هل حان الوقت لتبني استراتيجية لمكافحة داعش إلكترونيا؟

مقال رأي

 

أصبح فهم ومواجهة النشطاء الإلكترونيين لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) تحديا هاما في سبيل مكافحة التطرف العنيف الذي ينتهجه التنظيم. وفي هذا السياق، يثري تقريران صدرا مؤخرا ذلك النقاش.

في الورقة البحثية بعنوان "الجهاد الإلكتروني"، تفحص د. كريستينا سكوري ليانج العاملة بـ(مركز جينيف للسياسات الأمنية) الأساليب غير المسبوقة التي يستغل بها التنظيم تطبيقات الإنترنت لنشر دعايته، لخلق شبكات دعم، وللإسهام في تطرف الأفراد. ويقدم (إحصاء داعمي داعش على تويتر) الذي أجراه جي. إم بيرجير وجوناثون مورجان العاملان بمؤسسة (بروكينغز) بيانات حول استخدام داعمي التنظيم لموقع التواصل الإجتماعي (تويتر)، حيث يستخدمون حوالي 46,000 حساب، إلا أن "ذلك النجاح يمكن إرجاع الفضل فيه لمجموعة صغيرة نسبيا من المستخدمين النشطين، والذين يتراوح عددهم بين 500 و2000 حساب".

بالنسبة لما يجب فعله، تقول ليانج إن "الأدوات الأمنية الصلبة لا يمكنها إنضاب منبع التطرف العنيف"، وأن الاستراتيجيات يجب أن تعالج "المظالم والصراعات الكامنة التي تغذي التطرف"، عبر دعم "مبادرات محلية ومجتمعية تهدف إلى تقوية قدرات الصمود أمام أجندات التطرف العنيف". إلا أن الاستراتيجيات التي تواجه "الأسباب الجذرية" عادة ما تواجه مشكلات في اجتذاب الانتباه، بسبب الخلاف على الأسباب الجذرية للأنشطة الإرهابية، وحتى عند الاتفاق على الأسباب، يكون الخلاف حول كيفية ترتيب الأولويات في استجابات تلك السياسات.

قد تتضمن الأسباب الجذرية لظهور تطرف داعش عدة أمور، بينها ما يطلق عليه أزمة الهوية وسط الشباب المسلم، فشل الحكومات في الشرق الأوسط وأماكن أخري في احترام حقوق الإنسان، واستيلاء داعش على الأراضي في سوريا والعراق باستخدام القوة العسكرية. وبينما يعتقد بيرجير ومروجان أن بياناتهم تكشف أن وقف حسابات تويتر قد "أعاق قدرة شبكة داعش على النمو والانتشار"، إلا أنهما لا يدعمان وقف المزيد من الحسابات. بل يفضلان بدء عملية هامة لعلاج "المشكلات المعقدة التي تتمثل في استخدام المتطرفين لوسائل التواصل الإجتماعي"، ويؤكدون على الحاجة إلىجمع وتحليل المزيد من البيانات. ولكن من غير الواضح إن كان يمكن توليد بيانات أفضل خلال فترة زمنية مناسبة لاستخدامها في وضع السياسات، ما يثير أسئلة حول دور العملية الهامة في غضون ذلك.

دعم نهج يواجه الأسباب الجذرية، ويجمع بيانات أفضل، ويسعى إلى عملية شاملة لاتخاذ القرار، ليس مكروها في حد ذاته. بل تظهر تلك الأفكار في مقترحات عديدة لمكافحة التطرف العنيف. ولكن ما يفتقد في جميع الجهود المختلفة بتلك الساحة السياسية هو إطار عمل استراتيجي شامل لمكافحة داعش في الفضاء الإلكتروني. وهنا يثبت التفكير حول عمليات المكافحة أهميته، لأن مكافحة التمرد تعتبر نشاطا يستند على المعلومات الاستخباراتية ويتطلب تعاونا "مجتمعيا كاملا" يسد احتياجات السكان المحليين المتأثرين بالعنف. وتتمثل الأجزاء المتكاملة لاستراتيجية مكافحة التمرد في "التطهير، الاحتفاظ، والبناء". تمثل الحرب ضد داعش، على عدة أصعدة، حملة لمكافحة تمرد متطرف. حيث تحاول عدة دول أن تخلص الأراضي العراقية من قوى داعش، وأن تضمن سيطرتها على تلك المكاسب، ثم أن تعيد بناء الحكم. وفي ضوء المخاطر المرتبطة بالنشطاء الإلكترونيين لداعش، ربما حان الوقت لتطبيق نفس المراحل (التطهير، الاحتفاظ، والبناء)، تحديدا لغرض مكافحة تطرف داعش في الفضاء الإلكتروني.

تتطلب مهمة "التطهير" تحجيم الظهور الإلكتروني لداعش. فمثلما فعل على الأرض في سوريا والعراق، زرع داعش رايته السوداء في العالم الرقمي، مستغلا الفضاء الإلكتروني في عرض وجهات نظره العنيفة. وقد بدأ مقدمي خدمات التواصل الإجتماعي في مكافحة استخدام التنظيم لخدماتاهم، والمزيد من الجهود الأكثر فاعلية مطلوبة عبر تكوين "تحالف واضح" بين الحكومة وممثلي القطاع الخاص لتصعيب استغلال الفضاء الإلكتروني من قِبل داعش. ويجب تخفيف المخاطر على الحقوق المدنية عبر المبادئ المألوفة، مثل الشفافية في أعمال "التطهير" والإشراف من قبل الحكومة وكيانات المجتمع المدني على العملية.

وتتضمن مهمة "الاحتفاظ" خطوات لإبراز أصوات إلكترونية من المجتمعات المتأثرة سلبا بعنف داعش وفكره. ويتصل ذلك الهدف بدعم واسع لنشر الروايات المكافحة للتطرف التي تصدر عن الوسائل الإلكترونية. وأينما أمكن، يجب نشر جهود "الحفاظ على التحالف" على نطاق واسع من أجل تعميم رفض داعش. وكما تعلمنا تجارب مكافحة التمرد، يكمن ضمان عدم عودة تأثير التمرد في حشد المجتمعات المعرضة للخطر على الخطوط الأمامية للصراع.

ويسعى هدف "البناء" إلى تحقيق الاستقرار في الفضاء الإلكتروني لاستخدامه كوسيلة لإجراء النقاشات المثمرة حول التحديات التي تواجه المجتمعات المتضررة من داعش. حيث جعلت النشاطات الإلكترونية لداعش الفضاء الإلكتروني أكثر أهمية بالنسبة للإرهاب والتطرف مما كان من قبل، ما يخلق مخاطر على الإنترنت تتعدى "الجهاد الإلكتروني". وتواجه "فترة البناء" تحدي، وهو تقليل فرص أن يصبح للفضاء الإلكتروني، مجددا، دورا بارزا في نشر سرطان التطرف والعنف. وفي استراتيجية مكافحة التمرد، يثبت عنصر "البناء" عادة أنه الأصعب لأنه يتطلب التزاما مستداما بعرقلة المشكلات الصعبة، ومن بينها الأسباب الجذرية للصراع. في ذلك السياق، يتصل هدف "البناء" بالدور الذي يجب أن يلعبه الإنترنت في تعزيز التنمية السياسية، الاقتصادية، والإجتماعية.

تكون الورقتين البحثيتين "الجهاد الإلكترني"، و"إحصاء داعمي داعش على تويتر" جزءا من هيئة صاعدة مختصة بالمعلومات، التحليل، والترويج لدعم حملة أكثر قوة – أو "اندفاع إلكتروني"- ضد النشطاء الإلكترونيين لداعش. ولكن تلك الحملة لن تكون العامل الشامل لهزيمة داعش، ولكن إساءة استعمال داعش لوسائل التواصل الإجتماعي يجعل الحاجة لاستغلال الانتشار الحالي للبيانات، الاكتشافات، والأفكار داخل مشروع استراتيجي منظم ضرورة، ويهدف ذلك المشروع إلى الدفاع بنشاط عن الفضاء الإلكتروني ضد تطرف داعش.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب