسمعة المقترض ثقلًا أكبر من حالته الاتمانية.

تبدأ المشاكل

بدأت حالة المجموعة المالية تتضح في العام 2009 عندما بدأت البنوك التي أثقلتها الأزمة تقدّم قروضًا جديدة. تخلف بنك TIBC البحريني المملوك لمجموعة أهاب، في مايو 2009، وتبعته المبادلات المالية. قدمت عائلة القصيبي، في الصراع القانوني اللاحق، ادعاءً مذهلًا تم تحديه بشراسة: كانوا ضحية عملية نصب كلفت 9 مليارات دولار أدارها السيّد الصانع – الذي ادعوا أنه امتلك سيطرة كاملة على الشركات المالية المنهارة.

ادعت عائلة القصيبي أن السيّد الصانع "استولى على اسم واعتماد" العائلة. واتهموه بممارسة قبضة حديدية على الأقسام المالية كي يشترك في اقتراض ضخم غير مصرّح به باسم أهاب أو بضمانها وبمساعدة معاونة مستندات مزوّرة وتسريب الحصيلة إلى شركاته بما فيها عدة شركات في جزر كايمان. تدّعي العائلة أنها لم تتلق سوى أرباح قدرها 146 مليون دولار من المليارات العديدة التي تدفّقت عبر فروع أهاب المالية بين 2000 و2009.

قررت محكمة في كايمان، عام 2011، أنه كان هناك "أدلّة قوية على نمط من المدفوعات الضخمة" إلى مجموعة السيّد الصانع "لا يمكن تفسيرها بالنظر إلى طبيعة أعمال أهاب". ووجدت المحكمة أنه كان هناك "عدم أمانة واضحة وقد أصبحت مثبتة الآن" مدللة على ذلك بمثال أن السيّد الصانع قد كتب شيكات بمبلغ 2 مليار دولار لنفسه ولشركاته.

من بين الادعاءات التي تم الاختلاف عليها بشراسة والتي لم تحسم إلى الآن في أي محكمة هو الادعاء بأن TIBC كان بنكًا وهميًا بزبائن وقروض وهميين وأنه قد أنشيء كآلية لتحويل الأموال التي يتم إنتاجها في السوق البنكي من البنك إلى شركات السيد الصانع. يدّعي أفراد العائلة أنهم لم يعلموا بمجرد وجود TIBC وتدّعي أهاب أن القروض تم استخراجها وتحويلها باستخدام خطابات ائتمان تدعمها صادرات غير موجودة في الحقيقة وأن التحويلات المالية لم يكن لها فحوى حقيقية وأن دورها مثل دور TIBC  تمثل في اقتراض أموال لتمويل شركات السيّد الصانع.

تتضمن الأمور الأخرى التي تنتظر التحديد ادعاءات من قِبل خبراء مستقلين بأن توقيعات عائلة القصيبي على 89 وثيقة كانت مزوّرة. ويؤكد السيّد الصانع أن التوقيعات أصليّة.

ويُعتقد أن السيد الصانع في السعودية بسبب قرار بمنع سفره. وقد نفى أي إساءة تصرف على الإطلاق. وهو يصر على أنه بعيد جدًا عن امتلاك هذه مليارات بل إن العائلة تدين له بأموال عبر كمبيالات. ويشير محاموه إلى أن المحاكم في دبي وأبو ظبي والبحرين التي نظرت في مديونية أهاب لم تجد أي دليل على التزوير.

تم تقويض ادعاءات العائلة بأنهم لم يعرفوا أي شيء حول الاقتراض عندما ظهرت ملفات تظهر أن أحد الشركاء في أهاب تنبه إلى بعض المعاملات في 2000-2002. وقد أدّى ذلك إلى أن ترفض محكمة إنجليزية الادعاء بأنه لم يكن لديهم فكرة عن القروض.

تشير العائلة إلى أن هذه المعاملات أجريت قبل الكتلة الأكبر من القروض. وهي تستمر في الإصرار على أنها لم تكن على علم بأغلبية القروض. قال ممثل لهم: "الأساليب التي اتبعها  السيّد الصانع للحصول على تمويل باسم أهاب كالوثائق المزورة... لم يتم التصريح بها وقد تم تصميمها بحيث لا يكشفها شركاء أهاب والمقرضين والمنظمين... لِما توقع العائلة على برنامج من القروض يكاد يكون من المؤكد أنه سيدمّر إمبراطورية تجارية استغرق بنائها سنوات؟".

يبدو أن الحسم القانوني ما يزال بعيدًا. وقد كان رد السيّد الصانع على عدد من الادعاءات والشكاوى هو تحدّي سلطة المحاكم - بما فيها المحاكم السعودية - والسعي إلى صرف الدعاوى. وقد حصلت أهاب على حكم ضدّه بمبلغ 2.5 مليار دولار في جزر كايمان بعد أن تحدّى سلطة المحكمة وفشل في تقديم دفاع. صمد الحكم نفسه ضد تحدي جرانت ثورتون المصفي لبعض الشركات المرتبطة بسعد، لكن لم يتم الاعتراف به من قِبل المحاكم الأجنبية.

ردّ السيّد الصانع على حكم كايمان بأنه مجرد حكم مؤقت. "مجرد أمر إداري" تم إصادره بعد أن تحدّى حق المحكمة في نظر القضية وبدون مراجعة مفصّلة لمزايا القضية. وقد أشار محاموه أن أهاب لم ينجحوا في أي عمل أخر. توقفت شكوى قدمتها أهاب في البحرين بعد أن قرر المحققون ألا يتابعوا القضية. وكرد على سؤال من الإيكونوميست قال محامو السيّد الصانع أيضًا إنه "غير مستعد لمراجعة دفاعه في الإعلام قبل أن يتم الاستماع إليه والفصل فيه من قِبل محكمة متمكنة."

عدد من الأسئلة غير المجابة

تبقى أمور كثيرة غير واضحة على الرغم من التنقيب الذي قام به المحققون الخاصون والحكوميون والمحاسبون الشرعيون والمحامون منذ 2009. مدى وطبيعة دور السيّد الصانع موضوع لخلافات شرسة. كما أنه ليس واضحًا لماذا وافق رجال أموال أجانب أصحاب خبرة على أن يتم تأجيرهم كرؤساء اسميين لأعمال أهاب التي على ما يبدو أنهم لم يديروها - أو لماذا لم تراقب العائلة هذه الشركات عن كثب.

هناك أسئلة لم تتم الإجابة عنها ينبغي أن توجه لمقرضي أهاب. لماذا أقرضت عشرات البنوك الأجنبية التي يفترض أنها راقية مجموعة لا تعرف الكثير عنها بوضوح؟ حتى وإن ظنوا أن السيّد الصانع يعمل بتكليف كامل فهل كانت أهاب صاحبة ائتمان جيّد لدرجة أن تستحق مثل هذه القروض الضخمة غير المؤمّنة؟ تدّعي العائلة أن أيًا من البنوك لم تتصل بالشركاء حول المستوى غير المسبوق من الإقتراض أو للسؤال عن أدلة تتعلق بكيفية صرف الأموال. مهما كانت حقيقة الادعاءات والادعاءات المضادّة فإن المقرضين سيسألون أنفسهم الآن إن كان من الحكمة الاعتماد بكل هذه القوة على السمعة القوية للقصيبيين والسيّد الصانع عندما القيام بمثل هذه القروض الضخمة للشركات.

أمّا عن أين ذهبت الأموال المقترضة فإنه يُعتقد أن تكون عشرات المليارات قد مرّت عبر نيويورك مع عمل عدد من البنوك الدولية في غسيل الأموال لهذه المعاملات. ويثير هذا الأمر أسئلة محرجة ضمنيًا حول مستوى الإشراف بين البنوك المعنية والمراقبة التي يمارسها منظموها.

للبنوك التي تقاضي أهاب مستحقات بقيمة 5.9 مليار دولار. ثلث هذه الديون لبنوك مقرّها في السعودية أو مملوكة لسعوديين أمّا البقية فلبنوك في مناطق أخرى من الخليج أو أبعد من ذلك – بما في ذلك بي إن بي باريبا وستاندراد تشرتد. هناك مبلغ غير معلوم من الديون في أيدي مستثمرين في الأسواق الثانوية.

التقت أهاب، في محاولة لحل هذه الادعاءات، بالدائنين الأجانب في الصيف الماضي ومن ثم عرضت دفع 20 سنتًا لكل دولار (عشرة فورًا وعشرة بعد خمس سنوات) بالإضافة إلى - على الأقل - نصف أي مبلغ يعود من تقاضي ضد السيّد الصانع. يقود سيمون تشارلتون، المدير التنفيذي لأهاب، مفاوضاتها وهو محاسب قانوني سابق مع دلويت.

أشار أربعة أخماس البنوك، وجميعها تقريبًا ليست سعودية، إلى أنهم سيدعمون أي مجهودات للوصول إلى إجماع لكن ليس على العرض الحالي. قدموا قريبًا عرضا مقابلًا (لم يكشف عن تفاصيله). قال السيد تشارلتون إنه أصبح أكثر تفاؤلًا بأنه من الممكن الاتفاق على صفقة هذا العام. لكن ما يزال يشعر الدائنون بأنهم يتحركون في الظلام. ويبقى الإطار القانوني السعودي لتحديد وتعيين حقوق الدائنين بدائيًا وغير واضح في عدة نواح بالرغم من بعض الإصلاحات المتواضعة الحديثة. يقول مستشار للبنوك "حتى وإن أمكن عقد صفقة فلا أحد متأكد من كيفية تطبيقها في القانون السعودي."

كما أنه ليس واضحًا ما هي الأصول المتاحة للدائنين. لأهاب مصالح في عقارات ومنتجات صناعية وشركات وجبات سريعة ضمن أشياء أخرى. لكنها غير مطالبة بإشهارها بالتفاصيل كما قال أحد الدائنين الذي يشبه العملية بـ "حروب التخزين" وهو برنامج تلفزيوني يضارب فيه المشاركون على محتويات خزائن لا يعلمون ما بها.

الأسوء أن السعودية لا تملك المقابل الغربي لـ"خطة الترتيبات" والتي يمكن عبرها إجبار الدائنين غير المتعاونين على القبول بإعادة تنظيم الشركة إن كان من يملكون 75% من مبلغ الدين موافقين. سيحتاج ذلك في حالة أهاب إلى موافقة ثلثي الدائنين على الأقل وربما ثلاثة أرباعهم لامتلاك الثقة في أن الصفقة سوف تتم. لكن لا أحد متأكد.

يعني ذلك أن بنوكًا سعودية أكثر يجب أن تنضم. وقد بقيت هذه البنوك مترفعة وباحثة عن معاملة تفضيلية بينما تسعى وراء أهاب بشكل فردي. يحسب للحكومة رفضها الخضوع لهم. يجب في القانون السعودي أن تعامل جميع البنوك بشكل مساو كدائنين مضمونين. ربح بنكان سعوديان تحكيمًا ضد أهاب لكن المحاكم قامت فعليًا بتعطيلهم بينما تستمر المباحثات مع الدائنين الآخرين.

قال أحد المشاركين أن قاضي سعودي أشّر إلى أنه سيكتب للبنوك السعودية كي يحثّها على الانضمام إلى أي صفقة يتم توقيعها مع الدائنين الأجانب. لكنهم ربما يستمرون في المقاومة ما لم تجبرهم الحكومة على المشاركة - وقد أبدت ما يشير إلى أنها ستفعل. قال أحد الدائنين الأوروبين "يميل المسؤولون إلى وجهة نظر مفادها أن هذا خلاف خاص بين شركات مع أنها في الأغلب لا تستطيع حلّه بدون ضغط من أعلى. هذا ما يقطع العملية بأكملها".

نظرية الحثّ

لا يُتوقع أن يوافق المسئولون السعوديون على صفقة لا تتضمن البنوك الملحية. ويعتقد المتفائلون أن الحكومة أصبحت أكثر استعدادًا لحثهم على الانضمام للعملية لأنها تريد جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية للتقليل من اعتماد البلاد على النفط والمساعدة في تطوير البنية التحتية المحلية. من ضمن إشارات الارتفاع في الجو الإيجابي للاستثمار هو التخطيط لافتتاح سوق أسهم بالبلاد وهو سيكون الأكبر في المنطقة، لتوجيه الاستثمار من قِبل الأجانب المتوقع أن يحدث في العام الحالي.

أفضل ما يمكن أن يطمح إليه الدائنين الأجانب هو اتفاق مع أهاب أقل من الحد المقبول في وقت ما من 2016، حتّى لو بدأت البنوك السعودية في التعاون اليوم. يمكن أن يتعقّد تشكيل الوحدة على نحو أكبر باشتراك كيانات غير بنكية اشترت الديون بعد التخلف عنها.

إذا ثبت أن المستوى المطلوب من المساندة – من الدائنين أو الحكومة – غير قابل للتحقق فإن مستقبل هذه الملحمة يمكن أن يثبت أنها أطول كثيرًا من ماضيها. لدى السعودية نوعًا من النظام لتعيين من يقومون بتسييل وبيع وتوزيع الأصول في حالات عدم القدرة على الوصول إلى اتفاقات خاصة. لكن هذا أيضًا غير مختبر على مثل هذا المستوى. يقول محامي "نحن نستشرف عشر سنوات أخرى أو أكثر والتعافي لا يمكن التكهن به."

إنّ حل هذا المأزق إختبار مهم للمدى حرص السلطات السعودية على تبني معايير ترضي المستثمرين الأجانب وعالم الأعمال للتعامل مع فشل الشركات. لسوء الحظ فإن الضغط الخارجي من أجل التغيير لم يكن قويا كما يمكن: البنوك الأجنبية لم تتوقف عن إقراض المملكة، وممارسة "الإقراض بضمان السمعة" لازال مستمرا ولكن على نطاق أصغر. يزفر أحد المقرضين أن السعوديين "لم يتم تعليمهم الدرس كما يجب".

بالإضافة إلى ذلك، على الرغم من المحاذير التي فرضتها المحكمة على استخدام بعض الأصول – فقدت عائلة القصيبي عقدها المربح لتعبئة البيبسي في العام الماضي نتيجة لذلك - إلا أن العائلة والسيد الصانع لم يعانوا من أي ضغط يحطم الامبراطورية مما يخفّض دافع كلاهما للبحث عن توافق. إنه سبب إضافي كي تصبح قضية القصيبي تحذيرًا لأي شخص يسعى لإقراض أو استثمار في المملكة.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب