الجميع يخسر حرب اليمن

مقال رأي

 

يوم 26 أبريل، حظيت بفرصة حضور تقديم وزير الخارجية اليمني، رياض ياسين، لمؤتمرٍ صحفي أمام جمهور مستغرق في لندن. حيث دافع بأعلى صوته من فندق فاخر بكنسينجتون عن مديره، الرئيس المحاصر بالانتقادات عبد ربه منصور هادي، المنفي في الرياض بالسعودية، بعد هروبه من الحوثيين المتقدمين، وهم تنظيم زيدي شيعي متمرد سيطر تدريجيا على أجزاء كثيرة من اليمن. شدد ياسين على أن الحوثيون وعلي عبد الله صالح – الرئيس السابق – مسؤولون عن علل اليمن، وأن الحل الوحيد هو الدعم الدولي لهادي وهزيمة خصومه تماما.

أصبحت تلك الممارسات هي الأكثر انتشارا في الخطابات العامة منذ دشن التحالف تحت قيادة السعودية عملية عاصفة الحزم، وهو هجوم عسكري يهدف ظاهريا لتعزيز هادي وهزيمة الحوثيين وحليفهم، الرئيس السابق صالح. تتمثل الرسالة الرئيسية لتلك الخطابات دائما في أن – رغم الطبيعة الخادعة لخصومهم – النصر قريب جدا. وصف المتحدث العسكري للمملكة العربية السعودية الهجوم بأنه نجاحٌ تاريخي، بل وقال إن التحالف قد حقق أهدافه خلال ربع الساعة الأولى من العملية. وفي غضون ذلك، زعم القادة الحوثيون أنهم قد أضعفوا السعودية بشكلٍ كبير، بل ووصلت مزاعمهم إلى أنهم سوف يكونون قريبا على أعتاب مكة.

أدت السعودية جولة انتصار أخرى الأسبوع الماضي، حيث أعلنت عن انتهاء عملية عاصفة الحزم وبِدء مرحلة جديدة، سميت عملية "إعادة الأمل". وشرح بيانٌ صدر عن الرياض التغيير بقول إن العملية السابقة قد "حققت أهدافها"، وحمت السعودية والدول المجاورة بنجاح من الحوثيين. لكن رغم إشارة المملكة مبدأيا لنهاية الحملة الجوية وبدء عملية سياسية، لم يتغير شيء على الأرض، فقد استمرت ضربات التحالف الجوية في صنعاء، العاصمة اليمنية، وأماكن أخرى حيث يبدو أن الطرفين مازالا حبيسي صراع صفري النتيجة على السلطة.

إلا أن الحقيقة هي أن لا أحد ينتصر في هذه الحرب. وبينما تبدو جميع الأطراف المشاركة في الحرب بعيدة عن تحقيق أهدافها، فإن هناك خاسرٌ واحدٌ واضح، إنه الشعب اليمني.

حتى إن توقفت الحرب غدا، ستستغرق إعادة البناء سنوات. فقد دمرت الضربات الجوية مساحاتٍ من صنعاء، معقل الحوثيين في صعدة، مدينة تعز المركزية، ومدنا أخرى، إلى جانب حصار جوي وبحري قاسي منع بشكل أساسي وصول الغذاء والماء إلى الدولة الفقيرة. حذرت منظمة الصحة العالمية من "الانهيار الوشيك لخدمات العناية الصحية" ورفعت تقارير عدد القتلى إلى 1000 شخص – ولكن ذلك في المدن الكبيرة فقط. كما تذمر بهدوء عدد من الدبلوماسيين والمسؤولين من الدول النشطة في تمويل مشروعات التنمية باليمن من أن العملية العسكرية خلال الشهر الماضي قد قضت فعليا على عقودٍ من العمل.

لكن رغم الجهود الدبلوماسية القوية، يصعب تصديق وجود اتفاق سلام بين الحلول المطروحة. فوسط ذلك المناخ الساخن، تحمل أي تنازلات أحادية الجانب خطر إمكانية تفسيرها على أنها علامة ضعف. دافع القادة الحوثيون عن أعمالهم عبر وصف موقفهم بأنه معركة وجودية، وبشكلٍ غير مفاجئ، يفعل الكثير من خصوم الحوثيين ذات الشيء. ذهبت الأقلمة المتزايدة للصراع إلى درجة العمل على حذف قوة اليمنيين من كامل الصراع، ما يوحي بأن القوة اللازمة لحل الصراع ربما تنزلق من بين أيديهم.

يوجد ببساطة القليل من الثقة بين الفصائل اليمنية المختلفة، إن وجدت من الأساس. وسط الأنقاض، تحطم أيضا النسيج الاجتماعي لليمن، فتوغلات القوات المدعومة من صالح والمقاتلين الحوثيين قد نجحت على الأرجح في تدمير الأسمال البالية المتبقية من الوحدة اليمنية، حيث دمرت القوات الشمالية إلى حدٍ كبير مدينة عدن الساحلية، التي كانت ساحرة من قبل، ليسقط العشرات – إن لم يكونوا مئات – من الضحايا المدنيين. تتدفق مصطلحات الكراهية والازدراء للشيعة، الموجهة ضد الحوثيين، من أفواه الكثير من سنة اليمن – الذين كان يصعب أن يتخيل معظمهم استخدام تلك المصطلحات منذ سنواتٍ قليلة. في الأيام المبكرة والمفعمة بالأمل من تظاهرات عام 2011، عمل أعضاء حزب الإصلاح السني الإسلامي مع الحوثيين ضد صالح، واصفين على نحوٍ متفائل أي توترات بأنها نتيجة مشكلات النظام القديم. يقبع معظمهم الآن في أماكن الاحتجاز الحوثية، بينما لايزال آخرون – في ضوء الخطاب الحوثي الذي يصور الاصلاح  كذراعٍ فعلي للقاعدة – يصفون الحوثيين في المقابل بأنهم أعداء الله.

يجدر التأكيد على أن التحالف السعودي قد أحرز بعض التقدم. فقد نجح السعوديون وحلفاءهم في القضاء على الجزء الأكبر من القدرات الجوية والصاروخية للحوثيين وحلفائهم في الجيش اليمني. ولكن السعوديون فشلوا في إضعاف سيطرة الحوثيين على صنعاء أو في تمهيد الطريق لعودة هادي. كذلك لم ينجحوا في تحفيز تشكيل قوة متحدة معادية للحوثيين. حيث يمكن القول إن المزيج المختلط من الإسلاميين ورجال القبائل والانفصاليين متحدٌ فقط بفعل ما يحاربونه.

أتذكر باستمرار أصدقائي اليمنيين الكثيرين، وبشكل أناني على نحو لا يمكنني إنكاره. تلك الحرب لم تنته بعد وقد خسر اليمنيون بالفعل الكثير، وكان الأمر مخيفا أن استمع إلى أصدقاء يحكون عن تدمير منازلهم في لحظة ويشكرون الله على نجاة أحبائهم في اللحظة التالية.

أثناء الأزمات السابقة، عندما كان صديق يطرح احتمالية ترك اليمن من أجل حياة أفضل، كنت أنصحه بشدة بعدم فعل ذلك، مؤكدا على مقدار النفع الذي قد يقدمه في بلده. إلا أنه في ضوء الأحداث الأخيرة، تشككت على نحوٍ متزايد في حكمة تلك النصيحة. هل البقاء باليمن يحمل الهلاك لليمنيين الأذكياء والطموحين؟ هل بلدهم غارقة في دوامة لا ينفع معها شيء سوى الهروب وعدم النظر إلى الوراء؟ أم أنه عندما يبدأ الغبار في التكشف، سيكونون هم من يتوجب عليهم تولي مهمة إعادة بناء اليمن، ليمهدوا الطريق أخيرا من أجل اليوم المشرق الذي بدا من قبل – منذ سنواتٍ قليلة فقط – سهل الوصول؟

 

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب