أين ذهبت جميع الدول العربية؟

مقال رأي

دفعتني التقارير الأخيرة عن الأعمال الوحشية التي ارتكبها تنظيم الدولة الإسلامية بمخيم اليرموك للاجئين في سوريا – الذي يصل تعداد سكانه إلى 18 ألف فلسطيني وسوري، واجهوا بالفعل سنواتٍ من القصف والحصار والتجويع القسري والقنابل البرميلية على يد نظام بشار الأسد – لطرح تساؤل، أين الدول العربية؟

كما أخبرني صديقي وأحد أذكى وأهم محللي السياسات العربية، حسين إيبش، على الدول العربية التي تزعم الاهتمام بشأن الفلسطينيين أن تحاول على الأقل أن تفعل شيئا لليرموك، كأن توضح أن هناك مساحةٌ آمنة خارج سوريا لكل شخصٍ من سكان المخيم لا يزال محاصرا بداخله. يمكنها فعل ذلك عبر مطالبة الأسد والدولة الإسلامية بتوفير ممرٍ آمن لهؤلاء الضحايا، أو حتى إجراء إنزال جوي لتقديم الطعام والإمدادات الأخرى للمخيم، بغض النظر عن مدى صعوبة ذلك. فبعد أن أعلن الملك الأردني عبد الله شبه حرب على تنظيم الدولة الإسلامية إثر إحراق التنظيم لطيارٍ أردني، ماذا عن آلاف الفلسطينيين والسوريين الذين يعانون ويحتضرون؟ مجددا، إنها كارثة إقليمية أخرى تترك للمجتمع الدولي، الذي لن يفعل ولا يريد أن يفعل الكثير بشأنها بالطبع.

فلماذا مجددا يجب أن يفاجئنا غياب رد الفعل المؤثر والمعقول من جانب الدول العربية أمام معاناة أشقائهم العرب؟ لقد خانت الدول العربية الفلسطينيين لسنوات، مدعية مناصرتها للقضية الفلسطينية، ومستخدمة إياهم في النضال ضد إسرائيل عندما ناسبها ذلك، ومساومة الإسرائيليين على حساب الفلسطينيين عندما لم يناسبها. دائما ما سعت الأنظمة العربية للهيمنة والسيطرة على القوى الوطنية الفلسطينية ومواجهتها، في الأردن عام 1970، لبنان منذ عام 1975 وحتى عام 1976، وسوريا عام 1983. أو تطلع إلى السكوت الأصم الذي واجه به العالم العربي القتلى الفلسطينيين المدنيين الذين سقطوا في غزة أثناء الحرب بين إسرائيل وحماس. كما حبذ المصريون والسعوديون بشكل غير سري تماما، مدفوعين بخوفهم وكراهيتهم للجهاديين السنة، الجهود الإسرائيلية لسحق حماس.

إن كانت الدول العربية مستعدة للوقوف متفرجة وفعل القليل لدعم القضية الفلسطينية، فلماذا ستتوسط نيابة عن الشعوب العربية لدى أنظمة متنافسة تم تفتيتها وتمزيقها في الربيع العربي، وهي ظاهرة توصف بشكل أفضل بأنها الانهيار الكبير للدول العربية؟ كانت دول الخليج مستعدة بشدة لدعم التنظيمات المعارضة المفضلة لديها بالأموال والأسلحة في المعركة ضد نظام الأسد وللمشاركة بشكل رمزي في تحالفات صاحبتها دعاية صاخبة ضد تنظيم الدولة الإسلامية. ولكن تلك الجهود لم تقدم الكثير للتأثير على التوازن في أرض المعركة أو لتخفيف المعاناة الإنسانية للسكان المحليين. حتى الأمريكيون لم يتمكنوا من فعل ذلك. رغم أن الأردنيين تحديدا، إلى جانب اللبنانيين والأتراك غير العرب، قد استوعبوا مئات الآلاف من اللاجئين السوريين، وهي خطوة كان لها كلفة كبيرة على اقتصاداتهم واستقرارهم، إلا أنها تحسب لصالحهم. بعد تدليل وتمويل دول الخليج طوال تلك السنوات لنظام الأسد الوحشي، عادت الأزمة السورية لتؤرق هذه الدول تحديدا.

قد يكون من غير الصحيح، بل والمستفز، سياسيا أن نسأل. ولكن السؤال يستحق الطرح، لماذا لا يتحمل العرب (أو لا يستطيعون تحمل) المزيد من مسؤولية المشكلات التي تؤثر على منطقتهم؟ في النهاية، إنها منطقتهم. ألا يجب أن يكون لدينا سبب لتوقع المزيد منهم؟ وإن كانت الإجابة لا، فلماذا؟

جزء مني يعرف إجابات تلك الأسئلة جيدا. في ضوء الانقسامات في العالم العربي، كان العمل الجماعي من أي نوع – عدا الشعارات – دائما نوعا من التجارب الذهنية الممتدة. كما أنه من الأسهل كثيرا مهاجمة الولايات المتحدة بسبب سياساتها المتجنبة للمخاطر، المتخلية عن البعد الاستراتيجي، المتضاربة، وغير الشاملة بشأن كل شيء بداية من إرسال الأسلحة إلى المقاومة في سوريا أو مراوغة إيران، حتى التدخلات في العراق، دعم الأنظمة المستبدة وضربات الدرونز، الدعم غير المحدود لإسرائيل في الكثير من الأحيان، وما إلى ذلك. وبينما نفعل ذلك، فلنهاجم الإسرائيليين أيضا ونلومهم بسبب سياساتهم قصيرة النظر فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، بداية بالمستوطنات وحتى رفض قيام دولة حقيقية للفلسطينيين. إنه دائما خطأ شخص آخر، إذن فلنستدعي شخصا آخر ليحله – مثل أمريكا، الأمم المتحدة، مجموعة 5+1، أو المحكمة الجنائية الدولية.

سبق غياب القدرة والإرادة، لعلاج ما يؤرق المنطقة العربية المنكسرة الربيع العربي المشؤوم، والذي هوت بسببه أربع دول عربية على الأقل إلى درجات مختلفة من الانهيار – سوريا، اليمن، ليبيا، والعراق. ومر زمن طويل منذ أن أظهر القادة العرب الأقوياء نوعا من العمل المستقل الجريء في الحرب أو السلم، كالذي أقدم عليه أنور السادات، الملك حسين، أو حتى الملك السعودي عبد الله الأكثر حذرا ، عبر مبادرات السلام العربي الخاصة به.

إذن، وفي أجواء عيد الفصح الذي مر مؤخرا، دعوني أطرح الأسئلة الأربعة التالية:

الأول: لماذا تصر الدول العربية – رغم كرهها للاستعمار، حساسيتها تجاه تدخل القوى العظمى في شؤونها، وقناعتها بأن الولايات المتحدة، إسرائيل، وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية والموساد يتحكمون في عالمهم – على تقليل شأنها عبر التنازل عن خطوة شن الحرب (وصنع السلام أيضا) لصالح المجتمع الدولي؟

الثاني: لماذا تقف الدول العربية، ودول الخليج تحديدا، متفرجة ولا تتدخل؟ تتمتع تلك الدول بالقوات العسكرية، الأسلحة المتقدمة، الأموال الضخمة، أجهزة الاستخبارات، وتعرف مداخل ومخارج بلادهم أفضل منا.

الثالث: لماذا، عندما تتشكل تحالفات عربية لمواجهة تحدي أو اثنين، يكون الفارق بين الخطاب الحماسي والعمل على الأرض كبيرا جدا، وتكون النتائج هزيلة للغاية، واحتمالات الفشل مرتفعة؟

الرابع: لماذا تدعم الولايات المتحدة باستعداد تام تلك الأنظمة ومنصاتها الإعلامية المطيعة التي تهاجم السياسات الأمريكية، بينما تعتمد تلك الأنظمة بشدة في ذات الوقت على أمريكا لمساعدتها في حل مشكلاتها؟

قد تكون إجابة السؤال الأخير هي الأسهل: ففي أوج الانهيار العربي الكبير، لا تستطيع الولايات المتحدة أن تكون انتقائية للغاية بشأن أصدقائها. حيث لم يعودوا كثيرين هذه الأيام. أما بالنسبة للسؤالين الأول والثالث، فليس لدي إجابة لأيٍ منهما، ولا حتى فيما يتعلق بدور الإسلام وعلاقته بالدولة في كل ذلك. يمكنني أن أبدأ بغياب القدرة الكافية لاستجماع العمل الجماعي والفعال لمواجهة أي مشكلة إقليمية. ثم يمكنني أن أنتقل إلى التفكير في أنه عندما تكون مركزا بشدة على حماية نظامك الخاص، لن يكون لديك الكثير من الوقت أو الموارد لإصلاح مشكلات الآخرين. بالفعل، لست مضطرا للتوغل بشدة في عمق المفاهيم المتبجحة الخاصة بالوحدة والأخوة العربية لتكتشف عمق الضغينة، المنافسة، والتشكك بين الدول العربية ومن ثم ديناميكية "فلينجو كلٍ بنفسه".

بينما يتراجع النفوذ الأمريكي في المنطقة أمام قضايا كثيرة ميؤوسٍ منها، ربما ستصبح الدول العربية الرئيسية – غير الغارقة في الحروب الأهلية والصراع الطائفي – أكثر استقلالا وأقل تجنبا للمخاطر. قد تكون الجهود السعودية في اليمن وتشكيل قوة تدخل عربية (لمواجهة النفوذ الإيراني، حسبما يفترض) بداية لذلك الاتجاه. وفي ضوء عدم فاعلية التدخل السعودي حتى الآن، لست متشجعا للغاية. ولكن على الأقل يؤدي السعوديون دورا.

يغرق العالم العربي في فوضى حقيقية. عجز القيادة الشاملة، غياب المؤسسات الشرعية، نقص الشفافية، عدم احترام حقوق الإنسان، الوضع السئ للمساواة بين الجنسين، وسيطرة الفكر التآمري بشدة، جميعها عوامل تجعل التصالح مع حجم المشكلات غير ممكن. باختصار، ستظل تلك المنطقة منكسرة، غاضبة، ومختلة حتى تتضافر جهود القادة الذين يرمون لتحمل مسؤولية هذه البلاد التعيسة. وذلك ... حسنا، مشروع متعدد الأجيال في أفضل الأحوال، وأظن أن ما سيحدث سيستغرق وقتا أطول كثيرا.

المطلوب هو نوعٌ ما من الإصلاح الضخم غير الواقعي على عدة مستويات، وهو ما لن يحدث. فمن الصعب على جميع المجتمعات أن تنظر إلى داخلها وتجري تقييما ذاتيا. بل من الأسهل كثيرا أن تعطي المشكلة والحل مظهرا خارجيا، وتحديدا إن لم تعجب بنتائج التقييم الذاتي. بالفعل كان مايكل جاكسون محقا، إن أردت إحداث تغيير لا تكون البداية عبر إلقاء اللوم على الآخري، بل عبر إلقاء نظرة طويلة وحادة تجاه الشخص الذي تراه في المرآة محدقا وعبر تقييم عيوبك. قد لا يكون جميلا. ولكنه ضروري، وعندما يتعلق الأمر بالعالم العربي، فإنه أمر تأخر كثيرا.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب