هل تغزو إيران الشرق الأوسط؟

مقال رأي

يعتبر الكثير من المحللين صعود الحركة الحوثية في اليمن، الميليشيات في العراق، حزب الله في اليمن، بل والجيش العربي السوري الخاص ببشار الأسد دليلا على التوغل الشيعي الإيراني الواسع النطاق في الشرق الأوسط. وتعتبر حملة القصف السعودية في اليمن، القصف الإسرائيلي الأخير لقواعد تابعة لحزب الله جنوبي سوريا، واضطراب مجلس التعاون الخليجي بشأن حملة تحرير مدينة تكريت، جميعها نتائج لنظرية "الهلال الشيعي"، وهو وصف صاغه ملك الأردن عبد الله الثاني. ولكن هل إيران بالفعل دولة معتدية؟ وهل التطوراتعلى الأرض في الشرق الأوسط يتم التخطيط لها أو فرضها من قِبل طهران؟

إنها مغالطة قديمة أن تفسر السياسات المحلية عبر النافذة الجيوسياسية، وهو أسلوب تفكير منتشر في أوساط نخبة السياسة الخارجية وأدى لحدوث نزاعات غير ضرورية، بل وحروب أيضا. التحليلات المستقطبة جيدة فقط للمجمع الصناعي العسكري. فقد اجتاحت الولايات المتحدة لبنان عام 1958، ظاهريا بحجة أن المزارعين الدروز المحتجين على حكومة كميل شمعون كانوا عملاء للشيوعية. واعترف لي من قبل مسؤول متقاعد بوزارة الخارجية بأن الكثيرين في واشنطن كانوا متأكدين من أن الإطاحة بشاه إيران عام 1979 بواسطة آية الله الخميني تم التخطيط لها في موسكو. على الجانب الآخر، قابلت دبلوماسيا سوفيتيا في مؤتمر بواشنطن العاصمة عام 1981، واعترف لي بأن بلده ببساطة لم تتمكن من فهم جمهورية إيران الإسلامية، وكانت مقتنعة بحتمية أن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية وراءها. قد أجزم بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والعديد من المحللين السعوديين والخليجيين قد وقعوا في فخ هذه "المغالطة الجيوسياسية".

لا يمكن اعتبار الميليشيات الشيعية العراقية أدواتٍ إيرانية. فكتائب السلام (جيش المهدي سابقا) الخاصة بمقتدى الصدر مكونة في معظمها من شباب الأحياء الفقيرة العرب، الذين عادة ما يتشككون في النفوذ الأجنبي والفارسي. لقد أصبح هؤلاء الشباب مسلحين ومن سكان الأحياء الفقيرة نتيجة للعقوبات الأمريكية وعقوبات الأمم المتحدة في التسعينات، والتي دمرت الطبقات المتوسطة العراقية، ثم فاقم الاحتلال الأمريكي عام 2003 أوضاعهم. كما أن حزب الدعوة الحاكم والذي ينتمي إليه رئيس الوزراء حيدر العبادي لا يقبل بنظرية الحكم الديني الخاصة بإيران، واختار العديد من رموز حزب الدعوة في الثمانينات والتسعينات العيش في المنفى في لندن أو دمشق عن قبول السيادة الإيرانية.

حاليا، أدى ظهور تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) لارتماء الأحزاء الشيعية والميليشيات العراقية في أحضان إيران، بسبب المذابح التي يرتكبها داعش بحق الشيعة. ولكن التحالف عرضي ولا يمكن اعتباره بسبب الفكر الشيعي المشترك.

ينحاز تنظيم حزب الله اللبناني بقوة لجانب إيران. ولكنه تشكل حوالي عام 1984 تحت وصاية حزب الدعوة العراقي في المنفى، وكان مشروعه الرئيسي إنهاء الإحتلال الإسرائيلي لنسبة 10 بالمئة من الأراضي اللبنانية، والذي بدء عام 1982. أما منافسه، حزب الأمل، فكان أكثر انتماءا للطبقة الوسطي وأقل اتصالا بإيران، رغم أنه تكون من أفراد شيعة. ويشير مسح اقتراع الناخبين إلى أن حوالي نصف المقترعين الذين يصوتون لحزب الله بين اللبنانيين الشيعة غير متدينيين، إنهم يدعمون حزب الله لأسباب قومية ويسعون للدفاع عن أنفسهم أمام التوغلات الإسرائيلية.

يبلغ عدد سكان لبنان حوالي 4 ملايين نسمة، وتمثل طائفة الشيعة الإثنى عشرية حوالي ثلث السكان، أي حوالي 1,3 ملايين نسمة، أغلبهم أطفال. وتعتبر الطريقة التي بنى بها حزب الله في المخيلة الغربية كقوة رئيسية غريبة قليلا، في ضوء أن قوامه آلاف المقاتلين فقط. يتمتع حزب الله حاليا بتحالف قوي مع مسيحيي ودروز لبنان لأن الثلاثة يدعمون بشكل عام حكومة بشار الأسد في الجارة سوريا. ولكن السياسات اللبنانية متقلبة، وقد تتغير أوضاع الهيمنة السياسة سريعا. فالشيعة اللبنانيين ليسوا مخالب لإيران أكثر من مسيحيي لبنان، والذين يتحالف الكثير منهم حاليا مع الشيعة والعلويين أيضا.

في حالة سوريا، يمثل نظام الأسد البعثي تحالفا من الشيعة العلويين، السنة العلمانيين، المسيحيين، وأقليات أخرى. وليس هناك تقارب أيدلوجي بينه وبين النظام الديني اليميني الإيراني. وحتى العلويين الشيعة لا يشبهون كثيرا الشيعة الاثنى عشرية الإيرانيين، حيث ليس لهم مساجد أو ملالي ويحملون معتقدات غنوصية ترى كهرطقة في طهران. ولكن ذلك محل جدال، بما أن قادة النظام علمانيو الفكر.

أرسلت إيران مدربين واستراتيجيين لمساعدة دمشق في مواجهة المتمردين السنة السلفيين المتشددين، وهي متهمة باجتذاب بعض الأفغان ومرتزقة آخرين لصالح دمشق. وحدث التحالف الجيوسياسي السوري الإيراني بسبب عزلة سوريا في العالم العربي واحتياجها لحليف في مواجهتها للتهديدات المجاورة من إسرائيل، العراق، والسعودية.

لم تجتاح إيران العراق أو سوريا، ولم ترسل حتى جنود مشاة، بل أرسلت بعض قوات العمليات الخاصة في دعمٍ منها للمبادرات العراقية والسورية المحلية، وبناء على طلب الحكومة. وتتمتع إيران في كلا الدولتين بوكلاء سنة كما لها عملاء شيعة. وتواصلت القوى المحلية في الدولتين مع إيران بحثا عن دعمها في مواجهة التحديات المحلية، وليس العكس.

كذلك في اليمن، تمثل الطائفة الزيدية الشيعية ثلث السكان، ولا يحملون أوجه تشابه كثيرة مع الطائفة الاثنى عشرية الإيرانية. الأمر أشبه بافتراض أن الكنيسة الاسكتدلاندية سوف تدعم باستمرار المعمدانيين الجنوبيين لأن كلاهما يمثل صورا من البروتستانتية. تضمن ظهور الحركة الحوثية وسط الزيديين اليمنيين حدوث ثورة ريفية قبلية ضد حكومة قومية مستبدة وضد محاولات السعودية لدعوة الزيديين لاعتناق مذهبها من الإسلام وتحويلهم إلى سنة متشددين، والذين يسموا سلفيين. قادت عائلة الحوثي حركة مسلحة للإصلاح المضاد لصالح تجديد الهوية الزيدية. وبما أن حكومة الرئيس المعزول للأبد علي عبد الله صالح القومية قد حصلت على مساعدة خارجية حاسمة من السعوديين، أعطى صالح للسعوديين تفويضا مطلقا للتأثير على الثقافة الدينية اليمنية نحو صورة غير متسامحة من الإسلام السني. كما تجاهلت الحكومة القومية منطقة صعدة الزيدية في الشمال فيما يتعلق بالخدمات ومشروعات التنمية. لا تضع القبائل اليمنية بالضرورة التوجهات الدينية نصب أعينها عند عقد التحالفات، فقد انضم العديد من القبائل السنية للحوثيين سياسيا. وبينما اتهم نتنياهو والسعوديون، وكذلك الرئيس المعزول الثاني عبد ربه منصور هادي، إيران بإثارة الحوثيين. ولكن الحوثيون يمثلون حركة محلية لها جذورها المحلية، وليس هناك سبب للتفكير أن نجاحاتهم تنسب لإيران بأي شكل. فمعظم نجاحاتهم منذ الصيف الماضي تبدو معتمدة على قرار الرئيس السابق صالح بالتحالف معهم وتوجيه عناصر من الجيش اليمني لدعمهم والوقوف في وجه منافسيهم. أما إلقاء اللوم على إيران البعيدة لحدوث تلك التطورات هو موقف منافي للعقل.

لا يمثل الطاقم المتنافر من الصور البدعية من الإسلام الشيعي، والاشتراكيين القوميين العرب من الطراز القديم، شباب القبائل الريفيين الذين يعيشون في عشوائيات حول المدن الذين يهزون الوضع القائم في الشرق الأوسط دليلا على النفوذ الإيراني، أو كما وصفه نتنياهو "الغزو الإيراني". ففي جميع تلك الحالات، تواصلت تلك القوات المحلية مع طهران بحثا عن الدعم، وربما تداخل في الأمر بعض القوة الشيعية الناعمة الغامضة واسعة النطاق. إلا أنه كما ذكرت، لدى إيران العديد من الوكلاء السنة، بداية بأكراد العراق وحتى تنظيم حماس في غزة.

منذ السبعينات، أصبح النظام القومي المصري بقيادة أنور السادات أكثر تحفظا وتحالف مع الولايات المتحدة والسعودية، حيث روج للإسلام السياسي ثقافيا والسوق الحر اقتصاديا. وبالتالي، ساد وضع ظل قائما في العالم العربي اشتمل على رؤساء قوميين ومتمسكين بمناصبهم مدى حياتهم وملكيات وأمراء، معظمهم كانوا وكلاء للولايات المتحدة وسهلي الإنقياد لسياسات الليبرالية الجديدة الاقتصادية، والتي تضغط الأسواق وتوزع الثروة للأعلى من الطبقات العاملة. تخلى هؤلاء القادة، سواء بشكل صريح أو ضمني، عن معارضة التوسع الإسرائيلي. وسحقوا الحركات العمالية، الشيوعية، والاشتراكية التي كانت قوية في الماضي، واستخدموا أموال النفط في رشوة الشعوب حتى تظل في حالة خمول، أو نشروا شرطة سرية لتعذيب المعارضين حتى يخضعوا. كان ذلك الوضع القائم سنيا بشكل خفي، حيث انتمت معظم طبقات النخبة إلى الطائفة السنية، وشمل ذلك رئيس العراق ورئيس الوزراء اللبناني، رغم أن الطائفة السنية في الدولتين لا تمثل أغلبية.

خلال العقد الماضي، انهار ذلك النظام المريح، جزئيا على يد جيل جديد من أجيال الألفية العربية، والغير مستعد لتحمل الوضع، وأيضا على يد حركات القواعد الشعبية من الطبقات العاملة. كما انهار ذلك النظام داخليا. وعلى الناحية الأخرى، يصبح القوميون في العالم العربي متشككين في الولع السعودي لترويج التشدد السلفي. وبالتالي يصبح الضباط الجزائريون والمصريون أقل حماسةتجاه التمرد في سوريا من الشيوخ. وحتى الأمريكيين، وهم الأبطال الكبار للفكر المتشدد المعادي للشيوعية، منذ أيزنهاور وحتى ريجان، رفضوا حاليا وجود القاعدة أو داعش، وفضلوا التعاون مع إيران. وعلى الناحية الأخرى، صعد المسلحون المحرومون من القاع. وربما الصفة المميزة لهؤلاء المنافسين ليست أن الكثيرين منهم يتمتعون بصبغة شيعية، بل أنهم يرفضون السيادة المشتركة للضباط المصريين والملوك السعوديين، بالإضافة لمظلتهم الأمنية الأمريكية، سياستهم للأسواق الحرة ولطفهم تجاه العسكرية الإسرائيلية. (رغم ذلك فليست جميع الحركات الموالية لإيران تحمل جميع تلك المخاوف، فقد اتجهت سوريا لليبرالية الجديدة خلال العقدين الماضيين على سبيل المثال). وبالتالي تصبح إيران ريادية في دعم تلك التمردات ضد النظام السائد. إلا أنها لم تغزو أي شئ. فإن أصبحت أكثر نفوذا، فإنها تهمة الوضع القائم القديم الخاص بالسادات.

*ملحوظة: يقصد بالقومية هنا القومية الوطنية وليست القومية العربية

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب