أن تكشف جاسوسا

مقال رأي

في عصر برمجيات مسح قزحية العين والتعرف على الوجوه، يود متخصصو القياسات الحيوية الإشارة إلى أن: العيون لا تكذب. وقد جعلت تلك الحقيقة النشاط الاستخباراتي أكثر صعوبة على جواسيس الولايات المتحدة.

بعد استثمار مليارات الدولارات، أغلبها من الحكومة الأمريكية، يساعد الجمع والتحليل الروتيني للبصمات، عمليات مسح قزحية العين، وصور الوجه، في تحديد الإرهابيين ومحتالي الهجرة في جميع أنحاء العالم. ولكن تلك التكنولوجيات صعبت أيضا بقاء العملاء السريين مجهولي الهوية.

لقد ولى زمن الدخول لدولة بجواز سفر مزور مع ارتداء شعر مستعار وشارب لإخفاء هويتك الحقيقية. فبمجرد إجراء مسح لقزحية العين، يصبح من شبه المستحيل تجنب كشف هويتك.

"في القرن الواحد والعشرين، لا يمكنك فعل أيا من ذلك بسبب القياسات الحيوية" يقول الفريق المتقاعد بالجيش الأمريكي، مايكل فلين، والمدير السابق لوكالة استخبارات الدفاع .

علاوة على ذلك، تتحد دوائر المراقبة التلفزيونية المغلقة الموجودة دوما وأدوات التعقب على الإنترنت لجعل الحياة أخطر على  العملاء السريين. وعلى هذا النحو، يدفع تآكل إمكانية إخفاء الهوية قطاع الاستخبارات الأمريكي إلى إعادة التفكير في كيفية أداءه لمهامه.

"يجب أن تتخذ المزيد من الإجراءات الأمنية لتجهز شخصا للعمل في بيئة لم يعد يمكنك الاختباء فيها ماديا" علق فلين في مقابلة تمت مؤخرا مع مجلة "فورين بوليسي".

قال مسؤول كبير بوزارة الدفاع أن السياسات قد غيرت القرارات حول من يمكنه السفر إلى أين، ومدى تكرار السفر. وتابع المسؤول، الذي لم يُسمح له بذكر اسمه أثناء مناقشة الشؤون الاستخباراتية وطلب عدم ذكر اسمه: "الأمر مقيد للتحركات".

بوكالة الاستخبارات الأمريكية، تطلبت تلك المخاوف حقبة جديدة من التجسس الإلكتروني لمواجهة القيود المتصاعدة أمام العمليات السرية.

"قدرتنا على تنفيذ مسؤولياتنا فيما يتعلق بالاستخبارات البشرية ومسؤوليات الأمن القومي أصبحت أكثر تحديا" قال مدير وكالة الاستخبارات المركزية، جون برينان، في مارس أثناء إعلانه عن إجراء إعادة هيكلة داخلية كبيرة في الوكالة. وقد تضمنت إعادة الهيكلة إنشاء إدارة للابتكار الرقمي. ودعى برينان الوكالة، في مذكرةٍ للموظفين، إلى "احتضان الثورة الإلكترونية والاستفادة منها".

لم يذكر برينان تحديدا تأثير القياسات الحيوية على السفر السري، ولكن الخبراء يقولون إنها أحد دوافع إعادة الهيكلة.

رفضت وكالة الاستخبارات المركزية التعليق في هذا المقال.

أشاد أكبر نائب ديمقراطي بلجنة الاستخبارات بالكونجرس، آدم شيف، بنهج برينان الجديد نحو "النطاق الرقمي".

 "تمثل التكنولوجيا أحيانا سلاحا ذو حدين"قال شيف في بريد إلكتروني لمجلة فورين بوليسي. وتابع: "من ناحية، يجعل التقدم في مجال القياسات الحيوية قدرتنا على تحديد وتتبع الفاعلين السيئين والخطرين أفضل كثيرا".

"وعلى الناحية الأخرى، يحتمل أن يستخدم الآخرون تلك التكنولوجيات في تعقبنا والتعرف علينا".

اليوم، حتى المنظمات الإجرامية والإرهابية تستخدم نظم القياسات الحيوية في تعقب أفرادها.

 عندما يتعلق الأمر بمكافحة الإرهاب وتأمين الحدود، أصبح جمع بيانات القياسات الحيوية منتشرا في أنحاء كثيرة من العالم. ولكن ذلك لم يحدث قبل هجمات 11 سبتمبر الإرهابية، حيث لم يأبه العملاء الدوليون حينها بالقياسات الحيوية؛ علق تيري هارتمان، نائب الرئيس بشركة  "يونسيس" لتكنولوجيا المعلومات، المتخصصة بحلول الأمن وتطبيقات الصناعة.

"تجمع كل الدول حاليا، بشكل روتيني، صور وجوه الأشخاص العابرين للحدود، كحدٍ أدنى" تابع هارتمان. "كما تجمع عدة دول بصماتهم. وتجمع دول أخرى مسح قزحية العين الخاص بهم".

أثناء الحرب في العراق وحاليا في أفغانستان، جمع الجيش الأمريكي بيانات القياسات الحيوية لملايين الأشخاص، بداية بالمتمردين المشتبه بهم، إلى المتقدمين للعمل في القواعد الأمريكية، وحتى المواطنين العاديين. عبر رفع البصمات الكامنة عن القنابل يدوية الصنع غير المنفجرة، بل وأحيانا المنفجرة، أنشأ الجيش قاعدة بيانات خاصة بالمتمردين والمتطرفين المشتبه بهم أملا في القبض عليهم في نقاط التفتيش والمعابر الحدودية.

كذلك تجمع الولايات المتحدة القياسات الحيوية للمتمردين السوريين الذين تدربهم القوات الأمريكية لقتال تنظيم الدولة الإسلامية، حسبما أوضحت القيادة المركزية الأمريكية. وتستخدم بيانات المتمردين في الفحص التمهيدي لخلفياتهم وتحفظ أيضا كمعلومات مستقبلية، في حال تم الاحتياج إليها في أي تحقيقات متعلقة بالإرهاب.

"جميع الوسائل التي تصعب الإبقاء على سرية هويتك تجعل أيضا الأمر أسهل كثيرا بالنسبة لنا أن نكتشف الآخرين" علق روجر ماسون، الذي عمل مساعدا لمدير الاستخبارات الوطنية للتحليلات الأنظمة والموارد قبل انضمامه إلى شركة "نوبلس"، وهي منظمة غير ربحية مختصة بشؤون العلوم والتكنولوجيا.

خلال السنوات العديدة الماضية، تم انفاق مليارات الدولارات على أبحاث القياسات الحيوية والتي هدفت لامتلاك تكنولوجيات جديدة خاصة بالقياسات الحيوية من قبل مكتب التحقيقات الفيدرالي، وزارة الدفاع، ووزارة الأمن الداخلي.

تقدر شركة المعلومات السوقية "إيه بي آي ريسيرش" أن الإيرادات الكلية للسوق العالمي للقياسات الحيوية سوف ترتفع إلى 13.8 مليار دولار هذا العام. كما يتوقع أن تؤدي الهجمات الإرهابية الأخيرة في أوروبا وأماكن أخرى إلى زيادة الإنفاق عن ذلك التوقع.

قال جيمس لويس، مدير برنامج التكنولوجيات الاستراتيجية بمركز الدراسات الدولية والاستراتيجية أن جمع بيانات القياسات الحيوية "جذاب للغاية للوكالات الأمنية".

تدرك الدول أنه "إن كان لديك قاعدة بيانات بالإرهابيين المعروفين ولديك القدرة على جمع بيانات عدد كبير من المواطنين، ستتمكن من إيجاد الأشخاص الذين ما كنت لتجدهم بطرقٍ أخرى".

أدى تدفق الأموال إلى إحراز تقدم هائل في ذلك المجال.

كما تقدمت تكنولوجيا التعرف على الوجوه على نطاق واسع، حيث يتمكن المحللون الآن من مطابقة الصور الأقل جودة. ومع زيادة قدرات الحواسب، تصبح التحليلات أسرع كثيرا.

"تقدم مسح قرنية العين من كونه فضول إلى كونه اتجاه سائد في القياسات الحيوية" أضاف هارتمان.

كما يتمثل جزء آخر من ذلك المجال سريع النمو في جمع وتحليل مسح الحمض النووي، والذي قد يستخرج من داخل وجنة الشخص، بصيلة شعر، أو حتى سيجارة ملقاة. ولأن مطابقة الحمض النووي تستغرق ساعات، لا تعتبر حاليا قياسا حيويا قابل للتطبيق في الفحص الأمني الحدودي السريع.

يستخدم الحمض النووي في وكالات إنفاذ القانون، أيضا جمعت وزارة الدفاع عينات من ساحات المعارك في العراق وأفغانستان. وتوقع هارتمان أنه لن يمر الكثير من الوقت حتى تتطور تكنولوجيا الحمض النووي وتستخدم على نطاق واسع. "الأمر أسرع كثيرا مما كان عليه منذ 10 سنوات" قال هارتمان. "حيث يتطلب الأمر حاليا ساعات. خلال 10 سنوات، سيتطلب الأمر دقائق".

مع التقدم السريع للتكنولوجيا، ظهرت لمحات نادرة حول كيفية تغيير جمع القياسات الحيوية لعالم العمليات السرية.

في ديسمبر، أصدرت "ويكيليكس" وثيقة سرية خاصة بوكالة الاستخبارات الأمريكية تعود إلى عام 2012، حيث كانت موجهة لإرشاد العناصر السرية للحكومة الأمريكية الذين يسافرون من وإلى الاتحاد الأوروبي. وتصف الوثيقة تحديدا كيفية جمع واستخدام بيانات القياسات الحيوية، وتظهر أن بينما توسع أوروبا ما جمعته وتقدم أنظمة أكثر تقدما، أدى ذلك إلى زيادة الخطر على الأفراد الأمريكيين المسافرين ضمن عملياتٍ سرية.

ولكن أشهر نموذج لعالم الجاسوسية الجديد هو اغتيال محمود المبحوح، القيادي بالتنظيم الفلسطيني المسلح حماس، عام 2010. حيث اُعتبر اغتياله فشلا ذريعا لوكالة الاستخبارات الإسرائيلية، الموساد، لأن غطاء عناصرها انكشف تماما، بفضل تكنولوجيا القياسات الحيوية والمراقبة.

ارتكب عناصر الموساد بعض الأخطاء أثناء العملية. ولكن ما كان حاسما في كشفهم هو تكنولوجيا تأمين الحدود والمراقبة الجديدة.

حدد المحققون في النهاية 27 عميلا إسرائيليا مشاركين في عملية الاغتيال عبر جمع صور من جوازات سفر مزورة، سجلات الهجرة، فواتير بطاقات الائتمان، لقطات دائرة تلفزيونية مغلقة وعالية الجودة داخل المطار وداخل عدة فنادق.

زور عناصر الموساد جوازات السفر عبر نسخ جوازات السفر الأصلية الخاصة بمواطنين إسرائيليين مزدوجي الجنسية من المملكة المتحدة، أيرلندا، فرنسا، ألمانيا، أستراليا، ما أثار غضبا واسعا داخل تلك الدول. وكرد فعل، طردت بريطانيا مسؤولا كبير بالموساد في السفارة الإسرائيلية بلندن.

بينما يصبح جمع وتحليل القياسات الحيوية أكثر روتينية وتقدما، قال المسؤولون والخبراء إنه سوف يصبح أكثر خطورة على عمل الجواسيس.

"ليس هناك حل بسيط لذلك" علق فيلن. "أظن أنه سيتوجب علينا أن نكون أكثر إبداعا بكثير في ذلك الشأن مما نبدو عليه الآن".

 

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب