اصلاح النظام القضائي في تونس

مقال رأي

تتجه تونس نحو إجراء إصلاحات عميقة فيما تشارف المهل الدستورية لتعديل نظامها القضائي بكامله على الانتهاء، مع العلم بأنها أظهرت تردّداً في تطبيق هذا الإصلاح. فمنذ انتفاضة 2011، لم تجرؤ أي من الحكومات المؤقتة على القيام بتغييرات حقيقية في النظام القضائي - الذي لايزال يوظّف عدداً كبيراً من رموز النظام السابق. وقد مهّد الدستور الذي أُقِرّ في مطلع العام 2014، الطريق وأخيراً لإحداث تغيير منظَّم عبر إعادة صوغ مجلس القضاة وإنشاء محكمة دستورية. من المتوقّع أن تبصر هاتان المؤسستان النور بحلول نهاية العام الجاري.

سيكون المجلس الأعلى للقضاة هيئة مستقلة تقرّر في موضوع الترقيات وتقدّم المشورة للمشترعين حول مختلف الإصلاحات المتعلقة بإطار العمل القضائي. يجب أن يصوّت البرلمان على القانون الذي ينص على إنشاء المجلس في غضون ستة أشهر من الانتخابات البرلمانية. بناءً عليه، أمام النواب مهلة تنتهي في أواخر شهر نيسان/أبريل الجاري لمناقشة مشروع القانون الذي اقترحته وزارة العدل في التاسع من آذار/مارس الماضي. بيد أن بعض القضاة التونسيين الذين يقولون إن الوزير لم يأخذ توصياتهم في الاعتبار، انتقدوا مشروع القانون معتبرين أنه يقوّض استقلال القضاء، من جملة هواجس أخرى. وقد نفّذت جمعية القضاة التونسيين ونقابة القضاة إضراباً لمدّة أسبوع في مطلع آذار/مارس الماضي، احتجاجاً على مشروع القانون. من جهته، يدافع الوزير بن عيسى عن مشروع القانون قائلاً إنه يضمن لأول مرة تشكيل مجلس ذي تركيبة ديمقراطية. بموجب مشروع القانون الجديد، ينتخب القضاة أنفسهم غالبية أعضاء المجلس، بدلاً من أن يعيّنهم رئيس الدولة كما كان الحال في السابق. من شأن ذلك أن يحول دون ممارسة السياسة تأثيراً كبيراً على التعيينات، وأن يضمن بقاء القضاء بمنأى عن الخلافات السياسية اليومية.

ليس بإمكان تونس إنشاء المحكمة الدستورية إلا بعد تشكيل المجلس الأعلى للقضاة، لأن كلاً من المجلس والرئيس والبرلمان سيتولّى تعيين ثلث أعضاء المحكمة. وبعد تشكيلها، ستقع على عاتقها مهمة صعبة، إذ سيكون عليها المواءمة بين القوانين التونسية القائمة ومبادئ الدستور الجديد الذي يحتوي بحد ذاته على عدد من البنود المتضاربة. فضلاً عن ذلك، سيكون على المحكمة أن تُحدّد الدور القانوني لعدد من المعاهدات الدولية التي صادقت عليها تونس لكنها لاتُطبَّق في الممارسة - أو تُطبَّق بصورة جزئية، مثل اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة. ينص الفصل 20 من الدستور الجديد على مايأتي: "المعاهدات الموافق عليها من قبل المجلس النيابي والمصادق عليها، أعلى من القوانين وأدنى من الدستور"، وهذه ممارسة غير معهودة ستتعرّض على الأرجح للطعن في المحكمة.

سيكون للإصلاحات القضائية المرتقبة تأثير كبير على تطبيق القوانين التي من المرتقب إقرارها في مجلس النواب، بما في ذلك قانون مكافحة الإرهاب، وقوانين المساواة على أساس الجندر، والقوانين المتعلقة بحقوق المهاجرين. وسوف تكون للطريقة التي تتعامل بها المحاكم مع هذه القوانين تداعيات مهمة على التشريع في البلد. على سبيل المثال، يضمن الدستور المساواة على أساس الجندر، خلافاً لقانون الأحوال الشخصية. وبالمثل، على الرغم من أن تونس صادقت على عدد من الاتفاقات حول حقوق المهاجرين، ليس هناك قانون لتنظيم مسألة طالبي اللجوء، بل تقتصر التشريعات على تنظيم أوضاع المهاجرين الذين يدخلون البلاد بصورة قانونية. كما أن القضايا المتعلقة بالإرهاب قد تدفع بالمحكمة الدستورية إلى مناقشة الحد الفاصل بين حرية التعبير والحق في ممارسة المعتقد الديني بحرية، أو في حماية الحياة الخاصة. إنها مواضيع حسّاسة، لاسيما على ضوء مايسمّيه الرئيس الباجي قائد السبسي مقاومة الإرهاب "بلاشفقة ولارحمة".

إلى جانب الإصلاحات الهيكلية، ثمة حاجة أيضاً إلى إجراءات إصلاحات عملانية. يشتكي بعض القضاة من ضغط العمل الشديد وسوء ظروف العمل في المحافظات الداخلية. كان شائعاً خلال حكم العهد السابق نقل القضاة الذين ينتقدون النظام إلى المحافظات الداخلية، كما حصل مع كلثوم كنو التي كانت مرشّحة للانتخابات الرئاسية في العام 2014. حتى في الوقت الحالي، يُعتبَر العمل في السلك القضائي في المحافظات عقاباً، ويطرح إنشاء قضاء مهني ومستقل خارج العاصمة تحدّياً إضافياً خلال الأعوام المقبلة. فضلاً عن ذلك، تملك تونس حالياً محكمة إدارية واحدة (في العاصمة تونس)، على الرغم من أنه يُفترَض أن تكون هناك محكمة إدارية في كل محافظة.1

الإصلاح الهيكلي ليس إلا واحدا من التحديات التي تواجه النظام القضائي، والخلاف بين القضاة حول تشكيل المجلس الأعلى ليس ما هي الا اشارة عن صعوبة المسار. في حين أن الإصلاحات تسير قدما، وسوف يستغرق إصلاح العقليات القضاة مقاومين للإصلاح وقتا أطول.

 

مصدر الترجمة: 
Carnegie Middle East Center